حبل الله
البشر والجانّ في القرآن الكريم

البشر والجانّ في القرآن الكريم

كلمة البشر في القرآن تشير إلى الجانب الـمادِّي من الإنسان، يقال لظاهر جلد الإنسان في العربية البشرة، وكلمة بشر التي تشترك مع البشرة في الجذر اللغوي تشير إلى تميِّز جلد الإنسان عن جلد غيره من المخلوقات. وبسبب هذا الفارق الذي جعله مضطرَّا للِّباس صار الكائن الوحيد الذي يمكنه العيش في كلِّ المواسم وفي أيِّ مكان من الأرض.

والآيات التَّالية تشير إلى أهميَّة اللباس بالنسبة لآدم وبنيه:

{يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أنزلنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى[1] ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ. يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَان كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا أنَّه يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ} (الأعراف 7/26-27)

{يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا أنَّه لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ. قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (الأعراف 7/31-32)

نفهم من جميع الآيات ذات الصِّلة وممِّا شاهدناه في الواقع أنَّ جلد البشر مختلفٌ عن جلود غيره من الكائنات الحيَّة. إنَّ الذين عاندوا أنبياء الله كان لهم ذات الميِّزات البشريَّة التي يملكها الأنَّبياء، لذا كثر تركيزهم على كون الأنَّبياء لا يختلفون اختلافا يقتضي اتِّباعهم. يقول الله تعالى:

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ.  فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأنزل مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ} (المؤمنون 23/23-24)

يمكن تقسيم الكائنات الحيَّة إلى مرئيَّة وغير مرئيَّة، وغير المرئي منهما يقالُ له الجنّ. وقد خلق الله تعالى الإنسان الأول (آدم عليه السَّلام) من الطِّين؛ وهو التُّراب المجبول بالـمَّاء، بينما خلق الجنَّ من النَّار المختلطة بالـمَّاء. يقول الله تعالى:

{خَلَقَ الإنسان (آدم) مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ. وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ} (الرحمن 55/14-15)

{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ. وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ} ( الحجر 15/26-26)

الجانَّ هو اسم الفاعل من الجنِّ، واسمُ الفاعل ينبئ عن الحدث، ويعني الكائن غير المرئي. وحتى تكون النار سامَّة  يجب أن تكون ذات دخان، ويكون في الدُّخان ماء.

ويُفهم من الآية التَّالية أنَّ الملائكة فريقٌ من الجنَّ:

{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كان مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ، أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ، بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} (الكهف 18/50)

ولفهم قوله تعالى {كان مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} لا بدّ من الإجابة على السُّؤال التَّالي: من هم الجنّ الذين لم يفسقوا عن أمر ربِّهم؟ الإجابة الوحيدة الممكنة على هذا السُّؤال هي: الملائكة. والملكُ الوحيد الذي فسق عن أمر الله هو إبليس، ولو لم يكن إبليس من الملائكة لـما كان مكلَّفا بالسُّجود لآدم. والفهم الصحيح لهذه الآية يبطل التَّصور الحاصل بأنَّ الملائكة ليسو من الجنِّ، وأنَّهم غير مكلفين، وأنَّه لا يقع منهم العصيان (معصومين)[2].

ما ورد أعلاه هو جزء من مقالة أ.د عبد العزيز بايندر (البشر والإنسان في القرآن الكريم) المنشورة على الرابط التالي https://www.hablullah.com/?p=3404

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  أفضل الألبسة هي تلك التي تقي البدن من الحر والبرد والضربات العارضة. يقول الله تعالى {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} (النحل 16/81)

[2]  الخطاب الموجه للملائكة وغيرهم في الآية التالية يثبت أنَّهم محاسبون وبالتالي فأنَّهم غير معصومين {فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} (سبأ، 42). وبعد إنَّ ذكر الله تعالى أنَّ عيسى بن مريم والملائكة لن يستكبروا عن عبادته سبحانه أردف قائلا {وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا} (النساء،172) تثبت هذه الآية عدم عصمة الملائكة لأنَّهم سيحاسبون وهم تحت طائلة التهديد إنَّ استكبروا عن عبادته. انظر مقالة جمال نجم (الجن والملائكة) على الرابط التالي http://www.hablullah.com/?p=2191

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.