حبل الله
الرُّوح التي نُفخت في آدم وذرِّيَّته

الرُّوح التي نُفخت في آدم وذرِّيَّته

قبل أن يتعلم آدم الرُّوح الموجودة في الكائنات؛ أي ما تحتويه من العلم، نفخ الله تعالى فيه الرُّوح. إنَّها الرُّوح التي تتيح له الفرصة للتَّعلم وتقييم ما يتعلَّمه. تلك هي الرُّوح التي منحته وزوجته وأولاده بُنيَة مختلفة. يقول الله تعالى:

{الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، وَبَدَأَ خَلْقَ الإنسان مِن طِينٍ. ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ. ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ، قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} (السجدة 32/7-9)

لقد تمَّ خلق أعضاء آدم وحواء في التُّراب، وما إن أصبحا جسدا بالغا حتى نفخ الله تعالى بهما الرُّوح فخرجا من التُّراب بهيئة رجلٍ وامرأةٍ لا بهيئة طفلين وليدين. الآية التي تظهر هذا ستأتي في القسم التَّالي. أمَّا أولاد آدم فبعد إتمام خلق أعضائهم في أرحام أمَّهاتهم توهب الرُّوح لهم، بعد ذلك سيمكثون في الرَّحم لمدَّة ستَّة أشهر أخرى. علمنا ذلك من الآية التَّالية:

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ. ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أنشأناه خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ[1]} (المؤمنون 23/12-14)

الجَنين الذي يصبح إنسانا بنفخ الرُّوح فيه يبدأ بالحركة داخل رحم أمِّه مما يحدث لها مضايقات عديدة. يقول الله تعالى:

{وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانا، حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا، وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} (الأحقاف 46/15)

وفقا للآية التَّالية فإنَّ مدَّة الإرضاع تستمرُّ لمدَّة 24 شهرا، بناء عليه فيبقى من  30 شهرا 6 أشهر:

{وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ، حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ، وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ، إنَّ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ، إِلَيَّ الْمَصِيرُ (لقمان 31/14)

وكلمة الفصال في الآية هي فطام الطِّفل بعد تمام الإرضاع كما يُبيِّنه قولُه تعالى:

{وَٱلْوَٰلِدَٰتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ إنَّ يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَ} (البقرة 2/233)

السَّنة المعتمدة في القرآن هي السَّنة القمريَّة (التوبة 9/36). نظرًا لأنَّ طول السَّنة القمريَّة هو 354 يومًا ، فإنَّ 30 شهرًا تساوي عامين ونصف، أي 885 يومًا. إذا طرحنا عامين (708 أيام) وهو الحد الأقصى للإرضاع، فيبقى 177 يومًا. ونظرًا لأنَّه من المقبول أنَّ الطفل يمكث في الرَّحم 280 يومًا فإنَّ 280-177 = 103. من هنا يظهر أنَّ بُنية الجسم في رحم الأمِّ قد اكتملت وأنَّ الرُّوح قد نُفخت فيه في اليوم 103. ونظرًا لأنَّ الشهور القمريَّة تستغرق أحيانا 29 يومًا وأحيانا 30 يومًا، فإنَّ هذه الفترة تقدَّر بـثلاثة أشهر ونصف. وبعبارة أخرى، عندما يبلغ عمر الجنين ثلاثة أشهر ونصف يتم الانتهاء من بناء جسمه وحينئذٍ يتمُّ نفخ الرُّوح فيه. منذ ذلك الحين يصبح إنسانا كاملا، لذا لا يكفُّ عن الحركة في الرَّحم مثيرا المشكلات لأمِّه.

ملاحظة: ما ورد أعلاه هو جزء من مقالة أ.د عبد العزيز بايندر (البشر والإنسان في القرآن) المنشورة على الرابط التالي https://www.hablullah.com/?p=3404

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  هناك نوعان من الخلق؛ الأول: خلق شيء لا مثل له، من لا شيء. وهذا النوع من الخلق لا يستطيعه إلا الله تعالى. ومثاله خلق السماوات والأرض على غير مثال سابق كما يبينه قوله تعالى {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (الأنَّعام 6/101). الثَّاني: انتاج شيء من شيء، وهذا النوع من الخلق يستطيعه الإنسان، ومثاله ما خلقه عيسى من الطين على هية الطير (آل عمران 3/49). وقوله تعالى في الآية {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} مهم للغاية، وهذا يفيد أنَّه بإمكان الإنسان إنَّ يخلق عضوا بشريا، لكن هذا العضو لن يكون مثيلا لـمَّا خلقه الله تعالى من حيث إحسان خلقه.

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.