حبل الله
هل الحروب القائمة في منطقتنا من علامات الساعة؟

هل الحروب القائمة في منطقتنا من علامات الساعة؟

السؤال:

هل نحن في فتن نهاية العالم أم أن (شيوخ اليوتيوب) يجمعون المشاهدات؟ أعتقد أن التاريخ حافل بمجازر يشيب لها الولدان، لكن كلما حدث شيء في المنطقة العربية تكثر إشاعات نهاية العالم، لماذا؟ يعني لو لم يكن هناك إنترنت، وما يحدث الآن كان يحدث في أستراليا مثلاً، هل كانت ستكون نهاية العالم أيضاً؟ ما هو الدليل أصلاً أنها الفتن الأخيرة؟ بعض الدول الأفريقية قُتل فيها في العقود الماضية ما يزيد عمن قُتلوا في فلسطين وسوريا والعراق واليمن والسودان والجزائر أجمعين، ولم يقل أحد إنها نهاية العالم، ولا أحد يولول، ولا حتى تم محاسبة الجاني ولو شفهياً! أصلاً حتى أمريكا ليست شيطان العالم الأوحد، ولا حتى (أمريكا الصغيرة) المزروعة وسطنا؛ فكل عقد له شيطانه، وأكيد نهاية العالم ستأتي مرة واحدة.. فلماذا الآن؟ لا أفهم! هل دماء كل هؤلاء الناس مرت سدى، وفقط دماء المنطقة العربية هي التي ستقيم القيامة؟ سؤالي ليس تقليلاً من أحد ولا استنكاراً، لكني حقاً لا أفهم؛ لو القيامة ستقوم بسبب الدماء المراقة فحسب، لكانت قامت من زمن بعيد. أرجو التوضيح.

الجواب:

في البداية نحيي السائلة الكريمة فقد أجبتِ بفطرتك النقية وعقليتك النقدية التي ترفض الانسياق وراء الأصوات التي تروج أفكارها مختبئة تحت ستار الدين، وفي الحقيقة تقتات على الأزمات وتستبيح وعي الناس بالفزع؛ فأولئك الذين يعتلون المنابر الرقمية ليسوا إلا مدعين يفترون على الله الكذب بادعاء غيبٍ لم يعلمه أحد من الناس، محولين القلق الوجودي إلى مادة للمشاهدات. وللأسف، ما كان لهؤلاء أن ينتشروا ويستمروا لولا وجود أتباع سلموا لهم عقولهم بغير فكر، لينطبق عليهم قوله تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف: 54]

إنكِ لمستِ جوهر الحقيقة بتساؤلك المنطقي؛ فلو كانت القيامة ستقوم لمجرد إراقة الدماء فحسب، لكانت قامت منذ قرون خلت شهد فيها التاريخ مجازر يشيب لها الولدان.

وإليكِ تحليل للنقاط التي طرحتِها، مدعوماً بالبرهان العقلي والنص القرآني:

وحدة الدم الإنساني وعالمية الحساب

لماذا يُروج بأن دماء المنطقة العربية هي فقط التي ستقيم القيامة؟ هل دماء الملايين في أفريقيا وآسيا الذين قُتلوا في العقود الماضية مرت سدى؟ إن هذا الطرح الانتقائي يغفل أن القيامة قائمة لرد المظالم للجميع، فالقول بأن دماء منطقة معينة هي التي تستوجب غضب السماء دون غيرها هو إجحاف بحق مليارات البشر الذين عانوا في صمت عبر التاريخ، ويتصادم مع المبدأ القرآني الذي يعظم قيمة النفس أياً كانت جغرافيتها، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32] فلم يقل (من قتل عربيًا)!

إن هذا الطرح يثير تساؤلاً أخلاقياً وفلسفياً هاماً؛ فالدين في جوهره يساوي بين النفوس البشرية، لكن التفاسير المبنية على الروايات التي ادعت الغيب تسقط أحياناً في فخ القومية أو المركزية الجغرافية، وإذا نظرنا للمسألة من منظور تاريخي وإحصائي، سنجد أن البشرية مرت بظروف أبشع بمراحل مما نعيشه الآن؛ فـ الموت الأسود حصد ثلث سكان أوروبا، والحروب المغولية أبادت مدناً كاملة، ناهيك عن الحربين العالميتين، ومع ذلك استمرت الحياة.

لذا، فالمفاضلة بين دماء ودماء أمام ميزان العدل الإلهي هي مغالطة كبرى، حيث تُنصب الموازين القسط التي لا تظلم أحداً بناءً على انتمائه الإقليمي، كما قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا، وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ، وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: 47]

نقد الروايات المفتراة بادعاء الغيب

تكمن المشكلة الجوهرية في تلك الروايات المفتراة على لسان الرسول ﷺ، والتي تدعي تفصيل أحداث الغيب وتوقيت الملاحم في الشام أو العراق أو الحجاز؛ وهي روايات تصطدم بشكل مباشر مع المحكم القرآني؛ ففي كل موطن سُئل فيه الرسول ﷺ عن الساعة في كتاب الله تعالى، كان الرد يأتيه من وحي السماء حاسماً ومانعاً لأي ادعاء بالعلم بموعدها أو تفاصيل مقدماتها الزمانية، بل واستنكر القرآن سؤالهم له كأنه عالمٌ بموعدها الخفي حين قال:

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي، لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ، ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً، يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا، قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ، وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 187]

فقد حدد القرآن بوضوح أن مهمة الرسول تقف عند حدود التذكرة بها والتحذير منها، لا الإحاطة بموعدها الذي لا يملكه إلا الله سبحانه، حين قال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا. فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا . إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَا . إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: 42 – 45]

فكيف يستقيم أن لا يعلم الرسول ﷺ موعد الساعة في القرآن، ثم تُنسب إليه روايات تفصل الفتن الأخيرة وكأنها نشرة أخبار مجدولة؟ إن هذا التناقض يؤكد أن تلك المرويات ليست إلا افتراءً على مقام النبوة، واقتحاماً لخصوصية الغيب الإلهي الذي قال فيه سبحانه: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ، وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: 65]

إن الترويج لهذه المفتريات لتأجيج مشاعر الفزع وجمع المشاهدات هو ممارسة تتعارض مع جوهر الرسالة التي جعلت الساعة حدثاً مباغتاً لا يسبقه رصد بشري لمواعيد منسوبة كذباً للوحي، فهي: (لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً) لتقطع كل التوقعات والظنون.

مركزية المنطقة العربية واقتصاديات الفزع

يركز الكثير من صناع المحتوى الديني على ربط الساعة بالمنطقة العربية لسببين نفعيين؛ الأول – كما ذكرنا – هو استغلال الروايات المفتراة التي تحصر الفتن في جغرافيا معينة، والثاني هو استهداف الجمهور العربي الذي يسهل جذبه حين يُشعرونه بأنه في قلب الحدث الكوني.

فهذا المحتوى يزدهر في منطقتنا تحديداً لأن الخوف هو أقوى محرك للمشاهدات، وهؤلاء يحولون القلق الوجودي إلى أرباح مادية، وعناوين مُختلقة مثل خروج الدجال أو اقتراب النهاية تضمن ملايين النقرات التي تتحول إلى ثروات طائلة؛ مستغلين حالة العجز السياسي والعسكري ليوهموا الناس أن الحل ليس بيدنا، إنهم يرسخون نفس المنطق القديم للتهرب من مواجهة الواقع الذي حكاه القرآن على لسان المنهزمين: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران: 154]

وكما لاحظت السائلة، لو حدثت إبادة جماعية في أدغال أفريقيا أو غابات الأمازون، لن يربطها هؤلاء بالنهاية لأنها ببساطة خارج نطاق تغطية جمهورهم واهتماماتهم التجارية وأرباحهم المبنية على تخويف البشر.

إنهم يستغلون حالة الاستضعاف لشرعنة القعود، بينما القرآن يرفض تبرير العجز بالظروف المحيطة، ويُحذر من أن الاستسلام للواقع بحجة الفتن لن يكون عذراً مقبولاً أمام الله تعالى: حين قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ، قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا، فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 97]

فبدلاً من العمل والإنتاج كما يفعل العالم، يتم إغراق الإنسان العربي في دوامة الفزع الرقمي وانتظار المخلص أو الساعة للهروب من استحقاقات المواجهة والإصلاح، وهذا يقع في دائرة الافتراء عليه تعالى متناسين قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: 116]

فهؤلاء يتاجرون بالمشاعر ويحولون المأساة إلى سلعة، مستغلين حالة الإحباط العام لترسيخ فكرة أن القيامة هي المخرج الوحيد، متجاهلين أن واجب الإنسان هو عمارة الأرض وعبادة الخالق حتى اللحظات الأخيرة.

قُرب الساعة وفلسفة النصر والهزيمة

إن الإقرار بقرب الساعة هو جزء من صميم الإيمان، فهي آتية لا محالة كما قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [غافر: 59] وهي بالفعل قريبة كما قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:1] إلا أن هذا القُرب لا يعني تحويل الحروب والصراعات إلى مواعيد قدَرية لا يد لنا فيها؛ فالحروب التي نراها ليست دليلاً على توقيت الساعة، بل هي دليلٌ على ميزان القوة والضعف، وانعكاسٌ لمدى استعداد المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها.

فزوال الحرب وتحقيق النصر لا ينتظر قيام الساعة، بل ينتظر الأخذ بوسائل النصر التي أمرنا تعالى بها من إعداد العدة والثبات في الميدان حين قال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: 60] أما الهزيمة فتقع حين نتولى عن مسؤوليتنا، وليست لأن الساعة قد أزفت؛ فالله تعالى قد حذّر من التولي وجعله سبباً في الاستبدال، لا في إنهاء العالم: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ [محمد: 38]

ولكن ربط كل انكسار عسكري بالساعة هو نوع من التهرب من استحقاقات النصر، فالله جل جلاله لم يربط النصر بظهور دجال مختلق[1] أو مهدي مفترى[2] أو عودة المسيح المزعومة[3]، بل ربطه بإيماننا وعملنا وإعدادنا مصداقًا لقوله: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: 40] فالساعة قائمة بمراد الله تعالى، والنصر قادم بامتثال أمره في السعي والإعداد. وهؤلاء الذين يسارعون بنشر الأباطيل وربطها بنهاية العالم، يقعون تحت طائلة الاستنكار الإلهي لمن ينشر الأخبار والفتن قبل ردِّها إلى أهل العلم والعقل الذين يتخذون من القرآن مرجعا، مصداقًا لقوله: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]، وإن كان النبي قد مات فإن الرسالة ورسولها المتمثل في الكتاب باقِ إلى يوم القيامة.

وختامًا:

إن القيامة، كما يصورها المحكم القرآني، هي حدثٌ غيبي يأتي (بَغْتَةً) ليحسم المظالم ويقيم العدل بين جميع النفوس التي سُويت أمام ميزان رب العالمين وليس رب العرب وحدهم. فهي ليست مادة للتوقعات والتحليلات الرقمية التي تُبث ليل نهار.

وبدلاً من إغراق الناس في دوامات الهلع التي لا تزيد الواقع إلا عجزاً، علينا اتباع المنهج الإلهي الذي يحث على عمارة الأرض والعمل الصالح كاستعداد دائم لا ينتظر مواعيد مجدولة أو إشاعات رقمية؛ فالمؤمن مأمور بالسعي. واليقين بالآخرة هو محرك للبناء لا للقعود، امتثالاً لأمره تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105]

فالتمكين والأمن ليسا مرتبطين بمراقبة الفتن، بل بشرط قاطع وضعه سبحانه للصادقين:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ… وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: 55]

فمن كان يوقن حقاً بلقاء ربه، فلا يغرقنَّ في دوامات الهلع والانتظار السلبي، بل عليه أن يحقق الغاية التي من أجلها خُلق، كما قال عز وجل:

﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]

الباحثة: شيماء أبو زيد

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  انظر موقع حبل الله، الفتوى: الدجال حقيقة أم خرافة

[2]  انظر موقع حبل الله، الفتوى: المهدي المنتظر

[3] انظر موقع حبل الله، المقالة: عقيدة نزول المسيح في آخر الزمان

أضف تعليقا

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.