حبل الله
تفسير قوله تعالى: ومُلْكٍ لا يَبلى [الأعراف: 20]

تفسير قوله تعالى: ومُلْكٍ لا يَبلى [الأعراف: 20]

السؤال:

السلام عليكم. قرأتُ في تفاسير قوله تعالى: ﴿وَمُلْكٍ لَا يَبْلَىٰ﴾ [طه: 120] وكنتُ محتارةً؛ هل المُلْكُ هنا هو كونه ملكاً على الناس؟ وكيف ذلك ولم يكن هناك أُناسٌ قبل آدم وحواء ليكونا من الملوك عليهم؟! فما معنى مُلْكٍ لا يبلى؟ وأيضاً ما معنى قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: 20] وشكرًا جزيلًا.

الجواب:

وعليكم سلام الله ورحمته وبركاته، إذا أردنا أن نفهم معنى المُلْك في الآية الكريمة فَهْماً دقيقاً، يرفع اللبس عن غياب الرعيّة والبشر في ذلك الوقت، فلننظر أولاً إلى سياق هذه المادة اللغوية في مواطن أخرى من كتاب الله تعالى؛ فلغة الوحي تتجاوز الحدود الضيقة للتعريفات الدنيوية.

وعند التدبر في السياقات المتعددة لكلمة (المُلك) نجدها تدور حول مسارات مختلفة تنتمي لأصل واحد:

أولاً: المُلْك الإلهي المطلق (مالكيّة الذَّوات والصفات):

وهو تدبير الكون كُلّه خَلْقاً، وإحاطةً، وإحياءً، وإماتةً كما في قوله تعالى:

﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4]

﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: 23]

﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: 1]

ويُعلمنا هذا الموطن أن المُلْك الحقيقي يقوم على القدرة المطلقة والاستغناء التام؛ فالله سبحانه  هو الملك والمالك قبل أن يَخلق السموات والأرض والخَلْق ، فمُلكه ذاتي لا يتوقف على وجود رعيّة يحكمها.

ثانياً: مُلْك السِّياسة وحُكْم الرَّعيَّة (المنظور الدنيوي المألوف):

وهو الذي يتبادر إلى أذهاننا من الوهلة الأولى، ويخص الحياة الدنيا؛ حيث يُطلق المُلْك ويُراد به السُّلطة التنفيذية، وإدارة شؤون جماعة من البشر (رعيّة) في حيّز جغرافي محدد، وهو ملك قاصر، ناقص، يزول بموت المَلِك أو زوال سلطانه ويدل عليه قوله تعالى:

﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ [يوسف: 50]

﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾ [الزخرف: 51]

﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: 247]

ثالثاً: مُلْك المَقْدرة والحيازة الشَّخصية (بمعنى النفع والامتلاك):

وهو السيطرة الشخصية على الأشياء، وقدرة الإنسان على حيازة ما يخصه من منافع دنيوية مادية، أو نفي هذه المقدرة والتملك عن غير الله تذكيراً بضعف المخلوق.

﴿أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ﴾ [النور: 61]

﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً… وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ [الفرقان: 3]

رابعاً: مُلْك النَّعيم والاستغناء الذَّاتي (المعنى الحقيقي لقصة آدم):

وهو التمكين التام، ونفاذ المشيئة، وسعة الاستغناء في النعيم دون كَدّ أو منازع؛ فالإنسان في هذا الطور يكون “ملِكاً” في حيزه؛ لأن كل ما يشتهيه يكون طوع أمره فوراً، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان: 20]

ويدخل في هذا المُلْك احتمالٌ تفسيريّ دقيق يمس طبيعة بيئة الجنة؛ وهو أن يكون مُلْك آدم حكماً وتصرفاً على كل ما في الجنة من حيوانات وطيور ونبات، ولكن كجزء تَبَعي وتكميلي لـ “ملك الحيازة والتسخير” وليس كملك سياسي مستقل، ويُفصل هذا الاحتمال على النحو التالي:

  1. ملك تسخير وانصياع لا ملك رعية وسياسة:

الملك على الحيوانات والطيور وعناصر الطبيعة في الجنة لا يُشبه ملك سليمان عليه السلام في الدنيا (الذي كان فيه كلفة، وإدارة، وجيوش، وأوامر، ونواهٍ وعقوبات كقوله تعالى: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [النمل: 21] بل هو ملك تسخير وانصياع مطلق؛ فكل كائن في الجنة (من طير أو حيوان أو شجر) مهيأ تماماً لخدمة آدم وزوجه ورفاهيتهما، فإذا أراد ظلاً انحنى الشجر له، كما في قوله تعالى: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ [الإنسان: 14]

  1. الحيوانات والطيور جزء من “نعيم” الجنة ومتاعها:

في المنظور القرآني، الحيوان والطير في دار البقاء هما من جملة النعيم والمتاع المسخر لصاحب الجنة، ولذلك فإن سلطة آدم عليهما تُصنف لغوياً وتفسيرياً تحت “ملك الحيازة والاستمتاع” (أي أن يكون مطاعاً في كل ما حوله من موجودات)، ولا تُصنف تحت “ملك الحُكم” الذي يقتضي وجود رعية مكلفة ومجتمعات تحتاج إلى سياسة وتدبير، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: 21]

ومن هنا يتضح معنى الملك الذي أوهم به إبليس حين قال لآدم عليه السلام: ﴿وَمُلْكٍ لَا يَبْلَىٰ﴾ [طه: 120] لَعِبَ على وتر الخوف من زوال هذا التمكين الشامل، فأوهمه أن الأكل من الشجرة سيجعل هذا النعيم وتسخير الكائنات صفةً ذاتيةً فيه لا تقبل الزوال.

لفتة بيانية:

هذا الوهم هو ذاته الهاجس النفسي الفطري الذي يتسلل إلى الإنسان عندما يحوز نعيماً وتمكيناً دنيوياً، فيظن لشدة إعجابه به وتملكه له أنه باقٍ ومستمر بصفة ذاتية لا تطويها الأيام، تماماً كما حدث مع صاحب الجنتين في الدنيا حين دخل جنته وهو ظالم لنفسه فقال انبهاراً بحيازته: ﴿مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا . وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: 35-36]

فتلتقي “إبادة” جنتي الدنيا مع “بِلى” مُلك الجنة، وهو ما يمهد للانتقال إلى آلية الإغواء الشيطاني والجزاء سواء أكان بالخروج من الجنة كما حدث مع أبي البشرية، أو فناء الجنتين لمن أشرك بربه. 

خامساً: آلية الإغواء الشيطاني وقلب الحقائق

تكتمل الصورة البيانية بربط آية سورة طه بآية سورة الأعراف؛ فالإغواء الإبليسي لم يتغير وإن تعددت صوره، بل عَبَّر عنه القرآن بوجهين لعملة واحدة (المُلْك والخلود) ولِفهم كيف استطاع إبليس النفاذ إلى نفس آدم وزوجه بهذا المفهوم، نتدبر قوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: 20] هنا استخدم إبليس أسلوب قلب الحقائق والتشكيك في سبب النهي الإلهي.

وقد يطرح سائلٌ هنا سؤالاً فاحصاً ومحقاً في دلالته:

كيف يُغوي إبليس آدم بالتحول إلى رتبة “الملائكية” في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾ والقرآن الكريم أثبت أن الله تعالى قد كرم آدم وأسجد له الملائكة جميعاً؟ فكيف يطمع في رتبة من سجدوا له؟

وللإجابة عن هذا الإشكال وفهم طريقة الخديعة الشيطانية من خلال النص القرآني، نجد أن إبليس ركّز على صفتين ماديتين يحبهما الإنسان:

1. الطمع في حرية التنقل والاستقلال الوجودي

إبليس استغل أن آدم يعيش في جسد بشرى يتحرك بالمشي على الأرض، بينما الملائكة كائنات وهبها الله قدرة فائقة على الطيران والتنقل السريع بالأجنحة في السموات والجنة، كما وصفهم الله تعالى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: 1]. فالأجنحة والطيران يمثلان غاية الحرية والقدرة على التنقل في الجنة الواسعة دون تعب أو جهد.

وهنا نصل إلى مفتاح السر في كلمة “المُلْك” التي استخدمها إبليس في قوله: ﴿وَمُلْكٍ لَا يَبْلَىٰ﴾ [طه: 120]؛ فالخديعة الشيطانية قامت على إيهام آدم بأن الأكل من الشجرة سيمنحه “امتلاكاً ذاتياً واستقلالاً”؛ أي أنه سيتحول إلى كائن يملك ديمومته وقدرته بـطبيعته الجديدة وليس بـمنحة مشروطة من ربه.

إبليس صوّر لآدم أن النهي الإلهي عن الشجرة هو لحجب هذا الامتياز الذاتي عنه حين قال لهما: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾، فكأن لسان حال الوسوسة: “إذا أكلتما، ستصلان إلى مرحلة الاستغناء الوجودي، وتصبحان مالكين للخلود والقدرة بطبيعتكما، فلا يملك أحد طردكما بعد ذلك لأنكما صرتما من جنس الملائكة الباقين في الملكوت ذاتياً”؛ وبذلك لم يكن آدم يطلب الخروج عن تكريمه، بل طمع في تحويل وجوده من نعيم مشروط بطاعة معينة قد يُطرد بسبب تركها، إلى ملك شخصي ثابت وقدرة ذاتية لا ينزعها أحد منه.

2. عرض الخيارين (بلاغة العطف بـ “أو”)

الشيطان لم يقدم لآدم عرضاً واحداً، بل وضع أمامه خيارين مغريين في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾، ليلعب على كل رغبات النفس البشرية:

  • الخيار الأول (خيار القدرة والجسد المستقل): أن يصبحا كالملائكة؛ يملكان طبيعة حرة وقدرة ذاتية فائقة على الحركة والتمكن في أرجاء النعيم دون قيود.
  • الخيار الثاني (خيار البقاء والأمان): إذا أرادا البقاء كبشر مستمتعين بنعيم الجنة وأكلها، فليأكلا من الشجرة لينالا على الأقل ﴿الْخُلْد﴾ والأمان الزمني، فلا يموتا ولا يخرجا من الجنة أبداً.

الخلاصة البسيطة للوسوسة:

إبليس علم أن الإنسان جُبل فطرياً على حب شيئين: البقاء الدائم (الخلود)، والرفعة والقدرة المطلقة (المُلك). فكذب على آدم وزوجه موهماً إياهما أن الشجرة المحرمة هي المفتاح لتحقيق هذه الرغبات بشكل مستقر وثابت، وصوّر لهما النهي الإلهي وكأنه حرمان من هذه المزايا الاستقلالية؛ ليلعب على وتر التحرر من الخوف، ويزعم لهما أن الأكل منها سيعطيهما ديمومة مستقرة لا تنزعها أي مخالفة، دون خوف من فناء أو طرد. ويؤكد هذا المعنى مجيءُ كلمة (يَبْلَىٰ) في سورة طه؛ ليكشفَ عمق التلاحم اللغوي بين الفناء والابتلاء.

سادساً: دلالة (لَا يَبْلَىٰ):

فالكلمتان (يَبْلَى) و(الابْتِلَاء) تنتميان إلى مادة لغوية واحدة وهي الباء واللام والياء/الواو (بـ لـ ي) أو (بـ لـ و) ولكن، كيف تلتقي مادة (البِلَى) التي تعني الفناء والاهتراء، بمادة (الابتلاء) التي تعني الاختبار والامتحان؟

إن الربط بينهما في لغة العرب يعود إلى أثر الفعل، وإليكِ التوضيح الدلالي:

  1. الأصل الأول: بَلِيَ الشيءُ (يَبْلَى):
    • المعنى: رَثَّ، واهترأ، وأخلقَ، وصار قديماً تالفاً.
    • مثاله: بَلِيَ الثوبُ إذا كثر استعماله حتى رقَّ واهترأ، ومنه في الآية: ﴿وَمُلْكٍ لَا يَبْلَىٰ﴾ أي لا يرقّ، ولا يضعف، ولا يفنى على طول الزمان.
  2. الأصل الثاني: بَلَوْتُهُ ابتلاءً (الابتلاء):
    • المعنى: الاختبار، والامتحان، والتقليب في الظروف: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: 35]
    • الرابط الاشتقاقي: سُمي الاختبار والامتحان “ابتلاءً” لأن الاختبار المتكرر للشخص أو الشيء يُجهده ويُضنيه حتى يكاد يُبليه (أي يجعله كالشيء البالي من شدة العناء والتجرِبة)، تماماً كما يَبلَى الثوب من كثرة الاستعمال.

ومن عجيب اللطائف هنا، أن “الشجرة” التي جُعلت مادة الابتلاء والامتحان لآدم في الجنة، هي ذاتها الشجرة التي زعم إبليس أنها سبب لـملكٍ لا يبلى، فأوهمه أن العصيان والأكل منها هو الطريق الوحيد لإنهاء حالة “الاختبار والابتلاء الموقوت” التي تُجهد النفس، والدخول في طور الاستقرار المطلق.

وختامًا:

إن تفكيك هذه الوسوسة الإبليسية لا يقف عند حدود التفسير التاريخي لقصة الخلق، بل يمتد ليكون مرآة كاشفة لواقعنا الإنساني المعاصر، فالخديعة التي نفذ منها إبليس إلى نفس آدم هي ذاتها الثغرة النفسية التي يُلعب عليها اليوم في الفلسفات المادية الحديثة؛ حيث يسعى الإنسان المعاصر بكل أدواته التكنولوجية والطبية إلى تحقيق ذات “الخيارات الإبليسية”: ﴿الْخُلْد﴾ عبر محاولة مدّ العمر البشري ومحاربة الشيخوخة والاهتراء، و﴿المُلْك﴾ عبر طلب القوة المطلقة والسيطرة والتحرر من أي قيد أو كلفة أخلاقية ودينية.

إنه هاجس “الاستقلال الوجودي” والوهم بأن الإنسان قادر على صياغة أمانه وخلوده بيده بعيداً عن الرعاية الإلهية المشروطة بالامتثال والطاعة.

ليتضح في الأخير – لنا ولآدم – أن هذا الطموح الإنساني الفطري في البقاء والنفاذ لا يتحقق بالتمرد والمعصية، ولا بالوسائل المادية الأرضية، بل هو مكافأة ادّخرها الله سبحانه لعباده الطائعين في دارٍ حُسمت فيها قضية الخلود ونفاذ المشيئة بكلمات تقطع دابر كل خوف وبِلى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ . لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: 34-35].

الباحثة: شيماء أبو زيد

أضف تعليقا

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.