حبل الله
الخوف من الموت بين رهبة المجهول ورجاء رحمة الله تعالى

الخوف من الموت بين رهبة المجهول ورجاء رحمة الله تعالى

السؤال:

بدأت معي منذ فترة أفكار عن الموت وخوف منه، أصبحت أقلق كثيرا لأني أفكر أين سأذهب بعد الموت؛ هل سيعذبني الله بطريقة قاسية؟ ماذا سيحدث لأهلي أو من أحبهم؟ فعندما أتخيل العقاب والعذاب لا أستطيع احتمال فكرة أن الله تعالى سيعذب الناس بهذه الطريقة، حتى غير المسلم الطيّب الذي تكون أخلاقه جيدة ورحيم بالناس، كيف يمكن للإنسان أن يتخلص من الخوف من الموت.

الجواب:

الخوف من الموت شعور إنساني طبيعي؛ فالموت انتقال إلى عالم الغيب الذي لا نملك معرفة تفاصيله إلا بقدر ما أخبرنا الله تعالى. ولذلك ليس مجرد خوف الإنسان من الموت دليلًا على ضعف إيمانه أو سوء عاقبته. وإنما تكمن المشكلة حين يتحول هذا الخوف الطبيعي إلى قلق مستمر يستولي على التفكير، ويجعل الإنسان يعيش أحداثًا مستقبلية لم تقع بعد، ويتخيل العقاب والمصائب بصورة متكررة حتى يعجز عن الاستمتاع بحياته الحاضرة.

والمنهج القرآني لا يدعو الإنسان إلى إنكار الموت أو نسيان الآخرة، كما لا يدعوه إلى العيش في رعب دائم، وإنما يقيم علاقته بالآخرة على التوازن بين الخوف والرجاء. ولذلك يقول الله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: 49-50]. فالله سبحانه جمع في الآيتين بين الرحمة والمغفرة من جهة، والتحذير من العذاب من جهة أخرى، ليبقى المؤمن بين الخوف الذي يحمله على الاستقامة، والرجاء الذي يمنعه من القنوط.

ومن الخطأ أن يختزل الإنسان علاقته بالله في الخوف من العقوبة، فينسى أن الله تعالى وصف نفسه بالرحمة، فقال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 156]، وقال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: 54]. وهذه المعاني ينبغي أن تكون حاضرة في قلب من يستولي عليه الخوف من الموت؛ فالإيمان بالآخرة لا يعني أن يتصور الإنسان ربه باعتباره متربصًا به ليعاقبه، وإنما يعني أن يعلم أن وراء هذه الحياة حسابًا قائمًا على العدل والرحمة والحكمة.

ومن المهم كذلك التمييز بين الإيمان بحقيقة العذاب وبين الاسترسال في تخيل تفاصيله. فالقرآن أخبر الإنسان بالآخرة ليحمله ذلك على العمل والاستعداد، لا ليجعله يعيش في حالة من الرعب المتواصل. فإذا بدأ العقل في إنتاج أسئلة متتابعة من قبيل: ماذا سيحدث لي؟ ماذا لو عُذبت؟ ماذا سيكون مصيري؟، فلا يلزم الإنسان أن يستمر في تحليل هذه الاحتمالات إلى ما لا نهاية. يكفي أن يستحضر حقيقة أبسط وأعمق: الله أعلم بمصيره منه، والله لا يظلمه، وما دام حيًا فباب العمل والتوبة والرجوع إلى الله مفتوح أمامه.

وهذا المعنى تؤكده الآيات تأكيدًا واضحًا؛ يقول تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: 7]. فالإنسان لا يُطالب بأن يحمل همّ المستقبل كله، ولا أن يعيش اليوم أحزان أحداث لم تقع. فإذا كان يخشى على أهله ومن يحبهم من الموت والفقد، فالأولى أن يحول هذا الحب إلى بر وصلة ورحمة وحسن معاشرة في الحاضر، بدل أن يعيش مسبقًا حزنًا على فراق لم يأتِ وقته. إن التفكير المستمر في احتمالات المستقبل قد يحرم الإنسان نعمة الحاضر دون أن يغير شيئًا من المستقبل.

التساؤل عن مصير الإنسان غير المسلم الذي يكون رحيمًا حسن الأخلاق

فهذه مسألة تحتاج إلى قدر كبير من الإنصاف؛ لأن الإسلام يجمع بين حقيقتين لا يجوز إسقاط إحداهما لصالح الأخرى.

الحقيقة الأولى: أن الله تعالى لا يظلم أحدًا، يقول سبحانه: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49]، ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: 40]. ولذلك لا يمكن تصور الحساب الإلهي على أنه حكم اعتباطي لا يراعي حقيقة الإنسان وما بلغه وما قامت عليه الحجة فيه.

والحقيقة الثانية: أن الإيمان بالله والرسالة ليس أمرًا هامشيًا في التصور القرآني، وإنما هو جزء أساسي من مسؤولية الإنسان أمام خالقه. ومع ذلك، فإن هذا لا يخولنا أن نحكم على شخص معين ونقرر مصيره النهائي؛ لأننا لا نعلم حقيقة ما بلغه من الحق، ولا ظروفه، ولا ما قام في قلبه، ولا الملابسات التي أحاطت بموقفه. ولذلك يبقى الحكم النهائي لله وحده، وهو أعلم بعباده وأعدل بهم.

ومن هنا يمكن للمؤمن أن يطمئن إلى أن الله تعالى لن يظلم إنسانًا، دون أن يضطر إلى إصدار أحكام تفصيلية على مصير أشخاص لا يملك معرفة حقيقتهم.

هل يريد الله تعالى تعذيب الناس؟

هذه الصياغة نفسها تحتاج إلى مراجعة؛ لأن القرآن لا يقدم العلاقة بين الله وعباده باعتبارها علاقة إله يريد تعذيب الناس. بل يقول تعالى:

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ﴾ [النساء: 147].

فالآية تفتح بابًا مهمًا جدًا لفهم المسألة: العذاب ليس غاية مستقلة يريدها الله لذاتها. كما يقول سبحانه: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: 46]. ومن ثم فالخوف من الله ينبغي أن يكون خوفًا يقود إلى إصلاح النفس والرجوع إليه، لا خوفًا يجعل الإنسان يعتقد أن الرحمة مستحيلة أو أن مصيره الهلاك مهما فعل.

وفي هذا السياق تأتي أعظم آيات الرجاء:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53].

وتزداد الآية قوة حين نتأمل أنها لم توجه خطابها إلى من لم يخطئ، بل إلى ﴿الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ﴾؛ ومع ذلك نهاهم الله عن القنوط من رحمته. ولذلك فإن الإنسان الذي يعيش في خوف دائم من أن يكون غير مستحق للرحمة يحتاج إلى أن يتذكر هذه الآية بقدر ما يتذكر آيات الوعيد.

الخوف الصحي والخوف الذي يستنزف الإنسان

ليس المقصود إذن أن نتخلص من كل خوف من الموت؛ فالخوف الذي يدفع الإنسان إلى إصلاح عمله والاستعداد للقاء الله تعالى يمكن أن يكون نافعًا. لكن هناك فرقًا بين هذا الخوف وبين القلق الذي يجعل الإنسان يعيش العذاب قبل أوانه، ويعيد السؤال نفسه دون الوصول إلى نتيجة، ويخشى على أهله باستمرار، ويعجز عن النوم أو الدراسة أو ممارسة حياته الطبيعية.

إذا بلغ الخوف هذه الدرجة، فلا ينبغي للإنسان أن يفسره مباشرة بأنه «قلة إيمان». بل قد يكون بحاجة إلى مساعدة نفسية أو إلى الحديث مع شخص بالغ موثوق به، كأحد الوالدين أو أحد أفراد الأسرة أو مرشدة في المدرسة.  فطلب المساعدة لا يناقض الإيمان؛ فالإنسان قد يكون مؤمنًا بالله، ومع ذلك يحتاج إلى من يساعده على التعامل مع القلق بطريقة صحيحة.

والأهم ألا يحاول الإنسان حل جميع مسائل الغيب في لحظة خوف واحدة. فإذا جاءت فكرة الموت، يمكنه أن يرد عليها بهدوء:

«أنا لا أعلم متى سأموت ولا تفاصيل ما بعد الموت، لكنني أعلم أن الله رحيم وعادل، وأعلم أنني ما زلت حيًا، وما زال أمامي مجال للعمل والتوبة والإحسان. فإذا جاء أجلي، فربي أعلم بي مني، ولن يظلمني.»

ثم يعود إلى حياته وعمله وأهله.

الخلاصة

إن الإيمان بالموت لا ينبغي أن يحول حياة الإنسان إلى انتظار مرعوب لنهايتها، وإنما ينبغي أن يمنحها معنى ومسؤولية وأملًا. فالقرآن لا يعلمنا أن نختار بين الخوف والرجاء، وإنما يعلمنا أن نحملهما معًا: نخاف من التقصير، ونرجو رحمة الله؛ نستعد للآخرة، لكننا لا نهدم حاضرنا بسبب الخوف منها؛ نؤمن بالحساب، لكننا نثق في الوقت نفسه بأن: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾.

ولذلك فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى هذه السائلة ليست: «لا تخافي من الموت» فحسب، بل أعمق من ذلك:

لا تجعلي خوفك من الموت يتحول إلى خوف من الله؛ فالله تعالى الذي أمرك بالاستعداد للآخرة هو نفسه الذي فتح لك باب الرحمة، والذي أخبرك بالحساب هو نفسه الذي قال: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾. عيشي يومك، وأحسني إلى من تحبين، واعملي ما تستطيعين، واتركي الغيب لمن يعلمه. فإذا جاء الأجل، فستلقين ربًا لا يظلمك، ولا يضيع عنده عمل، ولا تخفى عليه خافية.

وهذا هو التوازن القرآني الجميل: الخوف الذي يدفع إلى العمل، والرجاء الذي يمنع اليأس، والثقة بأن عدل الله لا ينفصل عن رحمته.

أضف تعليقا

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.