حبل الله
المراد بالكتاب المكنون في آية (الواقعة 78)

المراد بالكتاب المكنون في آية (الواقعة 78)

السؤال:

توقفت عند قوله تعالى: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ . لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 78-79]، ووجدت بعض المفسرين يقولون إن المراد بالكتاب المكنون هو المصحف الذي بين أيدينا، وبناءً على ذلك استدلوا بالآية على أنه لا يجوز مس المصحف إلا لمن كان على طهارة كاملة. غير أن هذا التفسير لم يظهر لي وجاهته؛ لأن سياق الآيات يبدو أنه يتحدث عن أمر آخر. فهل يمكن بيان معنى الكتاب المكنون في ضوء القرآن الكريم؟

الجواب:

إن فهم معنى “الكتاب المكنون” في هذه الآيات ينبغي أن يكون من خلال سياق السورة، فإن القرآن يفسر بعضه بعضًا، والسياق هو المفتاح الأول لفهم المراد.

قال الله تعالى:

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ . وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ . إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ . فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ . لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ . تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة: 75-80].

وردت هذه الآيات في سياق إثبات عظمة القرآن وعلو مصدره، حيث أقسم الله تعالى بمواقع النجوم على أن هذا القرآن كريم، أي أنه ذو مكانة عظيمة، كثير البركة والخير، مشتمل على الهداية والحكمة، يهدي الإنسان إلى ما يصلح شأنه في الدنيا والآخرة.

وقوله تعالى: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ يدل على أن القرآن الكريم له أصل مكتوب محفوظ عند الله تعالى، قبل نزوله على النبي ﷺ، وهذا المعنى تؤيده آيات أخرى، منها قوله تعالى:

﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: 4]،

وقوله سبحانه:

﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ . فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: 21-22].

فهذا يدل على أن للقرآن أصلاً محفوظًا عند الله تعالى، وهو ما عبرت عنه الآية بـ الكتاب المكنون، أي الكتاب المصون المستور عن الخلق، الذي لا تناله أيدي التحريف ولا يصل إليه إلا من أذن الله تعالى له.

وأما قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، فإن ظاهر السياق يدل على أن الحديث عن الكتاب المكنون في العالم العلوي، لا عن المصحف الذي نسخه الصحابة وتداوله المسلمون. ولذلك ذهب كثير من المفسرين إلى أن المراد بـ المطهرين هنا الملائكة، كما قال تعالى في وصفهم:

﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: 16]، ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6].

فالملائكة مطهرون، وهم الذين يتلقون أوامر الله وينفذونها، ومن ذلك ما يتعلق بحفظ الوحي وتبليغه.

كما أن افتتاح المقطع بالقسم بـ ﴿مَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ له دلالة على عظمة هذا العالم العلوي، وعلى ارتباط نزول الوحي بأمر غيبي محفوظ، وليس المقصود مجرد النجوم ذاتها، وإنما مواقعها وأمرها العظيم الذي لا يحيط البشر بحقيقته.

ومن هنا فإن حمل الكتاب المكنون على المصحف الموجود بين أيدي الناس يحتاج إلى دليل مستقل، لأن المصحف إنما هو كتابة للقرآن المنزل، وليس هو الكتاب الذي وصفه الله بأنه مكنون ومحفوظ في هذا السياق.

أما مسألة مس المصحف واشتراط الطهارة له، فهي مسألة فقهية قديمة اختلف فيها العلماء، واستدل جمهور الفقهاء على منع مس المصحف لغير المتوضئ بآثار وأدلة أخرى، من أشهرها حديث عمرو بن حزم: “ألا يمس القرآن إلا طاهر”، وقد اختلف المحدثون في درجة ثبوته، فصححه بعض أهل العلم وقواه، بينما ناقش آخرون دلالته أو ثبوته. والراجح لدينا أنه لا يقوى على إثبات وجوب الطهارة من الحدثين عند مس المصحف من حيث ثبوته ودلالته.

أما الاستدلال بآية الواقعة على هذه المسألة تحديدًا، فليس صحيحا لأن الآية متعلقة بالكتاب المكنون عند الله، لا على المصحف، وإن كان بعض الفقهاء قد استأنسوا بها في باب تعظيم كتاب الله وصيانته.

والذي يظهر أن هناك فرقًا بين أمرين ينبغي عدم الخلط بينهما:

الأول: معنى الآية في سياقها التفسيري، وهو أن القرآن محفوظ في كتاب مكنون عند الله لا يمسه إلا المطهرون من الملائكة.

والثاني: الحكم الفقهي المتعلق بمس المصحف، وهو باب آخر له أدلته ومناقشاته بين أهل العلم.

أما قراءة القرآن، فقد أرشد الله تعالى إلى أدب عظيم معها، وهو الاستعاذة قبل القراءة، فقال سبحانه:

﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98].

ولهذا فإن من المهم التفريق بين النص القرآني في دلالته الأصلية، وبين الأحكام الفقهية يجب أن تُستنبط من مجموع الآيات ذات الصلة. والله تعالى أعلم.

أضف تعليقا

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.