حبل الله
العلم (الرُّوح) الموجود في الكائنات

العلم (الرُّوح) الموجود في الكائنات

تشير الآيات المتعلِّقة بآدم عليه السلام أنَّ العلوم الموجودة في الكائنات تسمَّى الرُّوح أيضا، لأنَّ سبب أمر الله تعالى للملائكة بالسجود لآدم كان هو الرُّوح، أي العلم.

{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إنَّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} (الحجر 15/28-29)

والآيات التي تظهر متى تمَّ السُّجود لآدم هي:

{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إنَّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً [1]}

لـمَّا علم الملائكة أنَّ المخلوق الجديد يحمل صفة الخليفة (المخالَفة) وقعوا في الدَّهشة وقالوا:

{أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء} (البقرة 2/30)

لقد علم الملائكةُ ما بين الحيوان من مخالفة دافعة لسفك الدماء، ومثاله اقتتال الذُّكور على قيادة المجموعة، ولو كانت المخالفة قائمة بين الإناث بنفس الدَّرجة لـمَّا بقي من الحيوان إلا نزر يسير، ولانقرض كثيرٌ من فصائله منذ دهور. أمَّا المخالفة في البشر فستكون في أفراده كلِّهم بغضِّ النَّظر عن الذُّكورة والأنوثة، وهو ما أوقع الملائكة بالدَّهشة وجعلهم يتساءلون بصيغة المعترض.

ولـمَّا أدرك الملائكة أنَّهم بهذا الاعتراض قد وقعوا في مخالفة الله تعالى استدركوا قائلين:

{وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ[2] لَكَ، قَالَ إنَّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}

لم يجد الله تعالى الملائكة ظالمين بقولهم في حقِّ آدم، وذلك بسبب الطبيعة المخالفة له، حيث لم يروا من الكائنات المخالفة قبله سوى الصِّراع والاقتتال. لكن كان هناك شيء لم تعلمه الملائكة عن طبيعة آدم المخالفة، وأنَّه متميِّز عن غيره، لذا قال الله تعالى لهم: (إنَّي أعلم ما لا تعلمون)

{وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ[3] كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ[4] عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إنَّ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (البقرة 2/31)

والأسماء جمع اسم، وتُطلق على الألفاظ والمعاني مفرداتها ومركباتها. لأنَّ آدم عليه السلام كما عُلِّم الاسم عُلِّم الفعل، والحرف، ولا يعرف الإنسان الاسم فيكون عارف لمسماه إذا عرض عليه المسمى إلا إذا عرف ذاته. ألا ترى أنَّا لو علمنا أسامي أشياء بالهندية، أو بالرومية، ولم نعرف صورة مالَه تلك الأسماء لم نعرف المسميّات إذا شاهدناها بمعرفتنا الأسماء المجرَّدة، بل كنا عارفين بأصواتٍ مجرَّدة، فثبت أنَّ معرفة الأسماء لا تحصل إلا بمعرفة المسمَّى، وحصول صورته في الضَّمير، فالمراد بقوله: {وعلم آدم الأسماء كلها} الأنواع الثلاثة من الكلام وصور المسميات في ذواتها[5].

{قَالُوا سُبْحَانكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إنَّكَ أنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} (البقرة2/32)

قالوا هذا بعد أن ظهر لهم عجزهم.

{قَالَ يَاآدَمُ أنبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ، فَلـمَّا أنبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ، قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إنَّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} (البقرة2/33)

وقد كان أمر الله تعالى الملائكة بالسُّجود لآدم حصل بعد تعلّم آدم ما علَّمه الله تعالى:

{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكان مِنَ الْكَافِرِينَ[6]) (البقرة2/34)

الذي جعل آدم في درجة أعلى من الملائكة هو ما حصل عليه من العلم، ذلك العلم الذي تعلَّمه آدم مكتوبا بالقلم:

{اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الإنسان (آدم) مَا لَمْ يَعْلَمْ} (العلق 96/3-5)

ما لم تعرفه الملائكة هو المخالفة التي يتميَّز بها المخلوق الجديد التي ستكون الدَّافع إلى سباق العلم وبناء الحضارة. وبهذه المخالفة سيتمُّ الوصول إلى الأفضل والأجمل. حيث لا يوجد سفك للدِّماء هنا، بل دعم للمنافسين بطرق غير مباشرة، وكلـمَّا كان المتنافسون أقوى وأصلح زاد النَّجاح. ولكن إذا كانت المعارضة كالتي في الحيوانات فسيتمُّ إفساد التَّوازن وسفك الدِّماء.

قول الله تعالى للملائكة بعد إخبارهم أنَّه سيخلق بشرا: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} (الحجر 15/29، ص 38/72) وكذلك أمره إياهم بالسُّجود لآدم بعد تعليمه العلوم كلَّها، يُفهم منه أنَّ الرُّوح التي نُفخت في آدم هي العلوم التي تعلَّمها، تلك العلوم التي حمَّلها الله تعالى لآدم. يقول الله تعالى:

{وَمَا كان لِبَشَرٍ أن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إنَّه عَلِيٌّ حَكِيمٌ (الشورى 42/51)

واحدة من طرق الوحي الثلاثة المذكورة في الآية تتعلَّق بكل إنسان. ومن ذلك الوحي لأمِّ موسى (القصص 28/7) ولمريم لـمَّا كان ابنها المسيح في المهد (مريم 19/17-34) ويقال لهذا النَّوع من الوحي الإلهام. ولا بدَّ أنْ يكون ما تعلَّمه آدم من علم الله كان من هذا الطريق.

وقد يكون الوحي بشكل رؤيا يراها النَّائم. ومن ذلك رؤيا يوسف عليه السَّلام لـمَّا رأى أحد عشر كوكبا والشَّمسَ والقمرَ له ساجدين (يوسف 12/4) وكذلك رؤيا ملك مصر في نفس السُّورة (يوسف 12/43)، ومثل هذه الرؤى هي إحدى الوسائل التي يصل بها علمُ الله تعالى إلينا.

والنَّوع الثَّالث من الوحي هو الذي يأتي الأنَّبياء حيث يأتيهم على هيئة كتاب، وهم بذلك مكلَّفون بتبليغه إلى الناس وتطبيقه بينهم، لذلك من الضَّروري أن يكون النَّبيُّ رسولا، وهذا النَّوع من الوحي لا يأتي إلا إلى الأنَّبياء. ومن يُوصل هذا النوع من الوحي هو رسولُ الله جبريل عليه السلام، ومجيء هذا الوحي له ميزة خاصة، كما تخبرُ عنه الآية التالية:

{عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا. إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَأنَّه يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا. لِيَعْلَمَ أن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا} (الجن 72/26-28)

*ما ورد أعلاه هو جزء من مقالة أ.د عبد العزيز بايندر (البشر والإنسان في القرآن) المنشورة على الرابط التالي https://www.hablullah.com/?p=3404

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  كلمة خليفة تحمل معنى المخالف وتشير إلى مبدأ الاختلاف الذي يحكم حركة الإنسان ويميز كل إنسان عن أبناء جنسه؛ لنجد الناس مختلفين في مناهجهم وقدراتهم وتصوراتهم وحتى أشكالهم. وقد أنزل الله تعالى شريعته إلى الناس لينضبط الاختلاف فيكون سببا في الرقي والتقدم، ومعلوم أنَّ التقدم لا يحصل دون اختلاف القدرات وتنوع المهارات، والزيغ عن دين الله يؤدي إلى تضارب مصالح المختلفين لينتج عنه إهدار الحقوق وسفك الدماء وتعميم الفساد

[2]  التقديس بمعنى تنزيه الله تعالى عن العيب، فكانهم أرادوا القول إنَّ اختيارك كون المخلوق الجديد يحمل صفة المخالفة منزه عن العيب، وهو اعتراف منهم بقصور علمهم بما سيكون عليه المخلوق الجديد

[3]  ال التعريف في (الأسماء) هي عوض عن مضاف إليه مقدر، والمعنى أسماء الأشياء.

[4]  يلاحظ استخدام الضمير (هم) في قوله تعالى (عرضهم) وهذا الضمير يستخدم للعقلاء، بينما ذكر قبل ذلك بضمير غير العاقل (ها) في قوله (كلها) ذلك أنَّه قبل تعلم آدم الأسماء كانت مجهولة مما استدعى وصفها بضير غير العاقل، بينما لـمَّا تعلمها آدم وأصبحت معلومة لديه بأسرارها وماهيتها استدعى وصفها بضمير العاقل (عرضهم) .

[5]  المفردات للأصفهاني مادة سما

[6]  كان إبليس واحدا من الملائكة لكنَّه كفر بعد عصيانه أمر الله بالسجود لآدم، وقوله تعالى (وكان من الكافرين) يدل على أنَّ ملائكة قبله قد كفروا. والملائكة هم الرسل المكلفون من الجن، يختارهم الله تعالى لتنفيذ مهام معينة، والملأ الأعلى مكون منهم.

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.