حبل الله
رفض الأب زواج ابنته ممن ترضاه بدون سبب معتبر شرعا

رفض الأب زواج ابنته ممن ترضاه بدون سبب معتبر شرعا

السؤال:

امرأة مطلقة، عمرها ثمان وأربعون سنة، ترغب في الزواج من رجل متزوج. والدها شيخ كبير في السن، ويرفض هذا الزواج بشدة، حتى بلغ به الأمر أن امتنع عن الطعام والشراب احتجاجًا على إصرار ابنته على الزواج. فهل يجوز لهذه المرأة أن تتزوج الرجل من غير موافقة أبيها، وأن تعقد النكاح لنفسها؟

الجواب:

هذه المسألة ينبغي أن تُبحث من خلال جمع الآيات والأحاديث المتعلقة بالنكاح والولاية، وعدم أخذ نص واحد بمعزل عن بقية النصوص.

أولًا: المرأة البالغة الرشيدة صاحبة أهلية كاملة

الأصل في الإنسان البالغ الرشيد أن يكون أهلًا للتصرف في شؤونه. وقد جعل القرآن بلوغ النكاح والرشد مناطًا لاستقلال الإنسان بأمواله وشؤونه، فقال تعالى:

﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6].

والآية لم تفرق في أصل الأهلية بين الرجل والمرأة. ومن ثم فإن المرأة البالغة الرشيدة ليست قاصرًا يحتاج إلى وصاية دائمة على قراراته الشخصية، ولا يجوز أن يُفهم وجود الولي في النكاح على أنه سلب لأهلية المرأة أو جعلها مجرد محل للعقد.

ثانيًا: القرآن أثبت للولي دورًا في الإشراف على النكاح

وبالرغم من الأهلية الكاملة للمرأة، إلا أنه لا يصح إلغاء دور الولي في النكاح؛ لأن القرآن يقول:

﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 232].

فالخطاب هنا يتوجه إلى من يملكون سلطة الإشراف على زواج المرأة، وينهاهم الله عن عضلها؛ أي منعها من الزواج الذي ترضاه بالمعروف.

وهذا مهم جدًا؛ لأن الآية لا تجعل الولي صاحب القرار المطلق، وإنما تجعل دوره مقيدًا بـ المعروف، كما أن المرأة نفسها تظهر في الآية طرفًا في فعل النكاح: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾.

ولهذا لا يصح أن يُقال إن الولاية تعني أن المرأة لا علاقة لها بعقد زواجها، وإنما الولي يقوم بدور الإشراف والرعاية، والمرأة صاحبة إرادة ورضا.

ثالثًا: الولي ليس له أن يجبر المرأة على من لا تريد

من أهم ما يدل على ذلك أن النبي ﷺ أبطل أثر الإكراه في النكاح. فقد جاءت فتاة إلى النبي ﷺ وأخبرته أن أباها زوجها من ابن أخيه ليرفع بذلك مكانته، فجعل النبي ﷺ الأمر إليها، فقالت إنها أجازت ما صنع أبوها، لكنها أرادت أن تعلم الآباء أن الأمر ليس لهم وحدهم[1].

وهذا الحديث يدل على أن الأب لا يملك أن يجعل ابنته وسيلة لتحقيق غرض يريده هو، وأن رضا المرأة معتبر في عقد النكاح. ويستدل بهذا الحديث على أن الولي ليس صاحب السلطة المطلقة على المرأة.

رابعًا: لا يجوز للأب أن يعضل ابنته

إذا كان الرجل الذي ترغب المرأة في الزواج منه صالحًا لها، ولم يكن لدى الأب مانع معتبر يتعلق بدينه أو أخلاقه أو صلاحه للزواج، فإن مجرد عدم رغبة الأب في هذا الزواج لا يعطيه حق تعطيله. وقد نهى الله تعالى صراحة عن العضل:

﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 232].

والعضل هو أن يمنع صاحب الولاية المرأة من الزواج ممن ترضاه من غير سبب معتبر. فالولاية إذن رعاية وليست استبدادًا، وإشراف وليست ملكية، ومسؤولية وليست تسلطًا.

خامسًا: ماذا لو أصر الأب على الرفض؟

إذا تبين أن الأب يرفض الزواج بغير سبب معتبر، فقد أصبح الرفض نوعًا من العضل.

وقد جاء في الحديث: «فإن تشاجروا فالسلطان ولي من لا ولي له»[2]

وهذا الحديث يبين طريق معالجة النزاع: فإذا وقع التشاجر بين المرأة ووليها، فلا تُترك المرأة معلقة، ولا يتحول الولي إلى صاحب سلطة مطلقة، وإنما تكون للسلطان أو الجهة القضائية المختصة ولاية الفصل في النزاع.

وهذا هو الحل عند تعذر الاتفاق ووقوع النزاع حول الولاية.

سادسًا: هل يجوز لها أن تعقد زواجها بنفسها سرًا؟

هنا ينبغي التفريق بين أمرين:

الأول: هل رضا المرأة وإرادتها معتبران؟. نعم، وبوضوح.

والثاني: هل يجوز لها أن تتجاوز كل إشراف على العقد وتعقد زواجها سرًا؟. كلا، لا ينبغي أن يكون هذا هو الطريق؛ لأن النكاح عقد ذو آثار اجتماعية وحقوقية كبيرة، وقد ثبت أصل الإشراف عليه في كتاب الله تعالى.

فإذا كان الأب متعسفًا في المنع، فالحل ليس أن تتحول المسألة إلى زواج سري بين المرأة والرجل، وإنما أن يُرفع النزاع إلى الجهة صاحبة الولاية العامة لتتولى الإشراف على العقد وحسم النزاع. والسلطان يكون وليًا عند وقوع التشاجر، استنادًا إلى الحديث السابق.

سابعًا: كون الرجل متزوجًا

أما كون الرجل الذي تريد الزواج منه متزوجًا، فهذه مسألة مستقلة.

فمجرد كونه متزوجًا لا يجعل الزواج منه باطلًا أو محرمًا من حيث الأصل، وإنما ينبغي النظر في الرجل نفسه: دينه، وخلقه، وأمانته، وقدرته على القيام بحقوق الزوجة، وما إذا كان الزواج سيترتب عليه ظلم أو ضرر محقق.

فإذا كان اعتراض الأب قائمًا على أسباب موضوعية معتبرة، وجب النظر فيها بجدية.

أما إذا كان سبب الرفض مجرد أن الرجل متزوج، مع عدم وجود مانع شرعي آخر، فلا يكفي ذلك وحده لجعل الأب صاحب حق في تعطيل زواج ابنته.

ثامنًا: امتناع الأب عن الطعام والشراب

أما امتناع الأب عن الطعام والشراب، فهو أمر مؤلم ينبغي التعامل معه بالحكمة والرحمة، ولا يجوز للابنة أن تتعمد إيذاء أبيها أو قطع صلتها به.

لكن في الوقت نفسه، لا يتحول هذا الامتناع إلى وسيلة تمنح الأب حقًا شرعيًا في منع ابنته من الزواج ممن ترضاه إذا كان الزواج بالمعروف.

فالواجب محاولة الإصلاح، والاستعانة بأهل الحكمة من العائلة، وبيان الأمر للأب برفق، وإزالة أسباب مخاوفه إن كانت قابلة للإزالة.

فإن بقي مصرًا على المنع بغير سبب معتبر، فليس من العدل أن تبقى المرأة معلقة إلى غير نهاية بسبب هذا الرفض.

الخلاصة

هذه المرأة البالغة المطلقة الرشيدة لا يجوز إجبارها على الزواج بمن لا تريد، ولا يجوز لوليها أن يعضلها عن الزواج بمن ترضاه إذا كان الزواج قائمًا على المعروف ولا يوجد مانع شرعي معتبر.

وفي المقابل، لا يكون الحل في أن تتزوج المرأة سرًا متجاوزةً كل إشراف، بل إذا وقع النزاع وأصر الولي على المنع بغير حق، فلها أن ترفع الأمر إلى السلطان أو القضاء أو الجهة المختصة، فتتولى هذه الجهة الإشراف على عقد الزواج وحسم النزاع.

وعليه، فإن الطريق الشرعي في هذه الحالة هو:

رضا المرأة + التحقق من صلاح الخاطب + محاولة الإصلاح مع الأب + رفع النزاع إلى الجهة المختصة عند تعذر الإصلاح.

ولا ينبغي أن يُستعمل اسم الولاية لإجبار المرأة، كما لا ينبغي أن تُستعمل أهلية المرأة ذريعة لإلغاء كل إشراف على عقد النكاح.

*وللمزيد حول الموضوع ننصح بالاطلاع على المقالات التالية:

الولاية في النكاح

لماذا يُشترط وجود الوليّ في عقد النكاح؟

اعتراض الوالدين على من تقدم لخطبة ابنتهما دون سبب مشروع

دور الوليِّ في النِّكاح

 ـــــــــــــــــــــــــــ

[1]  أخرجه النسائي (3269)، وأحمد (25043)

[2]  أخرجه أبو داود (2083 )، والترمذي (1102 )

أضف تعليقا

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.