حبل الله
تفسير الآيات 75-82 من سورة البقرة

تفسير الآيات 75-82 من سورة البقرة

﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 75] 

بعد أن بيّن الله تعالى في الآيات السابقة ما كان من بني إسرائيل من نقض العهود، وكتمان الحق، وخلط الصواب بالباطل، ثم ذكر ما صدر من فريق منهم من معرفة الحق وتحريفه عن علم، ينتقل الخطاب هنا إلى المؤمنين ليبيّن لهم أن انتظار إيمان هؤلاء وثقتهم بالحق ليس أمرًا يُبنى على مجرد سماعهم للبيان؛ إذ إن العائق عند بعضهم لم يكن عدم وصول الحق إليهم، ولا عجزهم عن فهمه، وإنما كان موقفًا واعيًا من الحق بعد معرفته.

ولذلك يقول تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾، أي: أفبعد ما ظهر من أحوال هؤلاء تنتظرون منهم أن يؤمنوا بما جئتم به ويصدقوكم؟ ثم يبيّن سبب ذلك بقوله: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾. والمقصود بكلام الله هنا القرآن الذي كانوا يسمعونه ويقابلونه بما عندهم من الكتاب. ولم يكن سماعهم سماعًا مجردًا؛ فقد كانوا قادرين على إدراك الصلة بين ما جاء به القرآن وبين ما في التوراة من الحق، ولا سيما ما يتصل بتصديق القرآن للكتاب السابق ودعوته إلى الإيمان بالرسول الذي جاء به.

ولهذا جاء التعبير الدقيق: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾. فالفعل «عَقَلَ» يدل في أصله على المنع والربط؛ يقال: «عَقَلْتُ البعير»، إذا ربطت إحدى رجليه بالأخرى ومنعته من الانطلاق، ومنه سُمّي الرباط الذي تُعقل به الدابة عِقالًا. وإذا أُسند العقل إلى الإنسان دلّ على ضبط النفس وكفّها عن الانقياد لما تهواه. ومن هنا فالعقل في الاستعمال القرآني ليس اسمًا لشيء جامد مستقل بقدر ما هو فعل ووظيفة تتمثل في إدراك الروابط، وضبط الموقف بناءً على ما ظهر من الحق. ولذلك جاءت مشتقات «عَقَلَ» في القرآن بصيغة الأفعال، بينما استُعملت ألفاظ أخرى في معنى العقل بصيغة الاسم، كـ اللُّبّ والحِجْر والنُّهى.

وعليه فإن قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ يفيد أنهم أدركوا وجه الصلة وفهموا حقيقة ما سمعوه، وربطوه بما كان لديهم من الكتاب، ثم جاء التحريف بعد هذا الإدراك. وهذه نقطة أساسية في فهم الآية؛ فالقرآن لا يصف هنا قومًا لم يفهموا، ثم أخطؤوا بسبب جهلهم، وإنما يصف فريقًا عرف الصلة الصحيحة ثم انحرف عنها. فإقامة الصلة بين الأدلة وفهم الحق لا تقتضي بالضرورة أن يلتزم الإنسان بما أدركه، لأن العلم قد يكون واضحًا، ثم يأتي الهوى أو المصلحة أو التعصب فيدفع صاحبه إلى مخالفة مقتضى علمه.

ومن هنا يتضح معنى التحريف في قوله: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾. فالتحريف من مادة تدل على الطرف والحرف، أي الميل بالقول عن وجهه وصرفه إلى جانب من الجوانب التي يمكن حمله عليها، كما في قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: 46]، وقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: 41]. فالتحريف في هذا السياق هو صرف المعنى عن وجهه الصحيح، وإعطاء الكلام معنى لا ينسجم مع دلالته وسياقه، وليس المقصود ابتداءً تغيير ألفاظ النص نفسها.

وهذا يتضح أكثر إذا لاحظنا أن القرآن يقرر وجود الصلة بين الكتب الإلهية السابقة وبين ما أنزله الله على محمد ﷺ؛ قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 48]. فإذا كان التحريف المذكور هنا متعلقًا بالمعنى، فإن ذلك لا يستلزم القول بأن أصل نصوص الكتب السابقة قد تغيّر؛ بل يعني أن ما وقع هو صرف لمعاني الآيات عن مقاصدها، ولا سيما الآيات التي تكشف الصلة بين كتب الله بعضها ببعض، أو تخالف ما استقر عليه أهل الكتاب من تصورات.

وقد اتخذ هذا التحريف صورًا متعددة، ومن ذلك أن يُحمَل الكلام على معنى لا يساعد عليه سياقه، أو أن تُطمس الصلة بين الآية وما قبلها وما بعدها، أو أن يُصرف معناها عن الدلالة التي تكشف الحق إلى معنى يوافق موقفًا سابقًا. ومن ثم فإن تحريف المعنى قد يحجب دلالة النص من غير حاجة إلى تغيير ألفاظه. بل إن معنى لفظ «التحريف» نفسه قد جرى صرفه في بعض الاستعمالات إلى معنى «التبديل وتغيير النص»، وهو معنى مختلف عن الدلالة الأصلية التي يبرزها السياق القرآني هنا. وبذلك قد يُغفل الفرق بين تغيير النص وبين تغيير معناه، كما قد تُحجب حقيقة أن القرآن يقرر وجود أصل إلهي للكتب السابقة، وأن الإشكال الذي يكشفه في هذه الآية يتعلق بما فعله بعض أهل الكتاب بالمعاني والدلالات.

وعندما يقول تعالى: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، يكتمل وصف هذا الموقف؛ فالتحريف لم يكن نتيجة خطأ عارض أو سوء فهم غير مقصود، بل وقع مع العلم. فهم يسمعون، ثم يعقلون ويدركون الصلة، ثم يصرفون المعنى عن وجهه وهم يعلمون. ولذلك جاء ترتيب الأفعال في الآية بالغ الدلالة: ﴿يَسْمَعُونَ﴾ ثم ﴿عَقَلُوهُ﴾ ثم ﴿يُحَرِّفُونَهُ﴾. فالسماع أفضى إلى الإدراك، والإدراك كشف لهم الصلة، ثم أعقبوا ذلك بالتحريف المتعمد.

ومن هنا يتصل هذا الموضع بما سبق من الحديث عن بني إسرائيل اتصالًا وثيقًا؛ فقد جاء في الآيات السابقة أن الخلل كان متعلقًا بمخالفة العهد وكتمان الحق وخلطه بالباطل، ثم يكشف الله هنا عن صورة أشد وضوحًا من صور التعامل مع الحق: معرفته ثم صرفه عن وجهه. ولذلك لا ينبغي أن يُفهم قوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ على أنه حكم على جميع اليهود في كل زمان، وإنما السياق يتحدث عن فريق منهم اتصف بهذا السلوك، كما صرحت الآية نفسها: ﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾. والمقصود بيان حال من بلغته الحجة وفهمها، ثم اختار أن يحرف دلالتها عن علم وقصد.

وبذلك يكشف السياق أن معرفة الحق وحدها لا تكفي ما لم يصحبها صدق في اتباعه؛ فقد يصل الإنسان إلى الصلة الصحيحة بين الأدلة، ويدرك وجه الحق فيها، ثم يحول بينه وبين نفسه هوى أو مصلحة أو تعصب. وهذا هو وجه العبرة التي تضعها الآية أمام المؤمنين: لا ينبغي أن يُبنى انتظار الإيمان على مجرد العلم أو السماع، وإنما العبرة بما يترتب على العلم من موقف صادق واستجابة للحق.

﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 76] 

بعد أن كشف الله تعالى في الآية السابقة عن فريق من أهل الكتاب كانوا يسمعون كلام الله ثم يعقلونه، ثم يحرفونه وهم يعلمون [البقرة: 75]، يبيّن هنا صورة أخرى من التعامل مع الحقيقة التي أدركوها. فهؤلاء لم يكونوا يجهلون الصلة بين القرآن والتوراة، بل كانوا يعرفونها، ولذلك لم يكن موقفهم واحدًا في جميع الأحوال؛ فإذا واجهوا المؤمنين أظهروا الإيمان، وإذا انفرد بعضهم ببعض ناقشوا كيف يمنعون انكشاف ما عرفوه من الحق حتى لا يتحول إلى حجة عليهم.

ولهذا يقول تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾، أي إذا اجتمعوا بالذين آمنوا بكتاب الله وصدّقوه، قالوا لهم: «آمنا»، أي أظهروا موافقتهم لما جاء به القرآن. وهذا النوع من القول ينسجم مع ما وصفه الله تعالى في موضع آخر بقوله: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ [المائدة: 61]، حيث يكشف السياق عن إظهار الإيمان في مقام، مع بقاء موقف آخر في الباطن.

غير أن الأمر يتغير حين ﴿خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾، أي حين ينفرد بعضهم ببعض بعيدًا عن المؤمنين. عندئذ يقولون: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾؟ فالمراد بـ «ما فتح الله عليكم» ما أطلعهم الله عليه وفتح لهم سبيل معرفته من الحقائق التي كانت في كتبهم، ومن ذلك إدراكهم أن القرآن يصدّق التوراة التي بأيديهم، وأن الإيمان به وبالرسول الذي جاء به داخل في مقتضى ما أنزل الله عليهم.

وهذه الحقيقة لم تكن أمرًا اختلقه المؤمنون من عند أنفسهم، وإنما كانت مما يلزمهم الإيمان به وفق ما في الكتاب؛ فقد قال تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: 41]، وقال سبحانه: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران: 3]. كما أخذ الله الميثاق على أهل الكتاب أن يؤمنوا بالرسول الذي يأتيهم مصدقًا لما معهم، فقال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: 81]. وأوضح ذلك أيضًا بقوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: 157].

ومن هنا يتضح سبب اعتراض بعضهم على كشف هذه الحقيقة، إذ يقولون: ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾؛ أي: أتخبرون المؤمنين بما أراكم الله من هذه الحقائق حتى يستندوا إليها في الاحتجاج عليكم أمام ربكم؟ فالمشكلة عندهم ليست في أن ما أُظهر لهم غير صحيح، وإنما في أنهم يخشون أن يُستدل بما عرفوه هم أنفسهم على إلزامهم بما يقتضيه ذلك من الإيمان بالقرآن والرسول.

ثم يختمون قولهم بعبارة: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. وهذا التعبير له دلالة خاصة إذا ربطناه بما سبقه من قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ [البقرة: 75]. فقد تكرر في السياق لفظ العقل في الموضعين: عقلوا الحقيقة أولًا، ثم صاروا يتواصون بكتمانها خشية أن تقوم بها الحجة عليهم. فليس المراد أنهم عاجزون عن فهم الصلة، وإنما إنكارهم موجّه إلى إظهارها للآخرين، لأنهم يدركون أن كشفها سيجعلها حجة عليهم.

وهكذا تتكشف في الآيتين 75 و76 صورة متكاملة: إدراكٌ للحقيقة، ثم تحريفٌ لمعناها، ثم إخفاءٌ لبعض ما يكشفها، ثم إظهارٌ للإيمان عند لقاء المؤمنين، ثم إنكارٌ على من يكشف تلك الحقيقة أمامهم. ولذلك فإن قوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ يكشف مفارقةً واضحة؛ فالعقل الذي يقتضي أن يقود الإنسان إلى مقتضى ما أدركه من الحق، يتحول عند هؤلاء إلى وسيلة للتدبير في كيفية إخفاء ما عرفوه، بدل الاستجابة لما دلّهم عليه.

وبهذا يستمر السياق في كشف أن المشكلة لم تكن دائمًا مشكلة نقص في العلم أو غياب الدليل، وإنما قد يكون الإنسان عالمًا بالحق، قادرًا على إقامة الصلة بين النصوص والأدلة، ثم يمنعه الهوى أو المصلحة أو الخوف من لوازم الحقيقة من الالتزام بما عرفه. ومن هنا يأتي الحديث في الآية التالية عن جهل فئة أخرى منهم بالكتاب، ليُميّز القرآن بين من يعلم ويحرف، ومن لا يعلم ويتبع الظن والأماني.

﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: 77] 

بعد أن كشف الله تعالى في الآية السابقة ما كان يجري بينهم حين يخلون بعضهم إلى بعض، من التواصي بعدم إخبار المؤمنين بما فتح الله عليهم من معرفة الحق، وما في ذلك من خشية أن تقوم عليهم الحجة بما عرفوه، تأتي هذه الآية لتضع ذلك كله في موضعه الصحيح: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾؟ أفلا يدركون أن ما يخفونه عن الناس لا يخفى على الله، وأن ما يعلنونه بألسنتهم أو يظهرونه في أعمالهم معلوم له كذلك؟

فالآية تكشف بطلان الأساس الذي قام عليه سلوكهم؛ إذ ظنوا أن بإمكانهم أن يتعاملوا مع الحقيقة بحسب من يخاطبون، فيُظهروا أمام المؤمنين شيئًا، ويتواصوا فيما بينهم على إخفاء شيء آخر. فجاء البيان الإلهي ليقرر أن اختلاف الظاهر والباطن لا يغير شيئًا من حقيقة الأمر عند الله، لأن علمه سبحانه لا يتوقف على ما يراه الناس، بل يحيط بالسر والعلن، وبما تخفيه الصدور وما يظهر على الجوارح والألسنة.

وهذا المعنى تؤكده آيات كثيرة في القرآن؛ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 29]. وقال سبحانه: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: 3]. وقال: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: 23].

ويقرر القرآن كذلك أن علم الله محيط بما يكون عليه الناس في جميع أحوالهم، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: 70]، وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: 7]. وقال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [التغابن: 4]. وفي سورة الملك جاء التأكيد بصورة أبلغ: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ . أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 13-14].

ومن اللافت أن هذا المعنى ليس غريبًا عن كتب أهل الكتاب أنفسها؛ فقد ورد في سفر إشعياء، في وصف من يحاولون إخفاء تدابيرهم عن الله، معنى قريب من ذلك: «ويلٌ للذين يحاولون إخفاء تدابيرهم عن الرب، فيعملون في الظلام ويقولون في أنفسهم: من يرانا؟ ومن يعرفنا؟» [إشعياء 29:15]. فالفكرة التي ترد عليها الآية القرآنية هنا واضحة: إخفاء الأمر عن البشر لا يجعله خافيًا على الله.

وفي هذا أيضًا تحذير من وهمٍ يتكرر في التعامل مع الدين: أن الإنسان يستطيع أن يتخلص من تبعات موقفه بمجرد إخفائه عن الآخرين. لكن القرآن يربط المسؤولية بالحقيقة الكاملة للقول والعمل، لا بالصورة التي يختار الإنسان إظهارها أمام الناس. فمن عرف الحق ثم أخفاه، أو أظهر خلاف ما استقر عليه في داخله، لا يخرج بذلك عن علم الله؛ لأن ﴿اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾.

﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: 78] 

بعد أن بيّن الله تعالى في الآيتين السابقتين حال فريق من أهل الكتاب الذين كانوا يسمعون كلام الله، ويعقلون الصلة بينه وبين ما عندهم من الكتاب، ثم يحرفونه عن علم، ثم يكتمون ما عرفوه خشية أن تقوم به الحجة عليهم، ويظهرون للناس خلاف ما يضمرونه، ينتقل السياق هنا إلى فئة أخرى منهم، ليبيّن أن أسباب الانحراف عن الحق ليست على صورة واحدة. فهناك من يعلم ثم يحرف، وهناك من لا يمتلك معرفة حقيقية بالكتاب أصلًا، وإنما تقوم علاقته به على ما تلقّاه من تصورات وأمانٍ لا تستند إلى علم وفهم.

ولهذا يقول تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾. والمقصود بـ «الأميين» في هذا الموضع قوم لا يعرفون مضمون الكتاب الإلهي الذي ينتسبون إليه ويؤمنون به، فلا تقوم معرفتهم بالدين على تدبر نصوصه وفهم هداها، وإنما على ما تلقوه من أقوال وتصورات. ولفظ «الأمي» له استعمالات متعددة في القرآن واللغة، ولذلك لا يصح حمله في كل موضع على معنى واحد دون النظر في السياق.

فقد استُعملت كلمة «الأميين» في القرآن في مقابل أهل الكتاب، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾ [آل عمران: 20]، فيكون المراد بها من لم يُعطَ كتابًا إلهيًا. واستُعملت أيضًا في معنى المكيين، كما في قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: 75]، وقوله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: 2].

أما وصف النبي ﷺ بالأمي في القرآن فلأنه من مكة، وهي أم القرى، المنسوب إليها .قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: 157].

وفي العربية يُطلق «الأمي» كذلك على من بقي على حالته الأولى التي وُلد عليها، ومن ذلك استعماله لمن لا يعرف القراءة والكتابة، كما تذكر كتب اللغة، ومنها لسان العرب. غير أن حمل اللفظ على هذا المعنى في كل موضع قرآني يحتاج إلى دليل من السياق. ويؤيد ذلك أن مشركي مكة كانوا يزعمون أن القرآن منقول عن آخرين وأنهم يملونه على النبي ﷺ، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: 5]. وهذا الادعاء نفسه يدل على أنهم كانوا يتهمونه بتلقي النص من غيره، لا بمجرد العجز عن القراءة والكتابة؛ إذ كانوا يعرفونه معرفة مباشرة ويعرفون أحواله قبل البعثة.

ثم يبيّن الله طبيعة معرفة هذه الفئة بالكتاب بقوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾. و«الأماني» جمع «أمنية»، وهي في هذا الموضع ليست علمًا حقيقيًا بالكتاب، وإنما تصورات وأقوال يتلقاها الإنسان ويتعلق بها دون أن يقوم على فهم مضمون الكتاب أو تدبر دلالاته. ولذلك يمكن أن تفضي الأماني إلى أن يعيش الإنسان في توقعات وآمال صنعها له ما تلقاه، لا في واقع الهداية التي يقررها الكتاب.

وهذا المعنى يلتقي مع ما سيأتي في السياق من قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: 80]، إذ تكشف الآية عن نموذج لتلك التصورات التي تمنح الإنسان شعورًا بالأمان دون أن تستند إلى عهد ثابت من الله. ولذلك قال تعالى في موضع آخر عن دعوى مشابهة: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 80].

ومن هنا يختم الله وصفهم بقوله: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾؛ أي ليست معرفتهم بالكتاب معرفة قائمة على العلم والبيان، وإنما هي ظنون وتصورات يتلقونها ويتعاملون معها على أنها حقائق. فالآية تقابل بوضوح بين العلم والظن: الكتاب موجود، لكن المعرفة الحقيقية بمضمونه غائبة، وحين يغيب العلم يحل محله ما يتناقله الناس من أماني وتوقعات.

وبذلك يكتمل التمييز الذي أقامه السياق بين الفئتين. فالآية السابقة تحدثت عن فريق ﴿يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ [البقرة: 75]؛ أي إنهم أدركوا الصلة وفهموا الحقيقة ثم صرفوها عن وجهها وهم يعلمون. أما هذه الآية فتتحدث عن فئة أخرى ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ﴾؛ فلا تقوم علاقتها به على فهم حقيقي، وإنما على أماني وظنون. وهكذا يكشف القرآن أن الانحراف عن الوحي قد ينشأ من تحريف المعنى بعد معرفته، كما قد ينشأ من الجهل بالكتاب واستبدال العلم بالأماني والظنون.

والجامع بين الحالين أن المرجع في الدين لا ينبغي أن يكون مجرد ما اعتاده الإنسان أو ما تلقاه من تصورات، بل لا بد من الرجوع إلى الكتاب وفهمه وإقامة الصلة بين آياته. فكما أن العلم إذا لم يصحبه صدق قد يتحول إلى وسيلة للتحريف والكتمان، فإن غياب العلم يفتح الباب أمام الأماني والظنون، وفي الحالين يبتعد الإنسان عن الهداية التي يقررها الوحي.

﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: 79] 

بعد أن بيّن الله تعالى في الآية السابقة حال فئة من أهل الكتاب الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، أي لا تقوم علاقتهم به على معرفة حقيقية وفهمٍ لمضمونه، وإنما على ما تلقوه من تصورات وظنون، ينتقل السياق إلى صورة أخرى أشد خطورة؛ فهناك من لا يكتفي بتحريف المعاني أو بالجهل و اتباع الظن، بل يتعمد أن ينشئ كلامًا من عند نفسه ثم ينسبه إلى الله، ليجعل له سلطة دينية في نفوس الناس، ويحقق من ورائه منفعة دنيوية.

ولهذا افتتح الله تعالى الآية بقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾. فالتعبير بـ ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾ يبرز حقيقة أن ما كتبوه من صنعهم هم، وليس تنزيلًا من الله. ثم تأتي الجريمة الأعظم في قولهم: ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ فالمشكلة ليست في مجرد تأليف كلام أو كتابة رأي، وإنما في إضفاء القداسة الإلهية على ما لم ينزله الله، بحيث يُقدَّم للناس على أنه حكم صادر عن الله، مع علم من كتبه بحقيقة مصدره.

وهذا المعنى يتصل بما سبق اتّصالًا دقيقًا؛ فالآية [البقرة: 78] وصفت قومًا لا يعرفون الكتاب إلا من خلال الأماني والظنون، أما هنا فنجد من يصنع بنفسه مادةً يمكن أن تصبح مصدرًا لتلك الأماني والتصورات، ثم ينسبها إلى الله. وبذلك ينتقل السياق من بيان حال المتلقي الذي لا يملك علمًا بالكتاب إلى بيان حال من يصنع قولًا وينسبه إلى الله، فيكون فعله سببًا في تضليل من يتلقاه عنه.

وقد حذّر القرآن من هذا النوع من القول على الله بغير علم في مواضع أخرى، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 42]، وهو متصل بما سبق من الحديث عن خلط الحق بالباطل وكتمانه. وقال سبحانه في وصف طائفة من أهل الكتاب: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 78]. فالآية توضح أن نسبة ما ليس من الكتاب إلى الله مع العلم بحقيقته افتراء متعمد، وليست مجرد خطأ في الفهم.

ثم يكشف الله تعالى الدافع وراء هذا الفعل بقوله: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. فالغاية من اختلاق الكلام ونسبته إلى الله ليست طلب الحق، وإنما تحقيق مكسب دنيوي؛ مالًا أو مكانةً أو منفعةً أو سلطةً على الناس. ووصف هذا المقابل بأنه ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ لا يلزم أن يعني قلة مقداره في أعينهم، وإنما يبين ضآلته وتفاهته بالنظر إلى ما فرّطوا فيه وما استحقوه بسبب هذا الافتراء. فمهما عظم المكسب الذي يحصل عليه الإنسان في الدنيا، فإنه يظل قليلًا وزائلًا إذا قورن بما يترتب على الكذب على الله من تبعة.

وقد جاء التحذير من هذا المسلك في مواضع متعددة؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: 174]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة: 44]، فمسؤولية أهل العلم أن يحفظوا كتاب الله ويقيموا أحكامه، لا أن يجعلوا الدين وسيلة للكسب.

وفي سورة التوبة يأتي تحذير آخر من تحويل الدين إلى وسيلة للاستيلاء على أموال الناس، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 34]. فالمشكلة التي تكشفها الآية ليست مجرد مخالفة فقهية أو خطأ في الاجتهاد، وإنما تحويل الكلام المنسوب إلى الله إلى أداة لتحقيق مصالح دنيوية.

ثم يكرر الله تعالى الوعيد بقوله: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾. وهذا التكرار يفصل بين ذنبين متلازمين: الأول ما صنعته أيديهم حين كتبوا ما ليس من عند الله، والثاني ما ترتب على ذلك من كسبٍ ومنفعةٍ حصلوا عليها بسبب هذا الفعل. فالوعيد متعلق بالفعل نفسه، ومتعلق كذلك بالمكاسب التي نشأت عنه.

وهكذا يتدرج السياق من الآية [البقرة: 75] إلى هذه الآية في كشف صور متتابعة من الانحراف في التعامل مع الوحي: ففريق يعرف الحق ثم يحرف معناه، وفريق يكتم ما عرفه خشية أن تقوم به الحجة، وفئة لا تعرف الكتاب إلا من خلال الأماني والظنون، ثم يظهر في هذه الآية من هو أخطر ، إذ يصنع قولًا بيده ثم ينسبه إلى الله طلبًا لمنفعة دنيوية. وبهذا يبين القرآن أن أخطر ما يفسد علاقة الإنسان بالوحي ليس الجهل وحده، بل أن يتحول الدين إلى مجالٍ للتلاعب بالمعاني أو صناعة الأقوال أو تحقيق المصالح باسم الله.

﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً، قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 80] 

بعد أن بيّن الله تعالى في الآية السابقة خطر أن يكتب الإنسان كلامًا من عند نفسه ثم ينسبه إلى الله طلبًا لمنفعة دنيوية، يذكر هنا مثالًا من الأقوال التي تُنسب إلى الله بغير علم، ومن ذلك قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾؛ أي يزعمون أن النار، وإن مستهم، فلن تمسهم إلا مدة قصيرة، ثم ينتهي عنهم العذاب. وهذه الدعوى تمنح صاحبها شعورًا بالأمان من عاقبة أعماله، من غير أن تستند إلى عهد ثابت من الله.

ولهذا يأتي الرد الإلهي بصيغة تقطع الطريق على مجرد الدعوى: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾. أي: هل لديكم من الله عهد موثق يضمن لكم أن النار لن تمسكم إلا تلك المدة؟ فإن كان لديكم عهد من الله، فالأمر واضح؛ ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾، والله لا ينقض ما عاهد عليه عباده. أما إذا لم يكن هناك عهد من الله، فما أساس هذا القول؟

ومن هنا يأتي الاحتمال الثاني الذي يضعه القرآن أمامهم: ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾؟ أي: أم أنكم تنسبون إلى الله حكمًا أو وعدًا لم ينزله عليكم، ولا تملكون عليه علمًا؟ فالآية لا تتعامل مع الدعوى الدينية لمجرد كون أصحابها ينتسبون إلى الكتاب، وإنما تجعل العلم والبرهان والعهد الإلهي معيارًا لقبول ما يُنسب إلى الله. فمن كان لديه عهد من الله، فالله لا يخلف عهده؛ ومن لم يكن لديه عهد، فلا يجوز له أن يجعل الظن والتصور أو ما تلقاه من الناس دينًا يُنسب إلى الله.

وتتضح هذه الدعوى بصورة أخرى في قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [آل عمران: 24]. فالله تعالى يربط هذا الاعتقاد بما كانوا يفترونه في دينهم، ويبين أن تلك الأقوال قد غرّتهم وأعطتهم تصورًا زائفًا عن العاقبة. ثم يأتي بيان ما سيقع يوم القيامة: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 25]. فالمعيار في ذلك اليوم ليس الانتساب ولا الأمنيات، وإنما ما كسبه الإنسان وما يستحقه على أساس ذلك.

وبذلك يستمر تسلسل الآيات على نحو واضح: فبعد التحذير من اختلاق الكتاب ونسبته إلى الله طلبًا للكسب [البقرة: 79]، يأتي نموذج من الأقوال التي تُبنى على هذا النوع من التعامل مع الدين، وهو ادعاء ضمان النجاة من العذاب دون عهد من الله [البقرة: 80]. ثم يكشف القرآن في الآيات التالية أن النجاة لا تقوم على الانتساب ولا على الأماني، وإنما على حقيقة العمل وموافقته للحق.

﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 81] 

هذه تقرر أن الأمر ليس كما زعموا من أن النار لن تمسهم إلا أيامًا معدودة، بل إن الحكم يتعلق بحقيقة ما يكتسبه الإنسان من الأعمال، وبما تنتهي إليه حاله معها. فمن كسب سيئة وأحاطت به خطيئته، أي غلبت عليه السيئات واستغرقت حاله، حتى صار مستحقًّا للعقوبة بحسب ما اقترف، فأولئك هم أصحاب النار، وهم فيها خالدون.

والتعبير بـ ﴿مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ يربط الجزاء بالعمل الذي يكتسبه الإنسان لنفسه، فلا ينفعه انتسابٌ ولا دعوى ولا أملٌ مبني على غير عهد من الله. وهذا هو امتداد لما سبق في قوله تعالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 80]؛ فبعد أن أبطل الله قولهم المبني على مجرد التمني والافتراء، بيّن أن المعيار ليس ما يزعمونه لأنفسهم، وإنما ما يترتب على أعمالهم وحالهم منها.

والمراد بقوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ أن الخطيئة لم تعد مجرد ذنب عارض يُتاب منه ويُصلح أثره، وإنما غلبت على صاحبها واستولت على حاله. والقرآن يميز في هذا الباب بين صور مختلفة من الذنب ومآلات أصحابها، فلا يصح أن تُحمل الآية على أن كل من ارتكب ذنبًا، مهما كان، يكون خالدًا في النار.

فمن أعظم ما تحيط الخطيئة بصاحبه الشرك بالله؛ وقد بيّن القرآن أن الكفر بالله لا ينفك عن الشرك من حيث الإشراك بغيره فيما هو حق لله، فقال تعالى:

﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: 151]. وقد جاء في بيان حكم الشرك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 48]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: 116].

فمن مات على الشرك من غير توبة، لم يكن له وعد بالخروج من النار؛ أما الذنوب التي دون الشرك فحكم أصحابها مختلف، ولا يصح جعلها في مرتبة واحدة مع الشرك.

وقد بيّن القرآن أن السيئات قد تثقل ميزان الإنسان حتى يكون من أهل النار، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ المؤمنون: 103]. وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ . نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: 8-11].

ومع ذلك، لا يعني دخول النار بسبب الذنوب التي دون الشرك أن صاحبها يكون خالدًا فيها بالضرورة؛ إذ يذكر القرآن صورًا أخرى لمن لم يستمر على الشرك ولم يصرّ على الكبائر. قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: 31]. وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ﴾ [النجم: 32].

كما فتح الله باب التوبة والإصلاح لمن وقع في الذنب، فقال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا . وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان: 70-71].

ومن جهة أخرى، بيّن القرآن أن أصحاب الحسنات الراجحة لا يدخلون النار، بل يكونون من أهل الجنة؛ قال تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: 8]. وقال سبحانه: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ . تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: 102-104].

وهؤلاء الذين اجتنبوا الشرك وكبائر الذنوب، أو تابوا وأصلحوا، أو رجحت حسناتهم، لا يصدق عليهم وصف ﴿أَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ بالمعنى الذي يقتضي الهلاك؛ بل إن القرآن يفتح أمامهم طريق المغفرة والنجاة. وقد قال تعالى فيمن سبقت لهم منه الحسنى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَىٰ أُولَٰئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ . لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: 101-102].

أما من دخل النار بسبب ذنوب دون الشرك، فإن الجزاء يكون بقدر ما كسب، ولا يلزم من دخوله النار أن يكون من أهل الخلود فيها؛ فبعد انقضاء ما استحقه من العقوبة ينتقل إلى الرحمة والنعيم، كما قال تعالى في شأن المؤمنين الذين تتبعهم ذريتهم بإيمان:

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: 21].

وهكذا يتضح أن قوله تعالى: ﴿فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ لا ينبغي أن يُفصل عن وصفهم السابق: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. فالآية لا تقرر مجرد دخول النار بسبب وقوع الإنسان في أي ذنب، وإنما تتحدث عن حالة استغراقٍ في الخطيئة أحاطت بصاحبها، في مقابل من تاب وأصلح، أو اجتنب الشرك والكبائر، أو رجحت حسناته.

وبذلك يأتي الرد القرآني على دعوى ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ حاسمًا: ليس الجزاء قائمًا على الانتساب ولا على الأماني، ولا على دعوى عهدٍ لم يثبت، وإنما على حقيقة ما كسب الإنسان وحالِه مع ذلك الكسب. فمن أحاطت به خطيئته على الوجه الذي ذكرته الآية كان من أصحاب النار، أما من تاب وأصلح أو غلبت حسناته سيئاته فله حكم آخر بيّنه القرآن في مواضع متعددة.

وبهذا تنتقل الآيات من إبطال الدعوى المجردة في الآية السابقة إلى بيان الميزان الحقيقي للجزاء، تمهيدًا لما يأتي بعدها من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 82]، حيث تقابل الآية التالية بين أصحاب النار وأصحاب الجنة، وبين أثر السيئة المحيطة بصاحبها وأثر الإيمان والعمل الصالح.

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 82] 

بعد أن ردّ الله تعالى في الآية السابقة دعوى الذين قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾، وبيّن أن النجاة لا تكون بالأماني والدعاوى، وإنما بحقيقة ما يكسبه الإنسان وحاله مع عمله، يذكر هنا الطرف المقابل فيقول: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾؛ أي الذين صدّقوا بالحق وقاموا بما يقتضيه هذا الإيمان من الأعمال الصالحة، ﴿أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾، فهم أهلها الذين أعدّوا أنفسهم لها بالإيمان والعمل، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.

وهذا التقابل بين الآيتين مقصود؛ فهناك قال تعالى: ﴿مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾، وهنا قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾. فليست القضية مجرد الانتساب إلى جماعة أو الاعتقاد بأن النجاة مضمونة، وإنما تتحدد العاقبة بما يكون عليه الإنسان من إيمان وعمل. ولذلك جاء التعبير في الآيتين متقابلًا: ﴿أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ في الأولى، و﴿أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ في الثانية.

ويؤكد القرآن هذا الارتباط بين الإيمان والعمل الصالح في مواضع كثيرة؛ قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: 122]. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس: 9]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ [الرعد: 29]. وقال سبحانه في بيان ما أعده الله للمؤمنين العاملين بالصالحات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا . أُولَٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: 30-31].

ثم يصف الله مقامهم في الجنة بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا . خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ [الكهف: 107-108]. وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الحج: 50]. وقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [العنكبوت: 58].

ومن هنا يظهر أن قوله تعالى: ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ليس مجرد تكرار لعبارة مألوفة، بل هو بيان للصفة التي تقابل الحالة المذكورة في الآية السابقة. فالإيمان الذي ينشأ عنه العمل الصالح هو الذي يضع الإنسان في طريق النجاة، كما أن الإصرار على السيئة حتى تحيط بالإنسان يقوده إلى العاقبة التي بيّنتها الآية السابقة.

ويأتي ختام الآية: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ مؤكدًا ثبات مقام أهل الجنة واستمرار نعيمهم؛ فكما وصف الله أصحاب النار بالخلود في السياق السابق، وصف أصحاب الجنة بالخلود هنا، ليكتمل التقابل بين الفريقين: فريق انتهى به أمره إلى إحاطة الخطيئة، وفريق جمع الإيمان والعمل الصالح، فكانت عاقبة كل منهما متناسبة مع حاله.

وهكذا تُغلق هاتان الآيتان معًا الباب أمام الأماني المجردة والانتسابات التي لا يسندها عمل؛ فالنجاة لا تثبت للإنسان بمجرد قوله أو انتمائه، وإنما يبيّن القرآن طريقها بالإيمان والعمل الصالح، ويحذّر في المقابل من أن تتحول السيئات إلى حالٍ تحيط بصاحبها وتستولي عليه.

وهنا يظهر الانتقال في السياق بوضوح: من إبطال دعوى النجاة بالأماني في الآيتين 80–81، إلى بيان الطريق القرآني للنجاة في الآية 82؛ وهو تمهيد مناسب لما سيأتي بعد ذلك من الرجوع إلى تاريخ بني إسرائيل والميثاق الذي أخذه الله تعلى منهم.

أضف تعليقا

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.