السؤال:
يقول الله تعالى:
﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا. مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا. سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ﴾ [الأحزاب: 60-62]
ما المقصود بالمنافقين والمرجفين؟ هل هم مقاتلون أم فقط يبثون الإشاعات ؟ سمعت أحد الشيوخ يحتج بهذه الآية على قتل المرتد المسيء ويقول مجرد الإشاعات أمر الله تعالى بتقتيلهم فكيف هذا؟
أرجو شرح الآية مع كامل حبي واحترامي.
الجواب:
هذا السؤال مهم للغاية لأنه يسلط الضوء على إشكالية متعلقة بتفسير الآية على غير المراد منها. وسأحاول أن أتدبر الآية في ضوء سياقها والمعاني التي قررها القرآن في مواضع متعددة.
أولًا ينبغي التنبيه إلى أن الآية نزلت في سياق متعلق ببناء مجتمع ناشئ مهدَّد من الداخل والخارج، وليس في سياق دعوي عام أو حكم مطلق يُنزّل على كل زمان ومكان بلا قيد.
من هم المنافقون في الآية
المنافقون الذين تتحدث عنهم الآية ليسوا مجرد أصحاب شك داخلي أو ذنب عقدي خفي، بل هم فئة تُظهر الانتماء للمجتمع الإسلامي وتعمل سرًا أو جهرا على تقويضه عبر التحالف مع الأعداء، ونقل الأخبار، وكسر الثقة، وإضعاف الصف الداخلي وقت الخطر. فالقرآن نفسه يربط نفاقهم بالفعل التخريبي لا بمجرد الاعتقاد، كما في قوله تعالى في مواضع عديدة تتحدث عن موالاتهم للأعداء، وتخذيلهم للمؤمنين، وتواطئهم في أوقات الشدة.
من هم المرجفون في المدينة
المرجفون ليسوا مجرد ناقلين لكلام عابر أو إشاعة اجتماعية عادية، بل هم من يتعمدون بث الأخبار المقلقة والمفزعة التي تهدد أمن المجتمع، خاصة في ظرف الحرب، كإشاعة الهزيمة، أو اختراق الصفوف، أو انهيار القيادة. والإرجاف في اللغة هو التحريك العنيف والاضطراب، أي إحداث رجّة نفسية وأمنية مقصودة.
ولهذا قرنهم القرآن بالمنافقين و”الذين في قلوبهم مرض”، لأن فعلهم فعل أمني سياسي خطير لا مجرد اعتقاد قلبي أو خطأ لساني.
هل كانوا مقاتلين أم مجرد ناشري إشاعات
الآية لا تصفهم كمقاتلين بالسلاح، لكنها تصفهم بما هو أخطر في ذلك السياق، وهو العمل الداخلي الهدّام وقت التهديد الوجودي. وهذا النوع من الفعل يُصنّف كعمل عدائي يتطلب إجراء عمليا، وليس مجرد حرية تعبير أو رأي. والآية التالية توضح متى يمكن اعتبار جماعةٍ ما جماعة معادية:
﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة: 9]
فالقيام بأعمال تساعد عدو الأمة على قتال المسلمين أو إخراجهم من ديارهم هو سبب وجيه لاتخاذ إجراء عملي ضد هؤلاء يردعهم وينهي فتنتهم.
هل تدل الآية على قتل كل من يُسيء أو يُشاع عنه الإرجاف
هنا يقع الخطأ الذي أشير إليه في السؤال، وهو خطأ منهجي كبير. فالآية لا تقول إن الله أمر ابتداءً بالقتال، بل تقول: “لَئِن لَّمْ يَنتَهُوا”، أي إن لم يتوقفوا بعد التحذير والإنذار والبيان، واستمروا في التخريب المنظم، عندئذ يقع الانتقال إلى المواجهة الصارمة.
ثم إن تنفيذ هذا الوعيد لا يكون فوضويًا ولا فرديًا، بل ضمن سلطة الدولة والقيادة وبسياق عدلي، لا بيد الأفراد ولا برد فعل انتقامي.
الخلط بين هذه الآية وقتل المرتد أو المسيء
هذه الآية لا تتحدث عن المرتد أصلًا، ولا عن المسيء بالمعنى اللساني أو الفكري، وإنما عن نشاط تخريبي جماعي منظّم يهدد كيان المجتمع وأمنه.
ولهذا لا يمكن فهم الآية على أنها نص يبيح قتل كل مخالف أو ناقد أو ناشر كلام، بل تُقيّد بكونها وردت في سياق دفع العدوان بعد استنفاد وسائل البلاغ، وتحت سلطة شرعية.
فهم الآية على ضوء سنة الله
ربط الآية بسنة الله يوضح المعنى أكثر، فالمجتمعات إذا تساهلت مع الفساد المنظم والخيانة الداخلية في أوقات المصير، فإنها تنهار، وهذه سنة لا تتبدل عبر الأزمنة.
وليس المقصود سن تشريع دائم للقتل، بل بيان قانون اجتماعي أخلاقي لحفظ الكيان العام.
الخلاصة المختصرة
-المنافقون والمرجفون في الآية ليسوا مجرد أصحاب إشاعات فردية، ولا تشمل كل من أساء أو خالف.
-الآية تتحدث عن تخريب أمني منظم في ظرف استثنائي يخدم أهداف العدو.
-لا يصح الاحتجاج بهذه الآية لتبرير قتل المرتد أو المخالف الفكري أو السياسي أو الديني.
-تنزيل الآية خارج سياقها إساءة للقرآن لا نصرة له.
*وللمزيد حول الموضوع ننصح بالاطلاع على فتوى: قتل المنافقين


جزاكم الله خيرا ونفع بكم. لكم كل الاحترام