حبل الله
تفسير الآيات 87-92 من سورة البقرة

تفسير الآيات 87-92 من سورة البقرة

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: 87] 

لقد آتينا موسى عليه السلام الكتاب، وهو التوراة، مشتملًا على الهدى والبيان وما يحتاج إليه بنو إسرائيل لإقامة حياتهم على أساس هداية الله وشرعه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 53]. ولم ينقطع إرسال الرسل بعد موسى، بل أتبع الله بعضهم بعضًا، فبعث في بني إسرائيل رسلًا متتابعين يجددون التذكير بوحي الله، ويدعون الناس إلى الالتزام به، ويبينون لهم ما اختلفوا فيه. ويدل التعبير بقوله: ﴿وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ على تعاقب الرسل وتتابعهم، إذ يأتي اللاحق منهم في إثر السابق، حاملًا رسالة الله وداعيًا إلى الهدى، لا ليؤسس دينًا يناقض أصل الرسالات السابقة، بل ليؤكد الحق الذي أوحاه الله، ويبين ما تقتضيه الهداية في واقع الناس وأحوالهم.

ثم خصّ الله عيسى بن مريم عليه السلام بالذكر، فقال: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾؛ فقد آتاه الحجج الواضحة والآيات الدالة على صدق رسالته، وأمدّه بروح القدس، وهو جبريل عليه السلام على التفسير المشهور، تأييدًا له في تبليغ الوحي والقيام بما كلّفه الله به. وقد ورد ذكر هذه النعمة في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [المائدة: 110]. كما تكرر ذكر هذه الخصيصة في سورة البقرة نفسها، ضمن بيان تفاوت الرسل فيما آتاهم الله من الخصائص والدرجات، فقال سبحانه: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [البقرة: 253]. فهذه النعم والآيات تؤكد أن دعوة الرسل لم تكن قائمة على مجرد الادعاء، بل كانت مؤيدة بما آتاهم الله من البراهين والدلائل.

وبعد أن ذكّر الله بني إسرائيل بما أنعم به على أنبيائهم من الكتب والآيات والتأييد، انتقل إلى إنكار موقفهم من الرسل، فقال: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾. والاستفهام هنا إنكاري توبيخي، يكشف عن تناقض موقفهم مع مقتضى الإيمان بالوحي؛ إذ كان المنتظر منهم أن يتلقوا ما يأتيهم من عند الله بالقبول والنظر في حججه، وأن يجعلوا الحق ميزانًا لأقوالهم وأفعالهم، لا أن يجعلوا أهواءهم ومصالحهم معيارًا لقبوله أو رفضه. غير أنهم قابلوا بعض الرسل بالاستكبار حين خالفت دعوتهم ما ألفوه أو اشتهوه، فكأنهم جعلوا أنفسهم حكَمًا على أمر الله، يقبلون من الوحي ما يوافق رغباتهم، ويرفضون ما يدعوهم إلى مراجعة مواقفهم وتصحيح انحرافاتهم.

ثم بيّن الله عاقبة هذا الاستكبار بقوله: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾؛ أي إن موقف الرفض لم يقف عند حدود الإعراض عن الدعوة أو مخالفة توجيهات الأنبياء، بل بلغ لدى بعضهم تكذيب الرسل، ولدى بعضهم الآخر الاعتداء عليهم وتشويههم وقتل نبوتهم. وفي هذا تصوير لخطورة الانحراف حين يتحول الاختلاف مع الحق إلى خصومة مع حامليه، فيُرفض الرسول لا لقصور في حجته، وإنما لأن دعوته لا توافق هوى من يرفضها. ويؤكد هذا المعنى ما جاء في سورة المائدة: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة: 70]، حيث يتضح أن هذا السلوك لم يكن موقفًا عابرًا من رسول بعينه، بل نمطًا من التعامل مع الرسالات تكرر كلما تعارضت دعوة الحق مع أهواء المكذبين.

ويظهر موقف الرافضين كذلك في تعامل بعض بني إسرائيل مع رسالة عيسى عليه السلام؛ فقد دعا إلى عبادة الله والاستجابة لما أوحاه إليه، لكن دعوته لم تلقَ القبول من الجميع. وفي مقابل من كذّبه أو عارضه، كان هناك من آمن به ونصر دعوته، وهم الحواريون، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ . رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: 52–53]. وتكشف هذه المقابلة عن أن الموقف من الرسالة لم يكن واحدًا؛ فمن الناس من استجاب لدعوة الرسول وآمن بما جاء به، ومنهم من رفضها. فالعبرة ليست بمجرد الانتساب إلى جماعة دينية أو الادعاء باتباع كتاب منزل، وإنما بصدق الاستجابة لما أنزله الله على رسله.

ويمتد هذا السياق إلى موقف بعض بني إسرائيل من القرآن الكريم حين جاء مصدقًا لما بين أيديهم من الحق. فقد كان مقتضى معرفتهم بما سبق من الوحي أن ينظروا في رسالة القرآن وما جاء به من البينات، وأن يقبلوا الحق متى تبين لهم صدقه، لكن فريقًا منهم رفضه مع معرفته بما يتضمنه من موافقة لأصل الوحي، كما قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 89]. ويزيد هذا المعنى وضوحًا قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: 91]. فالإشكال الذي تكشف عنه الآيتان ليس في الانتساب إلى الوحي السابق في ذاته، بل في تحويل هذا الانتساب إلى ذريعة لرفض ما يأتي بعده من الحق، مع أن صدق الرسالة لا يُقاس بكونها وافقت ما اعتاده الناس أو انتسبوا إليه، وإنما بما تقوم عليه من هدى الله وحجته.

﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 88] 

بعد أن بيّنت الآية السابقة موقف بعض بني إسرائيل من الرسل، وكيف قابلوا دعوتهم بالاستكبار حين تخالف أهواءهم، تكشف هذه الآية عن وجه آخر من وجوه رفض الحق، يتمثل في ادّعائهم أن قلوبهم مغلقة أمام ما يُدعون إليه من الإيمان. فقد قالوا: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾، أي إن قلوبنا مستغنية عمّا تدعوننا إليه، ومكتفية بما لديها، فلا حاجة لها إلى ما تأتون به من هدى أو بيان. وبهذا القول يصوّرون أنفسهم وكأنهم لا يحتاجون إلى تلقي مزيد من الحق، أو كأن ما لديهم من معارف ومعتقدات يمنعهم من الاستجابة لما جاءهم به الرسل.

ويحتمل وصف القلوب بأنها «غُلْف» معنى كونها مغلّفة لا يصل إليها ما يُلقى عليها من دعوة، وهو ما يجعل هذا القول تعبيرًا عن عدم الاستعداد لتقبّل الحق. وسواء أكان مرادهم ادّعاء الاكتفاء بما لديهم، أم تصوير قلوبهم على أنها محجوبة عن فهم ما يُدعون إليه، فإن سياق الآية يكشف عن اتخاذ هذا الوصف ذريعةً للإعراض عن الوحي بدلًا من النظر في حججه والتفكر في دلالاته. ويؤيد ورود هذا التعبير في سياق الحديث عن مواقفهم من الرسالة قوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 155]، حيث يردّ القرآن دعواهم إلى حقيقتها، ويبيّن أن المشكلة لا تكمن في نقص البيان الإلهي، وإنما في موقفهم من الحق الذي جاءهم.

ولهذا جاء الرد الإلهي حاسمًا: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾؛ أي إن الأمر ليس كما يزعمون من أن قلوبهم مغلقة بطبيعتها أو أنها مكتفية بما لديها، بل إن موقفهم من الحق، وما أصرّوا عليه من الكفر والإعراض، هو الذي يفسّر ما انتهوا إليه من الحرمان من الهداية والبعد عن رحمة الله. ولفظ «اللَّعْن» يدل في أصل استعماله على الإبعاد والطرد، كما يبيّن الراغب الأصفهاني في مفردات ألفاظ القرآن؛ ويأتي في الاستعمال القرآني للدلالة على الإبعاد عن الرحمة الإلهية. ومن ثمّ، فإن إسناد اللعن إلى الله في هذه الآية يبيّن عاقبة موقفهم من الوحي، ولا يصحّ أن يُفهم على أنه إقرار بصحة دعواهم أن قلوبهم مغلقة على نحو لا سبيل معه إلى الهداية؛ فالآية تربط هذا المصير بكفرهم، أي بموقفهم الرافض للحق.

وهذا الربط بين الكفر وعاقبته ينسجم مع السياق السابق، الذي عرض نمطًا من التعامل مع الرسل يقوم على الاستكبار والتكذيب حين لا توافق الرسالة أهواء المخاطَبين. فبدلًا من أن يراجعوا مواقفهم في ضوء ما جاءهم من البينات، نسبوا الإعراض إلى طبيعة قلوبهم، وكأنهم بذلك يقدّمون تفسيرًا يبرّر رفضهم، بينما يردّ القرآن هذا الادعاء إلى سببه الحقيقي: الإصرار على الكفر. وفي ذلك تنبيه إلى أن الإنسان قد يتخذ من معارفه السابقة أو معتقداته الموروثة حاجزًا يحول بينه وبين النظر المنصف في الحق، إذا جعلها معيارًا نهائيًا لا يقبل المراجعة، بدلًا من أن يزنها بميزان الدليل والبيان.

ثم تختم الآية بقوله تعالى: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾، وهو تعبير يفيد قلّة إيمانهم، أو قلّة ما يصدر عنهم من الإيمان الحق. فمع ما أُوتوا من كتاب، وما تعاقب عليهم من رسل، وما جاءهم من الآيات والبيّنات، لم تكن استجابتهم للحق على القدر الذي يقتضيه ما وصل إليهم من هدى الله. وتأتي هذه الخاتمة متصلة بما سبقها؛ إذ إن ادّعاء انغلاق القلوب لا يغيّر من حقيقة موقفهم، ولا يجعل الإعراض عن الوحي عذرًا مقبولًا، ما دام القرآن يردّ هذا الموقف إلى الكفر الذي اختاروه وأصرّوا عليه.

﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 89] 

تواصل هذه الآية بيان مواقف بني إسرائيل من الوحي، وتكشف عن تناقض واضح بين ما كانوا ينتظرونه من ظهور الحق وما اتخذوه من موقف حين جاءهم بالفعل. فقد جاءهم كتاب من عند الله، وهو القرآن الكريم، مصدّقًا لما بين أيديهم من الحق في الكتاب المنزل عليهم، فكان مقتضى علمهم بالوحي السابق أن ينظروا فيما جاء به القرآن، وأن يؤمنوا به ما دام مصدّقًا لأصل ما أنزله الله من الهدى. غير أن موقفهم جاء على خلاف ذلك؛ إذ لم تقترن معرفتهم بما جاءهم بالاستجابة له، بل انتهى فريق منهم إلى إنكاره والجحود به.

ويشير قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى أنهم كانوا يرجون مجيء الكتاب والرسول المنتظر، ويستبشرون به، ويستعينون بما لديهم من علم بشأن الوحي القادم في الاحتجاج على الذين كفروا. فالاستفتاح يتضمن طلب الفتح والنصر، ومن معانيه في هذا السياق الاستنصار والتبشير بما يُنتظر من ظهور الحق. لكن المفارقة التي تكشف عنها الآية أنهم، حين جاءهم ما كانوا ينتظرونه، لم يتعاملوا معه وفق ما تقتضيه معرفتهم السابقة، بل رفضوه حين لم يوافق أهواءهم أو تصوراتهم ومصالحهم. وهكذا تحوّل ما كان ينبغي أن يكون باعثًا على الإيمان إلى موضع اختبار كشف حقيقة موقفهم من الوحي.

ويتصل هذا المعنى بما سبق في السورة من دعوة بني إسرائيل إلى الوفاء بعهد الله والإيمان بما أنزله، كما قال تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: 40]، ثم قال سبحانه: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ [البقرة: 41]. فقد كان الأمر بالإيمان بالقرآن متصلًا بالتذكير بنعم الله وعهده، وبما يقتضيه ذلك من الصدق في اتباع الوحي وعدم التفريق بين رسل الله وكتبه. ومن ثمّ، فإن إنكار القرآن بعد مجيئه لا يمثل مجرد موقف من رسالة جديدة، بل يكشف عن الإخلال بمقتضى العهد الذي يوجب الاستجابة للحق متى تبيّن.

وقد بيّن القرآن أن الرسول النبي الأمي الذي جاء بهذا الكتاب كانت صفاته مذكورة في الكتب السابقة، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: 157]. كما وصف موقف فريق من أهل الكتاب من الكتاب المنزل بقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 101]. وتبرز الآية الأخيرة صورة التناقض بين العلم والعمل؛ إذ قد يعرف الإنسان الحق، وتقوم لديه شواهد تدل عليه، ثم يعرض عنه وكأنه لم يعرفه قط. فالمشكلة هنا ليست بالضرورة انعدام المعرفة، بل عدم الوفاء بما تقتضيه تلك المعرفة من إقرار واستجابة.

ويُلاحظ أن قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ يضع المعرفة السابقة في مقابل الموقف اللاحق؛ فليس موضع الإنكار مجرد عدم التصديق برسالة لم يتبين صدقها، وإنما رفض ما عرفوه من الحق حين جاءهم. وهذا يوضح أن المعرفة وحدها لا تضمن الهداية، ما لم تقترن بالتجرد والإنصاف والاستعداد لقبول ما يدل عليه الدليل. فقد يحول التعصب أو الحرص على المكانة أو التمسك بالموروث دون الاعتراف بالحق، حتى يصبح الإنسان مستعدًا لمخالفة ما يعلم إذا تعارض مع ما يرغب فيه. ولذلك يأتي هذا الإنكار متصلًا بالآية السابقة، التي نقلت قولهم: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾، فكأن السياق ينتقل من ادّعاء عدم الاستعداد لتلقي الحق إلى الكشف عن رفضه بعد مجيئه ومعرفته.

ثم قال تعالى: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، واللعنة هي الإبعاد عن رحمة الله، وقد جاء الوعيد هنا مرتبطًا بالكفر الذي ظهر في موقفهم من الكتاب المنزل. فليس الأمر مجرد اختلاف في الرأي أو تردد في فهم رسالة جديدة، بل هو جحود للحق بعد ظهوره، وهو ما يفسر شدة الوعيد الوارد في الآية. وتكشف الخاتمة عن خطورة الإعراض المتعمد عن الوحي، ولا سيما حين يقترن بمعرفة سابقة تقتضي من صاحبها أن يكون أولى بالاستجابة للحق من غيره.

ولا ينبغي أن يُفهم من ذلك أن كل من وقع في خطأ أو أخفى حقيقة في موقف معين يستحق الحكم نفسه الوارد في الآية؛ فالسياق يتحدث عن مواقف من الكفر والجحود والكتمان، ويقرن الوعيد بالإصرار على هذه الأفعال. كما أن الآيات نفسها تذكر استثناء من تاب وأصلح وبيّن، وهو ما يؤكد أن القرآن يجمع بين التحذير من عواقب رفض الحق والدعوة إلى الرجوع عنه وتصحيح الموقف منه.

﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾ [البقرة: 90] 

هنا ينتقل السياق من بيان التناقض بين المعرفة السابقة والموقف اللاحق إلى الكشف عن أحد الأسباب التي دفعتهم إلى هذا الجحود، وهو البغي والحسد، أي رفضهم أن ينزّل الله من فضله على من يشاء من عباده. وبذلك لا يقتصر بيان موقفهم على أنهم أعرضوا عن الحق بعد معرفته، بل يكشف أيضًا عن أن هذا الإعراض ارتبط باعتراضهم على أن يختار الله لرسالته من يشاء من خلقه.

ويبدأ الله تعالى بتقبيح اختيارهم بقوله: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾؛ فالشراء هنا تصوير لاختيارهم الذي استبدلوا فيه ما يفضي بهم إلى الخسران بما فيه نجاتهم وصلاحهم. فقد آثروا الكفر بما أنزل الله على الإيمان به، وكأنهم باعوا أنفسهم بثمن بالغ السوء، إذ قدّموا أهواءهم ومصالحهم على الهدى الذي جاءهم من عند ربهم. وفي هذا التعبير تنبيه إلى أن الإنسان قد يفرّط في أعظم ما ينفعه حين يجعل الاعتبارات الدنيوية أو العصبيات والمواقف المسبقة مقدّمة على الاستجابة للحق؛ فيختار ما يوافق رغباته العاجلة، وإن كان في ذلك إضرار بمصيره وعاقبته.

ثم يبيّن الله سبب هذا الاختيار بقوله: ﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. فالبغي في هذا السياق يدل على تجاوز الحد بدافع الحسد والاعتراض والعدوان؛ إذ لم يكن رفضهم قائمًا على مجرد عدم معرفة ما جاء به الوحي، بل ارتبط باستثقالهم أن يختصّ الله أحدًا من عباده بفضله. وقد رأوا أن الرسالة ينبغي أن تأتي على وفق ما يتصورونه أو يرغبون فيه، فلما أنزل الله وحيه على من اختاره من عباده، لم يسلّموا بمشيئته، بل قابلوا ذلك بالجحود.

والآية، بهذا المعنى، تقرر أن فضل الله ليس ملكًا لجماعة تحتكره، ولا استحقاقًا يفرضه الناس على ربهم، وإنما هو لله يؤتيه من يشاء وفق علمه وحكمته. فالنبوة والوحي من فضل الله، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124]. ومن ثمّ، فإن الاعتراض على اختيار الله بدافع الحسد لا يطعن في صدق الرسالة، بل يكشف عن خلل في موقف المعترض نفسه؛ إذ يجعل ما يريده معيارًا لما ينبغي أن يفعله الله، بدلًا من أن يتلقى أمره بالإنصاف والتسليم للحق.

أما قوله تعالى: ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾، فيفيد أن الله يخصّ من يشاء من عباده بما يريد من فضله، ومنه إنزال الكتاب والوحي وإرسال الرسل. والمشيئة هنا متعلقة بالله تعالى، الذي يفعل ما يشاء وفق علمه وحكمته، لا وفق رغبات البشر وتفضيلاتهم. وقد وردت مادة المشيئة في القرآن في سياقات متعددة، منها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 20]، حيث تدل على نفاذ قدرة الله وعدم عجزه عن شيء. غير أن اختلاف السياق يقتضي مراعاة اختلاف المقصود؛. والجامع أن مشيئة الله لا يحدّها اعتراض المعترضين، ولا تخضع لتصوراتهم ورغباتهم.

وتكشف الآية بذلك عن خطورة الحسد حين يتجاوز مجرد الشعور النفسي إلى موقف عملي يدفع صاحبه إلى إنكار الحق أو مقاومته. فبدلًا من أن ينظر الإنسان في حقيقة الرسالة وما تقوم عليه من أدلة، قد ينشغل بهوية من جاء بها، أو بالمكانة التي يظن أنه أحق بها، فيرفض الحق لا لخلل فيه، بل لأنه صدر عمّن لا يريد له أن ينال ذلك الفضل. وهذا هو موضع الذم في الآية؛ إذ أصبح الحسد حائلًا دون الإيمان، ودافعًا إلى استبدال الكفر بما أنزل الله.

ثم يقول سبحانه: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾، أي رجعوا مستحقين غضبًا متراكمًا بسبب ما اجتمع في موقفهم من أسباب السخط الإلهي. ويُظهر هذا التعبير أن الأمر لم يكن زلّة عابرة أو موقفًا منفردًا، بل ارتبط بتتابع صور الإعراض والجحود، والإصرار على رفض الحق بعد ظهوره. ويتصل ذلك بما سبق في السورة من ذكر استكبارهم عن الرسل، وادعائهم أن قلوبهم مغلقة، ثم كفرهم بالكتاب الذي عرفوه؛ فكل آية تكشف جانبًا من موقفهم، حتى تتضح صورة الإعراض المتكرر عن هداية الله.

ولا يلزم من عبارة ﴿غَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ حصر أسباب الغضب في سببين محددين من غير دليل، وإنما تفيد في سياقها تراكم الغضب وتضاعف أسبابه. فالسياق يربط الوعيد بكفرهم وبغيهم، ويبيّن أن إصرار الإنسان على رفض الحق، مع قيام الحجة عليه، يزيد من خطورة موقفه ومسؤوليته عنه.

ويختم الله الآية بقوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾؛ أي إن الذين أصرّوا على الكفر يستحقون عذابًا يتضمن الذل والهوان. ووصف العذاب بأنه «مهين» يحمل دلالة تتجاوز مجرد الألم إلى ما فيه من خزي وانكسار، وهو ما يناسب حال من حمله الكبر والحسد على رفض الحق، وكأنه يأنف من أن ينال غيره فضلًا من الله. ففي حين توهّم هؤلاء أن رفضهم للرسالة يحفظ لهم مكانتهم أو امتيازهم، يكشف ختام الآية عن العاقبة المناقضة لما أرادوه؛ إذ ينتهي بهم الاستكبار إلى الذل، والحسد إلى الخسران.

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 91] 

تواصل هذه الآية بيان مواقف جماعة من بني إسرائيل من القرآن الكريم، وتكشف عن حجة أخرى اتخذوها لتبرير رفضهم الإيمان به، فقد كانوا يُدعون إلى الإيمان بما أنزل الله، فيجيبون بأنهم يؤمنون بما أُنزل عليهم، أي بما أنزله الله على أنبيائهم من قبل، ثم يرفضون ما جاء بعد ذلك من الوحي، مع أن القرآن حق من عند الله، ومصدّق لما بقي لديهم من الحق في الكتاب السابق. وهكذا جعلوا انتسابهم إلى الوحي المنزل عليهم ذريعةً لرفض وحي الله الذي جاء بعده، وكأن إيمانهم بالكتاب السابق يعفيهم من واجب الاستجابة لكل حق يثبُت أنه من عند الله.

ويكشف قولهم: ﴿نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ عن موقف يقوم على حصر الإيمان فيما ألفوه وانتسبوا إليه، بدلًا من اتخاذ الحق نفسه معيارًا لقبول الوحي. فالإيمان بما أنزل الله لا يصح أن يكون انتقائيًا، بحيث يقبل الإنسان من رسالات الله ما يوافق انتماءه وموروثه، ويرفض ما عداه لمجرد أنه جاء على لسان رسول آخر أو في كتاب منزل لاحقا. وإذا كان مصدر الوحي واحدًا، وهو الله سبحانه، فإن مقتضى الإيمان به هو تصديق رسله وقبول ما جاءوا به من الحق، لا جعل الانتساب إلى رسالة سابقة حاجزًا يحول دون الإيمان برسالة لاحقة.

وقد أكد القرآن هذا المعنى في مواضع متعددة، منها قوله تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: 41]، وقوله سبحانه: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: 3]. فهذه الآيات تقرر الصلة بين الوحي القرآني والوحي السابق، وتبين أن القرآن لم يأتِ لينقض أصل ما أنزله الله على رسله من الهدى، بل جاء مصدّقًا له. ولا يعني ذلك أن كل ما نُسب إلى الكتب السابقة أو فُهم منها صحيح بالضرورة، وإنما المقصود تصديق الحق الذي أنزله الله، مع الاحتكام إلى الوحي في تمييز الحق من الباطل.

ثم يصف الله الكتاب الذي رفضوه بقوله: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾، وفي هذا تأكيد أن جحودهم لم يكن مبررًا بمجرد اختلاف مصدر الرسالة أو انتمائها إلى مرحلة لاحقة من تاريخ الوحي؛ فالقرآن حق من عند الله، ومصدّق لما معهم من الحق. ومن ثمّ، فإن رفضه مع قيام ما يدل على صدقه يكشف عن خلل في موقفهم من الوحي، لا عن تناقض في أصل الرسالات الإلهية. وكان الأولى بهم أن يجعلوا ما لديهم من معرفة بالكتاب السابق باعثًا على النظر في القرآن والاستجابة له، لا سببًا للانغلاق دونه.

وبعد أن كشف الله تناقض موقفهم من الوحي، انتقل إلى محاجّتهم بما عُرف من أفعال أسلافهم، فقال: ﴿قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. فالاستفهام هنا إنكاري توبيخي، يُبطل دعوى الإيمان من خلال الاحتجاج بما يناقض مقتضاه من السلوك. فإذا كنتم تزعمون أنكم تؤمنون بما أنزل الله، فلماذا وقع من أسلافكم الاعتداء على أنبيائه الذين بعثهم لهدايتكم؟ إن الإيمان بالوحي ليس مجرد دعوى تُقال، ولا يكفي فيه الانتساب إلى كتاب منزل، بل ينبغي أن يظهر أثره في احترام رسل الله والاستجابة لما جاءوا به من الحق.

والخطاب في قوله تعالى: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ﴾ موجّه إلى المخاطَبين في سياق الآية، مستحضرًا فعل أسلافهم الذي يُنسب إليهم من جهة الجماعة والتاريخ والرضا بالنهج أو الاستمرار عليه، وليس المقصود أن كل فرد منهم باشر قتل الأنبياء بنفسه. ويقوم الاحتجاج هنا على التناقض بين دعوى الإيمان بما أنزل الله وبين سلوك تاريخي تمثّل في الاعتداء على بعض أنبيائه. فكيف يُحتج بالإيمان بالكتاب السابق لإبطال الإيمان بالقرآن، بينما يكشف القرآن نفسه عن أن بعض من انتسبوا إلى ذلك الكتاب لم يلتزموا بمقتضى الإيمان، حتى اعتدوا على من أرسلهم الله لهدايتهم؟

ويتصل هذا الاستدلال بما جاء في الآية السابعة والثمانين من السورة، حيث قال تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: 87]. فالآية الحالية تعود إلى المعنى نفسه، لكنها تعرضه في صورة محاجّة مباشرة لمن يزعم الإيمان بالوحي السابق؛ إذ تجعل موقف أسلافهم من الأنبياء شاهدًا على أن الانتساب إلى الكتاب لا يضمن وحده صدق الإيمان ولا سلامة العمل. كما تتصل بالآيتين التاسعة والثمانين والتسعين، اللتين كشفتا عن رفض القرآن بعد معرفته، وعن الحسد والبغي بوصفهما من دوافع ذلك الرفض. وبذلك تتضافر الآيات في بيان أن المشكلة لا تكمن في غياب الوحي، وإنما في الموقف الذي يتخذه الإنسان منه حين تتعارض هدايته مع أهوائه ومصالحه.

ومن هنا، فإن الآية لا تكتفي بإبطال حجة الاكتفاء بالكتاب السابق، بل تكشف أيضًا أن الإيمان الحقيقي لا يُقاس بالشعارات أو بالدعاوى الموروثة، وإنما بمدى الاستجابة لما أنزله الله من الحق. فمن يدّعي الإيمان برسالات الله ثم يرفض رسالة أخرى لمجرد أنها لا توافق تصوّراته، أو يتخذ من الانتماء الديني ذريعةً لمخالفة هدي الأنبياء، يقع في تناقض بين ما يعلنه وما يقتضيه الإيمان منه. وهذا المعنى يتجاوز سياق الآية التاريخي إلى قاعدة عامة في التعامل مع الوحي: أن يكون معيار القبول هو الحق ودليله، لا هوية من جاء به، ولا موافقته للموروث أو المصالح الشخصية.

﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ [البقرة: 92] 

يذكّر الله بني إسرائيل بما جاءهم به موسى عليه السلام من البيّنات الواضحة، أي الآيات والمعجزات الدالّة على صدق رسالته، وما قامت به عليهم الحجة من دلائل الوحي والهداية. ومع ذلك، لم يثبتوا على مقتضى ما أُقيم عليهم من البرهان، بل اتخذوا العجل معبودًا من دون الله بعد غياب موسى عنهم، فجمعوا بذلك بين مخالفة ما جاءهم به من الهدى والوقوع في الشرك. ولهذا نعتهم الله بالظلم في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾؛ إذ وضعوا العبادة في غير موضعها، وانحرفوا عن الحق مع قيام الحجة ووضوح الدليل.

ويتصل هذا التذكير بما سبق في السورة من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ [البقرة: 51]، حيث يذكّرهم القرآن بهذه الحادثة بوصفها شاهدًا على أن امتلاك الوحي ومعرفة آيات الله لا يكفيان وحدهما لتحقيق الإيمان، ما لم يلتزم الإنسان بما يقتضيه الحق الذي عرفه، ولم يجعل أهواءه أو تقاليده سببًا للإعراض عنه.

وقد بيّن القرآن صورة ما وقع منهم في موضع آخر، فقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ [الأعراف: 148]؛ أي صنعوا من حليّهم عجلًا جسدًا له صوت، ثم اتخذوه معبودًا. وفي سورة طه جاء وصف ما قالوه عند اتخاذه، قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ﴾ [طه: 88]؛ فقد زعموا أن العجل إلههم وإله موسى، وادّعوا أن موسى قد نسيه أو غفل عنه، في محاولة لتسويغ اتخاذه معبودًا.

وهكذا تكشف الآية عن التناقض بين ما أُوتوه من البيّنات وما صدر عنهم من فعل؛ فقد جاءهم موسى بما يدل على وحدانية الله وصدق رسالته، ثم انصرفوا عن مقتضى تلك البيّنات إلى عبادة ما لا يملك لهم نفعًا ولا ضرًّا. ويأتي هذا التذكير في سياق الرد على دعواهم الاقتصار على الإيمان بما أُنزل عليهم، ليبيّن أن الانتساب إلى كتاب الله لا يكون حجة لصاحبه إذا خالف هدي الوحي نفسه؛ فالعبرة ليست بمجرد معرفة الحق أو الادعاء بالإيمان به، وإنما بالاستجابة له والثبات عليه.

أضف تعليقا

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.