حبل الله
هل الإجماع حجة على القرآن الكريم؟

هل الإجماع حجة على القرآن الكريم؟

السؤال:

  • كيف يمكنني التوفيق بين الحديث الذي يقول «إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة» وبين ما أراه من واقع ملموس، حيث قام “أهل الحديث” و”أهل الفقه” عبر القرون ببناء أحكام استندت إلى روايات يعلمون ضعفها، مما أدى لظلم متراكم للمرأة وتحويلها لكائن من الدرجة الثانية باسم الشريعة؟
  • وكيف أتعامل مع حيرة الشك وخوف الظلم وأنا أواجه موقف أمي التي ترفض نقد الموروث، وتحتج بحديث “الجماعة” وتقول أيضًا: كيف يمكن للحائض أن تصوم وتصلي وهي تكون متعبة أصلًا، وجسمها يحتاج إلى السوائل؟ وترى أن في ذلك رحمة من الله بنا، وهذا الحديث «كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ نَخْرُجَ يَوْمَ العِيدِ حَتَّى نُخْرِجَ البِكْرَ مِنْ خِدْرِهَا، حَتَّى نُخْرِجَ الحُيَّضَ، فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ، فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ، وَيَدْعُونَ بِدُعَائِهِمْ يَرْجُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ اليَوْمِ وَطُهْرَتَهُ» أليس دليلًا على أن الحائض لا تصلي؟

بل وترى أن مجرد تساؤلي حول موافقة أحاديث “الصحيحين” للقرآن هو “بداية طريق الإلحاد”؟ وتقول أنهما قضيا حياتهما في العلم، وأنتِ لا تساوين حتى شراك نعلهما! استغفري ربك، كما بدأت تتهمني بأنني أتابع الضالين المضلين أمثال محمد شحرور وعلي الكيالي، وأنني من القرآنيين المنكرين للسنة، وأن هذا طريق يؤدي إلى الكفر… فكيف أتعامل مع هذه الاتهامات؟؟

فهل “الإجماع” هو حقاً مصدر تشريع لا يأتيه الباطل، أم أننا وقعنا ضحية “منفرين” جعلونا نكره الدين بسبب أحكام ذكورية لا أصل لها في كتاب الله؟ وكيف أعرف أين يكمن الحق وأنا تائهة بين تعظيم أمي المطلق للعلماء وبين شعوري بأن الله العدل مستحيل أن يظلم المرأة؟

  • إذا كان الإمام الغزالي نفسه قد أقر في كتبه بأن أحد الأئمة الكبار قد دلس في شرح فقهي يخص النساء خشية تذرعهن بالرخص، فما الفرق حينها بين هذا المنهج وبين ما قاله بولس في الإنجيل: «إذا كان مجد الرب يزداد بكذبي فلماذا أدان!»؟ وهل يملك الفقيه الحق في التدليس والمغالاة بحجة حماية الدين، والله قد أنزل آياته بالعدل لا بالإفراط؟
  • كيف يُمكن أن يُصنف ختان الإناث في الخطاب الفقهي على أنه “مستحب ومكرمة” بينما يقطع الطب الحديث بأنه “تشويه للأعضاء التناسلية” وانتهاك صارخ لحق الفتاة في الصحة والحياة، وما هو الحكم الشرعي اليقيني لهذا الإجراء (للذكر والأنثى) من واقع نصوص القرآن الكريم والسنة الصحيحة الموافقة لكتاب الله، بعيداً عن الروايات التي تسببت في مضاعفات طبية ونفسية ووفيات، وفي ظل تمسك البعض بهذه الممارسة في مصر كشرع إلهي رغم تجريم القانون لها واعتبارها مجرد أذى لا أساس له من الصحة؟
  • كيف يُمكن تفسير التناقض الصارخ في “جرائم الشرف” حين يُعاقب الرجل الذي يقتل زوجته لمجرد الشك بسنة واحدة فقط، بينما تُواجه المرأة حكم الإعدام حتى لو قتلت زوجها دفاعاً عن طفلتها من اعتدائه، وهل يُعقل تشديد عقوبة الزنا على المرأة لتصل لسنتين مقابل ستة أشهر للرجل في القانون المصري رغم أن الله قد عدل بينهم في العقوبة، وكيف تُعامل المرأة كـ “ناقصة عقل” لتُحرم من القضاء بينما تُعتبر “كاملة الأهلية” عند العقاب، ويُدّعى نضجها المبكر لتبرير تزويجها طفلة بينما يُحتكر “كمال العقل” للرجل ليتمتع بالمناصب وتُفصل له القوانين والأعذار على مقاسه؟
  • كيف نجمع بين شرح حديث «بأن النبي كان يُقبل ويباشر وهو صائم» – والذي يبيح الاستمتاع بما دون الجماع – وبين ما تقرر لدينا في حكم علاقة الحيض من وجوب اعتزال الزوجة وعدم الاقتراب حتى من المقدمات؟ أفيدونا في هذا التعارض بين الروايات المنسوبة للنبي ﷺ وبين وجوب اجتناب هذه المقدمات.

الجواب:

إن الشك الذي يعتريكِ ليس أمراً جديداً أو علامة خذلان، بل هو جزء أصيل من الاختبار، ويعد بمثابة النواة الأولى والبذرة التي يضعها الشيطان في قلبكِ لصرفكِ عن الحق الذي كدتِ أن تصلي إليه، هذا المسار هو ذاته الذي مر به الرسل والأنبياء من قبلكِ، فلم يكن طريقهم خاليًا من القذف الشيطاني في تصوراتهم؛ إذ يقول تعالى:

 ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: 52]

ومن كثرة هذا الضغط وشدته، كاد الرسول ﷺ نفسه أن يميل قليلاً نحو ما يطرحه المشركون لولا تثبيت الله تعالى له، وهو ما صوره القرآن في قوله:

﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 74].

هل كل ما تركه السابقون حقّ؟

لو كان كل ما قاله السابقون هو الحق الذي لا يأتيه الباطل، وأنهم وحدهم هم العالمون بالدين لما ذمّ الله تعالى الذين يقدسون الموروث دون تدبر، حين قال:

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا، أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 170]

ولكان أكثر أهل الكتاب من اليهود والنصارى الذين يؤمنون ببنوة المسيح لله تعالى على حق، فرغم أن كتابهم المقدس ليس فيه آيات تدعو لهذه البنوة، إلا أن التحريفات التي نشأت من الأحبار والرهبان هي التي أسست للشرك حين ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 31] ونحن لسنا بأحسن منهم حالاً؛ حيث إن كثيراً من كبرائنا وسادتنا قد دلسوا علينا ولبّسوا الحق ثوب الباطل، وفي هذا المشهد سيقول الذين اتبعوهم بغير علم يوم القيامة:

﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: 67]

ولسان حال الرسول ﷺ في ذلك اليوم هو شكوانا لربه:

﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: 30]

والمتدبر في هذه الآية يجد ملمحاً غريباً؛ فكيف يتفق “الأخذ” مع “الهجر”؟ أليس من المفترض أن يقول (تركوا هذا القرآن مهجورًا)؟ ولكن التعبير القرآني جاء غاية في الدقة؛ لأننا بالفعل قد أخذنا القرآن حفظاً وتجويداً ورسماً، وهجرناه تدبراً وعملاً.

المنهج القويم في التعامل مع التراث

إننا لم ندعُ يوماً لهدم الموروث كله أو إنكاره جملةً وتفصيلاً، بل لا نستطيع أن ننكر فضل بعض من سبقونا وما تركوه لنا من اجتهادات استفدنا منها، ولكن شتان بين الاستفادة والتقدير وبين التقديس الذي يسلب العقل حريته؛ فنحن نأبى أن نكرر خطأ الأمم السابقة التي عميت بصائرها، ومنهجنا هو الامتثال لأمر الله تعالى المتكرر في ختام آياته حين يدعونا بقوله:

﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44]، و ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: 80]، و ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [القصص: 72]؛

لذا فنحن نُعمل عقولنا ونعرض كل موروث على ميزان الوحي المعصوم، فنأخذ منه ما وافق كتاب الله تعالى واستقام مع عدله، وننبذ ما خالفه جاعلين كتاب الله هو الحاكم والمهيمن الوحيد، مخافة أن نكون مع الظالمين والكافرين الذين قال تعالى فيهم:

﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44]  و ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: 45].

خطورة التدليس بدعوى حماية الدين

إن الربط الذي أشرتِ إليه في سؤالكِ بين منطق “بولس الرسول” وما نقله “الإمام الغزالي” يضع اليد على جرح غائر في تاريخ الفكر الديني؛ حيث استُخدم “التدليس” أحياناً كأداة لحماية العقيدة أو ضبط المجتمع، وهو مسلك خطير يُخرج الدين عن طهره وكماله.

أولاً: موقف بولس الرسول (رفض الكذب لمجد الله)

واجه بولس الرسول في رسالته إلى أهل رومية (الإصحاح 3 : 7-8) جدلاً حول الصدق والكذب، حيث برز تساؤل: هل يجوز التدليس إذا كان يؤدي لنشر الإيمان أو إظهار عظمة الله؟ وقد جاء رده قاطعاً برفض مبدأ “الغاية تبرر الوسيلة”، موضحاً أن الحق الإلهي لا يحتاج إلى باطل البشر ليزداد جلالاً، وأن الذين يزعمون جواز فعل السيئات (كالتدليس) لتأتي الخيرات يقعون تحت طائلة الدينونة والعدل الإلهي؛ فصدق الله لا يزداد بافتراء خلقه.

ثانياً: موقف الإمام الغزالي (كشف زيف فقهاء الزجر والسياسة)

يلتقي هذا الموقف مع ما كشفه الإمام الغزالي في “إحياء علوم الدين”، حيث كان جريئاً في نقد الفقهاء الذين حوّلوا “الفتوى” إلى أداة “سياسية” لضبط سلوك المرأة بناءً على مصالح متوهمة لا نصوص قطعية. وقد لاحظ الغزالي أن هؤلاء يفتون بتحريم المباحات أو يبالغون في تصوير العقوبات “زجراً” للمرأة عن التمادي أو “سياسةً” لإحكام السيطرة عليها، وهو ما يُعدُّ تقديماً للرأي المنحاز في غلاف النص المقدس، متجاهلين أن الدين قد اكتمل ببيان الله لا بزيادات البشر، كما قال تعالى:

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْهِ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3].

عند الربط بين الموقفين، نجد أن هذا المسلك ينطوي على مخاطر جمة تتلخص في خيانة لأمانة البلاغ:

  1. الافتراء على التشريع: الفقيه الذي يشدد في الأحكام بدعوى الحماية يقع في نهي الله الصريح:

﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ، إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: 116].

  1. استصغار كمال الدين: وكأن الشريعة التي أنزلها الله ناقصة وتحتاج إلى كذب الفقهاء أو تدليس الأحبار لتكتمل، وهو اتهام ضمني لتمام المنهج الإلهي الذي اكتمل بنص الآية 3 من سورة المائدة المذكور آنفاً.
  2. تنفير الخلق وقسوة القلوب: التدليس والتشديد بغير حق يؤديان إلى قسوة القلوب والبعد عن جوهر الحق، وهو ما حذر منه القرآن في سياق الحديث عن أهل الكتاب الذين اتبعوا أهواء أحبارهم:

﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ، وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: 16].

فكما أن “مجد الرب” لا يزداد بخداع خلقه، و”حقوق المرأة” لا تصان بالافتراء على الله؛ فالمنهج القويم هو نقل الحكم الإلهي كما نزل بميزانه العادل الذي ﴿لَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوجًا﴾ [الكهف: 1]، دون حاجة لزيادات الزجر وسد الذرائع التي تلبس الباطل ثوب الحق وتفقد الدين مصداقيته.

هل الإجماع والكثرة دليل الصدق؟

بالنسبة لقول والدتِكِ الفاضلة: «هل أنتِ على حق وكل العلماء السابقين الذين بذلوا جهدهم ووقتهم على ضلال؟»، وأن الأمة لا تجتمع على ضلالة؛ فإن الجواب يكمن في التساؤل: هل الإجماع أو الكثرة دليلٌ قاطع على الصحة والحق في ميزان الوحي؟

إن المتدبر في كتاب الله تعالى يجد أن الله سبحانه قد حسم هذه المسألة بوضوح، منبهاً إيانا إلى أن اجتماع الناس على أمرٍ ما ليس بالضرورة صكاً لصحته، بل قد يكون العكس هو الصحيح في كثير من الأحيان؛ إذ يقول تعالى:

﴿قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ، فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 100]

فالعبرة ليست بالعدد، بل بموافقة الحق والتقوى.

ويتجلى ذلك واضحًا جليًا حين نبأنا العليم الخبير في مواضع عديدة أن أهل الحق والشاكرين الصادقين هم دائماً الأقلية، بينما الغالبية قد تضل عن السبيل، حين قال: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: 40] وفي مقام الثناء على الشاكرين قال:

﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13]

وعن حقيقة الإيمان في قلوب الأكثرية وما تصاحبها شوائب عقدية يقول تعالى:

﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106]

وإذا نظرنا في واقعنا اليوم، فهل نجد أن أكثر الناس يتحرون الصدق والخير؟ أم نرى الكذب والنفاق والغيبة والسخرية هي السائدة؟ إن هذا الواقع يصدقه قوله تعالى:

﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: 103]

لذا، فإن الحق لا يُعرف بالرجال ولا بكثرة الأتباع، وإنما يُعرف الحق بذاته حين يُعرض على ميزان الله المعصوم، ومن هنا يتبين أن “إجماع” البشر – مهما بلغت مكانتهم – يظل اجتهاداً يُعرض على النص، فإن خالفه، فالحق أحق أن يُتبع، وقد حذرنا عز وجل من اتباع هوى الغالبية إذا خالف بصيرة الوحي بقوله:

﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ، إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: 116]

إن الاستدلال بـ “الإجماع” لتعطيل نص قرآني أو تقييده بما لم يأذن به الله، يصطدم بالحقيقة الكبرى التي أعلنها تعالى بقوله:

﴿قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾  [الإسراء: 88]

فالله سبحانه جعل “اجتماع” الخلق كلهم – بمن فيهم العلماء والفقهاء – ومن في الأرض جميعًا في كفة، وهذا “القرآن” وحده في كفة الإعجاز والسيادة؛ فكيف يُعقل أن يكون اجتماعهم عاجزاً عن الإتيان بمثله، ثم ندعي أن اجتماعهم يملك القدرة على الهيمنة عليه أو تجاوزه؟

إن عجز الخلق عن الإتيان بمثله هو أكبر دليل على وجوب خضوع “إجماعهم” لنصوصه، لا خضوع نصوصه لإجماعهم.

تعب المرأة خلال حيضها وتعارضه مع الصيام

وبالنسبة لتعليق الأم الفاضلة عن تعب المرأة خلال صومها وأنها تحتاج إلى السوائل؛ فقد بين الله تعالى:

﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ ‌مَرِيضًا ‌أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] 

فإن كانت المرأة في بداية أيام حيضها كالكثير من الفتيات يشعرن بالتعب والألم ويحتجن إلى أخذ مسكنات أو شرب بعض الأشربة الدافئة لتهدئة المغص الناتج عنه، فيحل لهن الفطر بناء على رخصته تعالى في المرض وليس للحيض نفسه، ولكن مع زوال الألم فينبغي عليها الصيام؛ فالحيض هو دم فاسد يطرده الرحم من المرأة حتى لا يسبب لها الأذى وليس دمًا صالحًا يستفيد منه الجسم ليكون في فقده احتياج للسوائل لتعويضه.

وأما عن الصلاة ورواية خروج النساء الحيض للمصلى لمشاركة المسلمين دعاءهم لا يعني تحريم الصلاة عليهن، بل هو دعوة للشهود والمشاركة، والأصل في المنع يحتاج لنص قرآني صريح وهو ما لم يأتِ به الكتاب، فالصيام في كتاب الله تعالى لا يرخص في تركه إلا في المرض أو السفر الذي يشق على المؤمن مواصلة الصيام معهما، أما الصلاة فلم يأتِ فيها استثناء واحد يمنع المؤمن أن يكون من: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج:23- 34]

فالديمومة على الصلاة والمحافظة عليها من صفات المؤمنين، فلا عذر لأحد في تركها.

وقد ذكرنا في تساؤلات عدة – على موقعنا – أن الحيض وُصف في كتاب الله تعالى بالأذى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: 222] ولم يصفه بالنجس.

*وللمزيد حول الموضوع يرجى الاطلاع على الفتوى: ألفاظ القرآن بين المقصود والموروث  وعلى المقالة: صلاة الحائض وصيامها

روايات الإساءة لفراش النبي

وعن السؤال عن راوية التقبيل والمباشرة في الصيام وهذا التعارض المزعوم، فإن الجواب يتجلى في كشف زيف هذه الأقاويل المفتراة على رسول الله ﷺ، التي لا تستقيم مع العقل ولا مع جلال النبوة؛ فكيف يُمكن لعاقل أن يُصدق أن الرسول الذي كان يقضي نهار صومه في عظيم المهام من دعوةٍ وجهاد، وجدالٍ للمشركين والمنافقين، وفصلٍ في الأحكام بين المؤمنين وأهل الكتاب، أن ينشغل بمثل هذه الصغائر التي تنافي حرمة الصيام وآدابه السامية؟!

إن نبينا هو الذي كان يحيي ليله متبتلاً لربه حتى تتورم قدماه، وهو الذي وصفه ربه بقوله:

﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ [المزمل: 20]

فمن كان هذا حاله في استغراق وقته لمرضاة ربه، كيف يُفترى عليه بأنه يترك الحلال في وقته المباح له، حيث قال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: 187]، ليفعل ما يفتريه الجهلاء عليه في نهار صومه؟! فــ ﴿حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾

فهذه الروايات التي تُصور النبي ﷺ منشغلاً بالمباشرة والتقبيل أثناء التعبد في صومه، والتشدد في اعتزال الحائض اعتزالاً كلياً حتى في المقدمات، هي في الحقيقة تناقضٌ صريح يُسأل عنه من وضعه؛ فهؤلاء الذين ينسبون للنبي ما ينافي الوقار والقداسة، وينسبون للتشريع ما يضيق على الناس بغير هدى، ينطبق عليهم وعيد الله الشديد:

﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت: 13].

إن رسول الله ﷺ أعظم قدراً، وأسمى روحاً، وأشد تعظيماً لحرمات الله من أن تصدق فيه هذه المرويات التي تخالف صريح القرآن ومنطق العبادة، وما هي إلا جزء من تلك “الأثقال” والافتراءات التي سُطرت بعيداً عن جوهر العدل والسمو الإلهي.

*ولمزيد من التفصيل في المسألة يرجى الاطلاع على الفتوى: الروايات التي تخوض في علاقة النبي الكريم بأهل بيته

أما بالنسبة لختان الإناث فقد أجبنا عنه في سؤال سابق يرجى الاطلاع عليه: هل ختان الإناث مقياس للعفة والحفظ من الشهوات؟

القوانين الوضيعة في ميثاق الشرف

أما بالنسبة لجرائم الشرف وتفاوت العقوبة فيها في بعض البلدان، فقد أصبتِ كبد الحقيقة حين قلتِ إن بعض القوانين فُصِّلت على مقاس الأهواء والتحيزات البشرية، وليس على مراد الله ومنهجه القويم؛ حيث العدول عنه واتباع غير سبيل المؤمنين أدى إلى انتشار الجرائم والتجرؤ على سفك دم ﴿النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: 151] وقد وضع الله نظاماً دقيقاً لحماية الدماء والأعراض، ولم يمنح الزوج أبداً حق القتل حتى لو رأى زوجته متلبسة بالفاحشة.

بل شرع له أحكامه في سورة النور كحل شرعي يصون الأرواح من القتل العشوائي تحت مسمى الشرف، فمن اتبع هدى الله ضمن كرامة النفس وأمن المجتمع، ومن أعرض عنه تخبط في القوانين الظالمة، إذ يقول تعالى:

﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ﴾ [طه: 123].

فكل تشريع يسمح بإزهاق الروح بغير حكم الله هو ضلال وشقاء، يبتعد بالبشرية عن العدل الإلهي الذي ساوى بين أرواح خلقه جميعاً، والله تعالى الذي استأمن المرأة على النفس والدين (بمخاطبتها بالتكاليف كاملة) لا يمكن أن يسلبها كمال عقلها في إدارة شؤون الحياة.

*ولمزيد من التفصيل حول الموضوع يرجى الاطلاع على الفتوى المتعلقة: ما هو اللعان وما الغاية من تشريعه؟

هيمنة الوحي: لا اعتبار لإجماعٍ أو رواية تُصادم كتاب الله وسنة الله ورسوله.

إن المنهج الرباني القويم يعتمد في مقامه الأول والأخير على كتاب الله تعالى وحده، امتثالاً لما أمر به سبحانه في محكم تنزيله:

﴿فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ، وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ، وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ، وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ، وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ، اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ، لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ، لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ، اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى: 15]

وهذا الخطاب لرسوله ولنا من بعده.

ومن هنا فالسنة الحقيقية التي لا تتبدل هي سنة الله تعالى التي اتبعها النبي ﷺ نفسه  كما قال تعالى:

﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ، سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ [الأحزاب: 38]،

وهي السنة القائمة على العدل والحق، كما قال سبحانه:

﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: 43]

وبناءً على هذا الميزان، فكل ما وافق كتاب الله وسنته عز وجل – سواء كان قول عالم، أو مروية راوٍ، أو فكر مفكر، أو إجماعاً، أو قياساً – فهو المقبول الذي يُعتد به عند الله؛ أما كل ما خالف محكم التنزيل وصادم الفطرة والعدل الإلهي، فموقفنا منه هو البراءة التامة والرفض القاطع، لسان حالنا فيه:

﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ [الأنعام: 114].

وختامًا:

عليكِ أيتها السائلة الكريمة أن تخبري أمكِ الفاضلة أن منهجكِ في اتباع الحق لا يقوم على تقديس الأشخاص، بل على تقديس كلام الله تعالى والتسليم له، فأوضحي لها أن اتهامها لكِ باتباع أسماء بعينها فيه إجحاف لمنهجكِ؛ فأنتِ لا تقدسين بشراً ولا تسيرين خلف أحد كمرجعية معصومة، إنما المنهج الذي ترتضينه لنفسكِ هو ألا تأخذي من إنسان إلا ما وافق كتاب الله عز وجل، فإن وجدتِ في قولهم ما يوافق محكم التنزيل ويحقق عدل الله تعالى قبلتِهِ، وإن وجدتِ ما يخالفه نبذتِهِ؛ فالأشخاص يخطئون ويصيبون، وكتاب الله وحده هو المهيمن والحكم، مصداقاً لقوله تعالى:

﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 48].

وأكدي لها أنكِ لستِ منكرة لسيرة نبينا ﷺ، ولكنكِ ترفضين أن تُنسب إليه مرويات تصدم الفطرة وتخالف جوهر القرآن الذي جاء به، فتمسككِ بالقرآن كمرجع أول هو استجابة لأمر الله الذي سيحاسبنا جميعاً على هذا الذكر يوم القيامة:

﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: 44]

فإذا كان طريق العودة إلى القرآن “كفراً” في نظر البعض، فبماذا نصف من ترك محكمات القرآن ليتبع ظنيات الروايات؟

فقولي لها: “لا تكوني يا أماه ممن يضيق صدرهم إذا دُعوا إلى الاحتكام لله وحده، بل استبشري بآيات الله التي جعلها تبياناً لكل شيء”، فقد وصف الله تعالى حال من تأذت قلوبهم من التوحيد الخالص بقوله:

﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ، وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: 45].

فليكن استبشارنا بالقرآن وحده، وكوني أنتِ الابنة البارة الصابرة، عسى أن يُلين الله قلبها للحق ببركة تمسككِ بكتابه وإحسانكِ إليها.

واعلمي أن ثباتكِ على الحق مع لين جانبكِ هو أبلغ رد يقنعها بأنكِ على بصيرة، ولذا عليكِ أيتها السائلة الكريمة، أن تدركي أن مقام الوالدين في الإسلام عظيم، وأن واجبكِ أمام هذه الاتهامات القاسية هو الصبر الجميل؛ فلا تصادميها واجعلي نقاشكِ هادئاً، وإذا اشتد الجدال فانسحبي بأدب، والتفتي للرضا الدنيوي فكوني متميزة في برّها في كل ما لا يغضب الله، لكي تدرك عملياً أن بحثكِ في القرآن زادكِ خلقاً وأدباً ولم يزدكِ عقوقاً، ولا تملي من الدعاء لها بقلب صادق:

﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [نوح: 28].

الباحة: شيماء أبو زيد

تعليق واحد

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.