السؤال:
هل يجوز الاجتماع مع الأهل في شهر شعبان بنية صلة الرحم واللمة لا بنية التشعبينة؟
الجواب:
إن زيارة اﻷهل والاجتماع هو من صلة اﻷرحام التي دعا الله تعالى إليها في كتابه الكريم
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ النساء (1)
وقد دعا الله تعالى المؤمنين إلى تبادل الزيارات وتلبية دعوات الطعام:
﴿وَلَا عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ… لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا، فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً، كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ النور (61)
ولم تحدد الآية لزيارة أولي الأرحام يومًا وﻻ شهرا، بل تركت اﻷمر للناس حسب ما يناسب معيشتهم وأوقات فراغهم وتوافقهم.
أما بالنسبة عن السؤال عن التجمع في شهر شعبان، وعن علاقة الشهر بالشعبانية التي ابتدعتها بعض الفرق الشيعية حيث يقومون فيه بحشد الجموع لزيارة قبر الحسين بن علي رضضي الله عنهما وتجديد البيعة له، ويقومون الليل بأدعية ومناجاة خاصة بتلك الليلة وهي ليلة النصف من شعبان.
وقد حظي شهر شعبان وتلك الليلة خاصة (النصف من شعبان) بالكثير من الروايات التي تزعم أنها الليلة التي تُرفع فيها اﻷعمال إلى الله تعالى وأنه يُستحب الصيام في هذا الشهر.
والحق أن هذا الكلام ﻻ أصل له في كتاب الله تعالى الذي ذكر الشهور مجملة في قوله:
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ… ﴾ التوبة (36)
ثم أعقبه بقوله:
﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ، زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (37)
واﻵية الكريمة واضحة في حرمة التلاعب بالشهور – وإن كان التلاعب المذكور في اﻵية الكريمة يتحدث عن النسيء في اﻷشهر الحرم بتقديمها وتأخيرها حسب اﻷهواء والرغبات – لكنه في الوقت نفسه فيه إشارة يستنبط منها حرمة التلاعب بالشهور تحت أي مسمى وبدعة كإحداث مناسبات دينية وفرض قدسية ﻷشهر معينة من عند أنفسنا فندعو الناس فيها للصلوات والقيام والمناجاة وتبادل الزيارات والدعوات ثم نفتريها على الله تعالى وعلى رسوله الكريم.
واﻵيات البينات تنفي كل ما قيل عن شهر شعبان:
- فقال تعالى عن رفع الأعمال:
﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُه﴾ فاطر (10)
فلم يقل: (والعمل الصالح يرفعه في شعبان)
- وكذلك لم يذكر شهر شعبان في الحديث عن الصيام في قوله:
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ… فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ البقرة (185)
- وكذلك لم يختص الشهر بالتهجد في قوله:
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ اﻹسراء (79)
فلم يقل (ومن ليل شعبان فتهجد) وإنما يقصد به كل ليل يستطيع المؤمن التهجد فيه سواء أكان في شهر شعبان أم في غيره.
- وبالطبع لن نتحدث هنا عن الصلاة والدعاء عند أصحاب القبور:
﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ الجن (18)
والدعاء لغير الله ﻻ يصح في شعبان وﻻ في غيره.
وهنا ملمح تجدر اﻹشارة إليه: فنحن ﻻ ننكر فضل بعض الشهور واﻷيام، فهناك شهور مباركة تستلزم أعمالاً معينة ويستحب فيها اﻹكثار من النوافل وفعل الخيرات وعمل الصالحات فيكثر فيها الناس من الصلوات والتدبر والقيام واﻻعتكاف ومن اﻷمثلة عليها:
- أشهر الحج التي دعانا تعالى فيها إلى التزود من التقوى وفعل الخيرات في قوله:
﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ، فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ، وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ، وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ، وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ االبقرة (197)
- وشهر رمضان لما له من مكانة عظيمة ونزول القرآن في ليلة القدر:
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ البقرة (185) ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ القدر (3)
- ويوم الجمعة والدعوة إلى صلاة الجماعة والذكر:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ، ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الجمعة ( 9)
وكذلك ﻻ نستطيع أن ننكر على الناس اﻻجتماع بدعوة اﻷهل وأولي اﻷرحام على موائد الطعام في شهر شعبان وﻻ في غيره من الشهور.
ولكن ما نريد قوله أن صلة اﻷرحام ليست مؤقتة بشهر معين تستحب فيه وتكره في غيره، وﻻ ينبغي لنا أن نحصر الزيارات فيها دون بقية السنة اعتقادًا منا أن ثوابها أعظم فهذا تقول على الله تعالى وعلى رسوله الكريم الذي كان يدعو أهله وصحابته للطعام في بيته دون تقييده بشهر معين، كما جاء قوله تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا، فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ الأحزاب (53)
فلم تحدد اﻵية الكريمة أن النبي كان يدعوهم في شهر أو يوم معين.
فمن اﻷفضل للمؤمن أن يتجنب موضع الشبهات فلا يجتمع بأقاربه في شهر شعبان خاصة دون غيره من الشهور؛ لئلا يعتاد ذلك فتألف اﻷجيال القادمة من صغار العائلة أن لهذا الشهر قدسية خاصة (تحت دعوى الشعبانية أو بدعوى رفع اﻷعمال فيه)، أو ﻷن له ميزة عن غيره من الشهور؛ حتى ﻻ نكون ممن قيل فيهم:
﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ آل عمران (78)
وأما إن أراد المؤمن صيام بعض اﻷيام في شعبان أو في غيره من الشهور كنافلة لله تعالى دون أن يجعلها فريضة أو يتقولها على الله تعالى وعلى رسوله فلا حرج عليه:
﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ البقرة (158)
*وللمزيد حول الموضوع ننصح بالاطلاع على المواضيع التالية:
الصيام في النصف الأخير من شعبان
الباحثة: شيماء أبو زيد


أضف تعليقا