حبل الله
أيهما يُقدّم على الآخر؛ النّقل أم العقل؟

أيهما يُقدّم على الآخر؛ النّقل أم العقل؟

السؤال:

هل النقل يقدم على العقل أم العكس، مع الأخذ بعين الاعتبار أن العقل أساس التكليف والحساب؟

الجواب:

يمكن عرض مسألة العقل والنقل في الإسلام عرضًا متكاملًا إذا نظرنا إلى ما دلّ عليه القرآن الكريم نفسه؛ فالقرآن يبيّن بوضوح أن العقل أداة للفهم والهداية، وفي الوقت نفسه يؤكد أن الوحي هو المصدر الذي يهدي الإنسان إلى الحق الكامل المتمثل بمراد الله تعالى من الناس. ولهذا فإن العلاقة بينهما علاقة تكامل لا تعارض.

أولًا: مكانة العقل في القرآن

القرآن الكريم يكثر من دعوة الإنسان إلى التفكير والتدبر واستعمال العقل، لأن العقل هو الوسيلة التي يدرك بها الإنسان الحقائق ويميّز بها بين الصواب والخطأ. قال الله تعالى:

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 190]

﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: 22]

كما حثّ القرآن على التدبر في الوحي نفسه فقال:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [محمد: 24]

﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ ‌لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29] 

وفي موضع آخر قال تعالى:

﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 242]

فهذه الآيات تدل على أن العقل أساس الفهم والتكليف، ولذلك لا يُكلَّف الإنسان شرعًا إلا إذا كان عاقلًا قادرًا على الإدراك.

ثانيًا: مكانة الوحي والنص في القرآن

مع تأكيد القرآن على قيمة العقل، فإنه يبيّن أيضًا أن الهداية الكاملة لا تتحقق إلا بالوحي؛ لأن العقل محدود وقد يعجز عن إدراك كثير من الحقائق، خصوصًا أمور الغيب والتشريع. قال الله تعالى:

﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]

وقال سبحانه:

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36]

كما بيّن أن الوحي هو الطريق الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور فقال:

﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم: 1]

ثالثًا: الجمع بين العقل والنقل في فهم الدين

انطلاقًا من هذه النصوص القرآنية يتبين أن العقل هو الأداة التي يفهم بها الإنسان الوحي، بينما الوحي هو الذي يهدي العقل ويصحح مساره. فالعقل يدلّ الإنسان على صدق الرسالة، وبعد أن يثبت ذلك يقبل ما جاء به الوحي من هداية وتشريع. يقول الله تعالى:

﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى ‌يَتَبَيَّنَ ‌لَهُمْ أَنَّهُ (القرآن) الْحَقُّ، أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53] 

ولا يمكن ملاحظة آيات الله تعالى في الأنفس والآفاق إلا بإعمال العقل، وبما أن تلك الآيات المخلوقة دالة على صدق الآيات المنزلة فيتيقن المتفكر أن القرآن كلام الله وليس كلام بشر. فالآية رسمت العلاقة التكاملية بين الآيات الكونية والوحي، ودور العقل في الربط بينهما.

وقد عبّر عن هذا المعنى بوضوح أبو حامد الغزالي، إذ شبّه العلاقة بين العقل والوحي بأن العقل كالبصر والوحي كالنور؛ فالعين لا ترى في الظلام، والنور لا ينفع من لا بصر له، وإنما تحصل الرؤية باجتماعهما.

وكذلك أكد ابن تيمية هذا المعنى، وبيّن أن العقل الصريح لا يمكن أن يتعارض مع النقل الصحيح، لأن مصدرهما واحد وهو الله تعالى.

الخلاصة:

القرآن الكريم يقرر بوضوح أن العقل له مكانة عظيمة في فهم الحقائق والتدبر في الآيات، لكنه في الوقت نفسه يبين أن الوحي هو مصدر الهداية والتشريع. ولهذا فالعلاقة بينهما ليست علاقة صراع، بل علاقة تكامل؛ العقل يفهم الوحي، والوحي يهدي العقل ويرشده إلى الحق الكامل.

أضف تعليقا

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.