السؤال:
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته:
أود أن استفسر عن هذه الآية: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةً﴾ ما المقصود بـ “درجة” هنا؟ أهي درجة فضل أم درجة تكليف؟ لم أجد تفسيراً واضحاً للمعنى. وما صلتها بباقي الآية عن المطلقات؟ هل المطلِّق له درجة؟ وما معناها أصلاً؟ أرجو ردّاً واضحاً، وشكراً جزيلاً مقدماً.
الجواب:
وعليكم سلام الله ورحمته وبركاته، نرحب بالسائل الكريم ونجيب عن سؤاله بإذنه تعالى بشيء من التوضيح.
إن الجدل القائم حول فهم قوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة 228]، لا يقل في عمقه واحتدامه عن الجدل الدائر حول قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء 34]؛ إذ قرئت كلتا الآيتين في التراث الفقهي السائد من منظور ذكوري ضيق متأثر بموروثات ما قبل الإسلام، ليعاد صياغتهما وتفسيرهما كصك للتفضيل والاستعلاء والتفاضل الذاتي، بينما يقدم السياق القرآني الخالص رؤية مغايرة تماما تعكس مراد الله الحقيقي بعيدا عن التشريف والسيطرة، كما سنتبين في التفصيل.
بداية نوضح أن القرآن الكريم حين أراد أن يتحدث عن “التفضيل القيمي والمنزلة” الذي يجعل طرفاً أعلى درجة عند الله تعالى بسبب عمله وجهده، استخدم لفظ التفضيل بصراحة تامة لا ريب فيها، كقوله تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى القاعدين دَرَجَةً…﴾ [النساء 95] وفي موطن آخر قال: ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [التوبة 20].
ولكن عندما نتأمل الخطاب القرآني حول العلاقة بين الجنسين، نجد أن الله سبحانه وتعالى لم يقل أبداً (فضل الله الرجال على النساء درجة)، ولم يقل (الرجال أعظم درجة) بل إن الله تعالى نفى هذا الفهم الخاطئ حين تحدث عن القوامة فقال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء 34].
فالله لم يقل (الرجال قوامون على النساء بما فضلناهم عليهن)، بل قال بدقة متناهية: ﴿بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء 34]. والفرق هنا جوهري وعظيم بين معنيين؛ فالمعنى المقصود هو “التميز” وليس “التمييز”.
- “التميز” (بمعنى التنوع والتكامل): هو اختلاف الخصائص والقدرات والوظائف؛ فكل جنس خلقه الله بمميزات فريدة تناسب دوره وأعباءه في الحياة، دون أن يعني ذلك أفضلية أو تفوقاً إنسانياً للذات على الأخرى، فالرجل مهيأ لأدوار معينة كالإنفاق والقيام بالأعباء الثقيلة، والمرأة محملة بصفات وقدرات عظيمة (كالقنوت وحفظ الغيب) وهنا يصبح التميز هو توزيع أدوار عادل يتكامل فيه الذكر والأنثى لتحقيق العمران والسكينة.
- أما “التمييز” (بمعنى العنصرية أو التفرقة الطبقية): فهو إعطاء قيمة أعلى أو استعلاء لجهة على أخرى بناءً على النوع أو العرق لمجرد التشريف والسيطرة، وهذا ما يرفضه القرآن تماماً، إذ لا توجد أفضلية ذاتية بين إنسان وآخر إلا بالتقوى والعمل الصالح.
ولذلك، عندما نتأمل الآية الكريمة، نجد أنها لا تقرر “تمييزاً” طبقياً يجعل الرجل أعلى قيمة، بل تقرر “تميزاً” وظيفياً تكليفياً؛ فالرجل مُكلّف بأعباء الإنفاق والقيام، والمرأة مُكرمة ومتميزة بخصائصها ومكانتها، وكلاهما في ميزان العدل الإلهي سواء، وليست هذه المميزات وسام تفوق إنساني، بل هي أدوار متكاملة وليست أدوار استعلاء.
ويؤكد هذا المعنى المبدأ الكلي الذي أرَساه الله تعالى في نفس السورة بقوله: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ، لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ، وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء 32].
وإذا جئنا إلى الآية موطن السؤال، وعند تأمل قول الله عز وجل: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة 228] يبرز التساؤل المنهجي: كيف يقرر الله سبحانه وتعالى في الآية مبدأ التكافؤ التام والتماثل أولًا بقوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ثم يأتي ليقول بعدها: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾؟!
- فلو كانت “الدرجة” هنا تعني “درجة تفضيل أو استعلاء”، لوقع التعارض والتناقض الحقيقي في الآية الواحدة؛ فكيف يساوي الله تعالى بينهما في الحقوق والواجبات أولاً، ثم يعود ليجعل أحدهما مفضلاً على الآخر ذاتياً ثانياً؟ هذا لا يصح في بلاغة القرآن ولا في عدله المطلق.
ولبيان المعنى علينا بتدبر سياق الآية الكريمة والآيات المتشابهة التي تدور حول السياق نفسه:
أولًا: بيان التكافؤ المباشر في نص الآية ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
تبدأ الآية الكريمة ببيان الأحكام الإجرائية المباشرة لمرحلة الطلاق والفراق: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ…﴾ [البقرة 228].
وعندما يقول تعالى ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ والملاحظ أنه تعالى لم يقل (ولهن مثل ما على الرجال) بل نجد أن الضمير يعود في الحالتين على المطلقات أنفسهن دون واسطة: ﴿وَلَهُنَّ﴾ + ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ وهنا يحدد النص القرآنِي ميزان الواجب والحق في هذه الأزمة بدقة:
- ما المُراد بـ ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ من واقع النص؟ هو ما فرضه الله على المرأة المطلقة صراحة في الآية نفسها أثناء فترة العدة:
- التربّص والانتظار: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾
- الصدق وعدم الكتمان بنقص فترة الحيض أو زيادته أو الحمل: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾
- ما المُراد بـ ﴿وَلَهُنَّ﴾ من واقع الأحكام؟ هو الحق الذي جعله الله تعالى لها في المقابل تماماً أثناء هذه الفترة نفسها؛ كحقها في المسكن والنفقة والكرامة وعدم المضارة، وهو ما فصّله تعالى في آيات الطلاق الأخرى إكمالاً لهذا الميزان.
ثانياً: المعنى الدقيق لـ ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ كزيادة في المسؤولية
بعد أن بيّن تعالى ما على المطلقة وما لها، قال: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ وهنا لم يقل سبحانه: (فضل الله الرجال عليهن درجة)؛ لأن هذه “الدرجة” ليست تفضيلاً ولا ميزة شخصية للرجل، بل هي درجة زيادة في المسؤولية والعبء الإضافي الملقى على كاهل الرجل المطلِّق في إدارة هذه الأزمة، وما يؤكد ذلك:
- الدلالة اللغوية لحرف (على): حرف “على” يفيد اللزوم والشيء الملقى على الكاهل والمسؤولية المباشرة، كقوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة 286] ولا يكون حرف “على” مفيداً للتفضيل الإنساني إلا إذا اقترن صراحة بكلمة التفضيل أو الرفع، كقوله تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ﴾ [الأنعام 83]، أو قوله: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء 95].
- سر الخاتمة الإلهية: خُتمت الآية بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ لتكون حازمة؛ لكي لا يتهاون الرجل في أداء هذه المسؤولية والعبء، ولئلا تُستغل هذه الدرجة التنفيذية في الظلم أو التعسف.
تفصيل أبعاد “الدرجة” (مسؤولية الرجل الكبرى في أزمة الطلاق)
تتجلى هذه “الدرجة” في مجموعة من الأحكام المباشرة التي فصّلها القرآن الكريم:
- مسؤولية المبادرة بالإصلاح والرجعة: جعل الله تعالى للزوج حق المراجعة وإعادة الزوجة أثناء العدة ليتولى هو قيادة محاولة الإصلاح ورعاية الأسرة، مقيداً ذلك بالنية الصادقة: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ في الآية نفسها، وخاصة لو كانت المرأة حاملاً، فإن مسؤولية الرجل تتضاعف بإرجاعها ورعايتها حتى ينشأ الطفل في كفالة أبيه ورعايته، ولا يُترك الجنين للضياع.
- التكليف بالإنفاق وحظر الإخراج والتضييق: حَمّل تعالى الرجل المسؤولية المادية والنفسية الكاملة تجاه المطلقة طوال العدة، فمنعه من إخراجها من بيتها، وحرّم عليه التضييق عليها للضغط عليها، والصبر عليها حتى ولو كرهها، حيث قال تعالى:
- ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق 1].
- ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق 6].
- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا، وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19]
ثالثًا: البناء القرآني المتكامل وتأكيد الإحسان عند الفراق
مما يؤيد معنى العبء والالتزام الأخلاقي بوضوح، ما جاء عقب الآية في السورة نفسها حيث قال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة 229]؛ إذ جعل سبحانه مرتبة “الإحسان” – وهي أعلى من المعروف – واجبة عند الفراق، وحذّر تحذيراً شديداً عقبها بقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾.
الخلاصة:
إن قوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ يضيف على كاهل الرجل درجة أكبر في حق الرجوع عن الطلاق وفي تحمل المسؤولية والتبعة له وفي عدم التعسف مع المرأة، فالعبارة وردت في سياق أحكام الطلاق بشكل خاص، وحتى لو استعملناها كقاعدة عامة في الحديث عن طبيعة الحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة بشكل عام؛ فإنها لا تفيد تفضيلاً ذكورياً ولا تمييزاً طبقياً بأي حال من الأحوال.
إنما تعبر عن درجة إضافية في المسؤوليات والالتزامات الملقاة على كاهل الرجل؛ سواء في حالة الإمساك والمراجعة أو في حالة التسريح والانفصال، لضمان صيانة حقوق المرأة بالمعروف تحت الرقابة الإلهية الحكيمة ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
الباحثة: شيماء أبو زيد


أضف تعليقا