حبل الله
تفسير الآيات 99-103 من سورة البقرة

تفسير الآيات 99-103 من سورة البقرة

﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة: 99] 

لقد أنزل الله إلى رسوله آياتٍ بيّناتٍ واضحات الدلالة، تكشف الحقّ وتُظهر معالمه، ويبيّن بعضها بعضًا، فتتكامل دلالاتها ويُفهم بعضها في ضوء بعض، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى في وصف آيات الكتاب: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: 7]، وقوله سبحانه: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: 1]. فالقرآن كتابٌ محكم في بنائه، واضح في مقاصده، تتساند آياته في بيان الحقّ وإقامة الحجة على الناس.

ومع وضوح هذه الآيات وقيام الحجة بها، فإن الذين يكفرون بها إنما هم الفاسقون، أي الخارجون عن طاعة الله والحقّ الذي أنزله، إذ لا يقتصر موقفهم على عدم إدراك دلالة الآيات، بل يتجاوز ذلك إلى رفض الحقّ والإعراض عنه بعد ظهوره. ويتضح هذا المعنى في مواضع أخرى من القرآن؛ فقد وصف الله الذين آتاهم الكتاب ثم لم يتبعوه حقّ اتباعه بأنهم لا يؤمنون به، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة: 121]، كما بيّن أن من أهل الكتاب من يؤمن بالقرآن حين يتبيّن له أنه الحقّ، فقال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: 47]. وأكّد أن إنزال الكتاب وإخراج الناس من الظلمات إلى النور من آثار رحمته وهدايته، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الحديد: 9].

وبذلك تربط الآية بين وضوح الوحي ومسؤولية الإنسان تجاهه؛ فبيان الحقّ وإقامة الحجة لا يعنيان أن جميع الناس سيقبلونه، وإنما يكشف موقفهم من الآيات عن مدى استعدادهم للانقياد للحقّ أو الإعراض عنه. وتأتي هذه الآية في سياق الحديث عن مواقف بني إسرائيل من الوحي والرسل، لتؤكد أن وضوح آيات الله لا تدع مبررا للإنكار، وأن الإعراض عن الحقّ بعد بيانه من مظاهر الفسق والخروج عن سبيل الهدى.

﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 100] 

أَوَكلّما قطعوا عهدًا والتزموا بميثاق، نقض فريقٌ منهم ذلك العهد وطرحوه وراء ظهورهم، كأنهم لم يلتزموا به قطّ؟! فالآية تستنكر تكرار هذا السلوك، وتكشف عن خللٍ في موقفهم من المواثيق التي أخذها الله عليهم، إذ لم يكن نقض العهد حادثةً عابرة، بل تكرّر منهم كلما اقتضى الالتزام به أن يؤدّوا ما أُمروا به أو يلتزموا بمقتضيات الوحي. ويُعبَّر عن هذا الإعراض بقوله تعالى: ﴿نَبَذَهُ﴾، أي طرحه وألقاه جانبًا، وهو تصوير يدلّ على الاستخفاف بالعهد وعدم الاعتداد بما يترتّب عليه من مسؤولية.

ويتّضح هذا المعنى في قوله تعالى في شأن أهل الكتاب: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: 187]. فقد أخذ الله عليهم ميثاقًا يقتضي بيان الكتاب للناس وعدم كتمان ما فيه من الحقّ، لكن فريقًا منهم أعرضوا عن هذا الالتزام، وتركوا العمل بمقتضاه، وآثروا عليه منفعةً دنيويةً قليلة. وبذلك تكشف الآية عن صورة من صور نقض الميثاق، تتمثّل في الإعراض عن واجب البيان، وتقديم المصالح الدنيوية على الأمانة التي حمّلهم الله إياها.

ثم تنتقل الآية من وصف هذا السلوك إلى بيان ما يكمن وراءه، فتقول: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. فحرف الإضراب «بل» ينقل الكلام إلى بيان أعمق لحقيقة موقفهم؛ إذ إن تكرار نقض العهود لا ينفصل عن ضعف الإيمان بمقتضيات الوحي، وعدم الالتزام بما يوجبه من تصديقٍ بالحقّ ووفاءٍ بالعهد. والإيمان الذي يعتدّ به ليس مجرد دعوى تُقال، بل يقتضي الصدق في الموقف، والوفاء بالمواثيق، وعدم الإعراض عن الحقّ حين يتبيّن للإنسان.

وهكذا تتصل هذه الآية بما سبقها من قوله تعالى: ﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة: 99]؛ فبعد أن بيّنت الآية السابقة أن الكفر بالآيات البيّنات من مظاهر الفسق والخروج عن الحقّ، تكشف هذه الآية عن مظهر عمليّ من مظاهر ذلك الخروج، وهو نقض العهود والمواثيق. فالإعراض عن آيات الله لا يظهر في رفضها بالقول وحده، بل قد يتجلّى كذلك في تعطيل ما تقتضيه من التزامات، ونقض ما أُخذ على الإنسان من عهود. وبذلك يربط السياق القرآني بين حقيقة الإيمان وصدق الوفاء بالعهد، ويبيّن أن الالتزام بالحقّ لا يتحقق بمجرد الانتساب إلى كتابٍ أو ادّعاء الإيمان به، وإنما يظهر في احترام مقتضياته والوفاء بما يوجبه من مسؤوليات.

﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 101] 

ولمّا جاءهم رسولٌ من عند الله، مصدّقًا لما معهم من الكتاب، أعرض فريقٌ من الذين أوتوا الكتاب عن كتاب الله، وطرحوه وراء ظهورهم، كأنهم لا يعرفون ما فيه من الحقّ، ولا يدركون ما يترتب على الإيمان به من مسؤولية والتزام. فالآية تصوّر موقفًا يتناقض فيه ادّعاء الانتساب إلى الكتاب مع السلوك العملي تجاهه؛ إذ إن هؤلاء لم يقابلوا ما جاءهم به الوحي الجديد بالتصديق والقبول، على الرغم من أنه يصدّق ما لديهم، وإنما قابل بعضهم ذلك بالإعراض والنبذ، وكأن ما جاءهم من قبل لم يعد يعنيهم، أو كأنهم لم يكونوا على علم بما تضمنه كتاب الله من هداية وحقائق.

والمقصود بلفظ «رسول» في هذه الآية، وفقًا لسياق النص، هو القرآن الكريم، باعتباره رسالةً من عند الله جاءت مصدّقةً لما مع أهل الكتاب من الكتاب. ويؤيد هذا الفهم أن الآية نفسها تصف ما نبذوه وراء ظهورهم بأنه ﴿كِتَابَ اللَّهِ﴾، مما يربط بين مجيء الرسول وبين الكتاب الذي أعرضوا عنه. ولفظ «الرسول» في اللغة لا يقتصر على الشخص المكلّف بتبليغ الرسالة، بل يُطلق أيضًا على الرسالة أو الكلام الذي يُرسَل إلى الغير، كما يبيّن الراغب الأصفهاني في كتابه المفردات في غريب القرآن عند حديثه عن مادة «رسل». ومن ثمّ يمكن فهم اللفظ هنا بمعنى الرسالة الإلهية التي وصلت إليهم، وهي القرآن الكريم.

ويُستأنس لهذا الاستعمال بما ورد في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: 81]؛ إذ تتشابه عبارة ﴿رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾ في الآيتين، الأمر الذي يتيح النظر في احتمال ورود لفظ «رسول» بمعنى الرسالة أو الكتاب المنزل، لا بمعنى الشخص المبلّغ وحده. وعلى هذا الفهم، يكون القرآن هو الرسالة الإلهية التي جاءت مصدّقةً لما سبقها من الوحي، وداعيةً إلى الإيمان بالحقّ الذي تضمنته الكتب السابقة.

وهكذا تتصل هذه الآية بما سبقها من الحديث عن نقض العهود والمواثيق في قوله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 100]؛ فبعد أن كشف السياق عن تكرار نقضهم للعهود، يبيّن هنا صورة أخرى من صور الإعراض عن الوحي، تتمثل في نبذ كتاب الله (القرآن) وعدم الالتزام بما يقتضيه التصديق به. كما أن وصف القرآن بأنه مصدّق لما معهم يؤكد وحدة المصدر الإلهي للكتب المنزلة، وأن الإيمان الحقّ يقتضي قبول ما أنزله الله من هداية، وعدم التفريق بين رسالاته حين يتبيّن صدقها وقيام الحجة بها.

﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ، وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ، فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ، وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ، وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 102] 

وبدلا من اتباع الكتاب الأخير المصدق لما معهم، اتّبعوا ما كانت الشياطين تتلوه وتروّجه من افتراءات وأباطيل تتعلق بمُلك سليمان عليه السلام، وتنسب إليه من الأمور ما لم يكن فيه، بقصد النيل من مكانته والتشكيك في استقامته. والمقصود بالشياطين هنا، وفق الدلالة القرآنية، شياطين الإنس والجن؛ أي الذين انحرفوا عن طريق الحق، واتخذوا من الإضلال والصدّ عن سبيل الله نهجًا لهم. فالشيطان ليس وصفًا مقصورًا على الجن، بل يشمل كذلك من البشر من يتصف بالإغواء والإفساد، كما يتضح من قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112]، وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: 6]. ويكشف القرآن عن طبيعة هؤلاء الذين يصدّون عن الحق ويقعدون للناس على طريق الهداية لإضلالهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [الأعراف: 86].

والتعبير القرآني ﴿مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ لا ينبغي أن يُحصر في معنى القراءة المجردة؛ إذ إن التلاوة في أصل دلالتها اللغوية تفيد اتباع شيء لشيء وتعاقبه، ومن هذا المعنى جاء استعمالها في قراءة الكلام بعضه إثر بعض. ويشير الراغب الأصفهاني في المفردات في غريب القرآن إلى هذا الأصل في مادة «تلا». وعلى هذا، يمكن فهم ما كانت الشياطين تتلوه هنا بأنه ما كانت تسرده وتتابع نشره من الأكاذيب والافتراءات المتعلقة بسليمان وملكه، وتنسّق أجزاءه بعضها وراء بعض بأساليب توهم صحتها، حتى تروج بين الناس وتؤثر في تصوراتهم.

ثم يقطع القرآن الطريق على هذه الافتراءات بقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾، فيبرّئ سليمان عليه السلام من الكفر، ويبيّن أن الانحراف والكفر إنما كانا من الشياطين الذين اتخذوا تعليم السحر وسيلة لإضلال الناس وإفساد حياتهم. وتكتسب هذه البراءة أهميتها عند النظر في بعض الروايات الواردة في أسفار الكتاب المقدس، ولا سيما ما جاء في سفر الملوك الأول (11: 31-33)، حيث ترد رواية تنسب إلى سليمان الميل إلى عبادة آلهة أخرى في أواخر حياته، وتربط ذلك بانقسام المملكة وانتقال أجزاء منها إلى غير ابنه. ومن الأسماء الواردة في هذه الرواية عشتورث إلهة الصيدونيين، وكموش إله الموآبيين، ومولك إله بني عمون. ويأتي النص القرآني ليؤكد أن سليمان لم يكفر، وأن ما نُسب إليه من ذلك لا يصح أن يُتخذ أساسًا للحكم عليه.

أما السحر الذي ورد في الآية، فيُفهم في هذا السياق على أنه ضرب من الخداع والتمويه وإظهار الأشياء على غير حقيقتها، واستعمال الحيل للتأثير في تصورات الناس وتضليلهم. وقد جاء بيان حقيقته في قصة موسى مع سحرة فرعون؛ إذ وصف القرآن ما فعلوه بأنه تخييل يخدع الأبصار ويؤثر في إدراك الناظرين، فقال تعالى: ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: 116]، وقال سبحانه في الموضع نفسه: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ﴾ [طه: 66]. كما بيّن القرآن أن السحر لا يغيّر الحقائق ولا يحقق أثرًا مستقلًا عن مشيئة الله، فقال على لسان موسى عليه السلام: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: 81].

وفي هذا الإطار يأتي قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾، وهو موضع يرتبط تفسيره ارتباطًا وثيقًا بقراءة كلمة «الملكين» وفهم طبيعة ما جرى لهاروت وماروت. فالقراءة المشهورة في المصاحف المتداولة هي «الْمَلَكَيْنِ»، بفتح اللام، أي اثنين من الملائكة، غير أن هناك قراءة أخرى، هي «الْمَلِكَيْنِ»، بكسر اللام، أي اثنين من الملوك أو الحاكمين. وقد نُسبت هذه القراءة إلى عبد الله بن عباس، وابن أبزى، والضحاك، والحسن البصري، كما أورد القرطبي ذلك في تفسيره.

ولفظ «المَلِك» يُطلق على صاحب السلطة والحكم، ومن يتولى تدبير شؤون الناس، كما يذكر الراغب الأصفهاني في المفردات في مادة «ملك». وبناءً على هذه القراءة، يُفهم أن هاروت وماروت كانا حاكمين في بابل، ثم تعرّضا لمكائد وحيل أفضت إلى إبعادهما عن السلطة، وأن ما ارتبط باسميهما كان متعلقًا ببيان تلك الحيل والأساليب التي استُعملت للإيقاع بهما. وعلى هذا التأويل، لا يكون الحديث عن ملَكين من الملائكة يعلّمان الناس السحر، وإنما عن رجلين تولّيا الحكم ثم وقعا ضحية مكائد أُريد بها إفساد أمرهما وإسقاطهما من منصبيهما.

ويُربط هذا الفهم كذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الحجر: 8]، وبما تقرره آيات قصة موسى من أن السحر قائم على التخييل والتمويه والباطل، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ﴾ [طه: 69]. ووفق هذا التوجيه، فإن نسبة تعليم السحر إلى الملائكة تثير إشكالًا في فهم طبيعة ما أُنزل عليهما، ولذلك نرجح قراءة «الملِكين» بمعنى الحاكمين، ونربطها بسياق المكائد التي تعرّضا لها.

ويحتمل التعبير القرآني ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾، الإشارة إلى ما حلّ بهذين الحاكمين من بلاء ومحنة؛ إذ إن الفعل «نزل» لا يقتصر في الاستعمال العربي على نزول الوحي أو الانتقال من أعلى إلى أسفل، بل يُستعمل كذلك في حلول المكروه ونزول البلاء بالإنسان، كما يذكر المعجم الوسيط في مادة «نزل». ومن ثمّ يُقرأ الكلام على أنه يتناول ما وقع لهاروت وماروت من محنة في بابل، وما ارتبط بها من مكائد وأساليب أفضت إلى إبعادهما عن الحكم.

ثم يبيّن القرآن موقف هذين الرجلين من تعليم الناس ما تحصلاه من خبرة أو معرفة، فيقول: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. أي إنهما لا يقدّمان ما عندهما لأحد دون أن ينبّهاه أولًا إلى حقيقة ما يتعلمه، ويحذّراه من أن يحوّل المعرفة إلى وسيلة للفساد والإضرار بالآخرين. فهما يصرّحان بأن ما يبيّنانه للناس ابتلاء واختبار، وأن على من يتلقاه ألا يستعمله في الكفر أو الإفساد. وهذا التحذير يمثل عنصرًا أساسيًا في فهم سياق الآية؛ إذ يفرّق بين معرفة الحيل والأساليب التي يمكن أن تُستعمل في الخير أو الشر، وبين توظيفها عمدًا في الإضرار بالناس.

والفتنة في أصل معناها اللغوي تدور حول الاختبار والامتحان، وقد استُعملت في هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ ‌فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ ﴾ [طه: 85]  ، كما استُعملت في سياقات أخرى للدلالة على الإضلال والخداع، أو القتال، أو العذاب، بحسب ما يقتضيه المقام. وأصل هذا الاستعمال مرتبط بفتن الذهب بالنار، أي تعريضه لها لتمييز خالصه من شوائبه، كما يذكر الراغب الأصفهاني في المفردات. وفي هذه الآية، يتجه معنى الفتنة إلى الابتلاء العظيم الذي يكشف حقيقة موقف الإنسان من المعرفة التي يتلقاها: هل يستعملها في الإصلاح، أم يتخذها وسيلة للإفساد؟ ولذلك جاء التحذير صريحًا: ﴿فَلَا تَكْفُرْ﴾.

ومع هذا التحذير، لم ينتفع جميع من تلقوا تلك المعارف بالتنبيه الذي وُجّه إليهم، بل اتخذ بعضهم منها وسيلة للإضرار بالآخرين، فقال تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾. فبدلًا من أن يعتبروا بما وقع لهاروت وماروت، ويتجنبوا استعمال الحيل التي أدت إلى الإفساد والتفريق، سعوا إلى اكتساب تلك الأساليب وتوظيفها في تخريب العلاقات الإنسانية، حتى بلغت آثارها التفريق بين الزوج وزوجه، بما في ذلك إفساد رابطة الزواج التي تقوم على المودة والرحمة والتعاون. وهكذا يكشف السياق عن انتقال المعرفة من مجال التحذير والاعتبار إلى مجال الاستغلال المتعمد في الإفساد.

ويتصل بهذا المعنى ما ورد في سورة الفلق من الاستعاذة بالله من شرّ ﴿النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: 4]؛ وهم النفوس الخبيثة التي تمارس أساليب متتابعة من القول والحيل لإفساد الروابط والعلاقات بين الناس، والتأثير فيهم بما يؤدي إلى التفريق والتنازع. وعلى هذا الفهم، لا ينفصل ذكر النفث في العقد عن السياق العام الذي يذم استعمال الوسائل الخفية والحيل في الإضرار بالآخرين.

ثم يقرر القرآن قاعدة حاسمة في بيان حدود تأثير تلك الممارسات، فيقول: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾؛ أي إن الذين يتعلمون هذه الأساليب ويستعملونها لا يملكون قدرة مستقلة على إلحاق الضرر بالناس، ولا يستطيعون أن يجعلوا ما يتعلمونه مؤثرًا بذاته خارج سلطان الله ومشيئته. فكل ما يقع في هذا الكون داخل في علم الله وتقديره، ولا يملك أحد أن يستقل عن الله بإحداث أثر أو تحقيق ضرر. وهذه الآية تقطع الطريق على الاعتقاد بأن للسحر أو لأصحابه قدرة ذاتية مطلقة، وتردّ الأمر كله إلى سلطان الله الذي لا يخرج عنه شيء.

ومع ذلك، فإن هؤلاء يواصلون تعلّم ما يضرهم ولا ينفعهم، كما يقول تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾؛ فهم ينفقون جهدهم في اكتساب معارف لا تحقق لهم صلاحًا حقيقيًا، بل تجرّ عليهم الضرر في دينهم ودنياهم، لما يترتب على استعمالها من فساد وظلم وإفساد للعلاقات بين الناس. ولا يقتصر الضرر هنا على النتائج الاجتماعية المترتبة على أفعالهم، بل يشمل كذلك عاقبتهم الأخروية، لأنهم اختاروا طريق الإفساد مع علمهم بما يقتضيه الحق من اجتناب ذلك.

ولهذا يعقّب القرآن بقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾، أي إنهم كانوا يعلمون أن من اختار هذه الممارسات، وآثرها على هداية الله وكتابه، فلن يكون له في الآخرة نصيب من الخير والثواب. ويأتي هذا المعنى امتدادًا لما سبق في الآيات من الحديث عن نبذ كتاب الله وراء الظهور؛ فشراء هذه المعارف واستعمالها في الإفساد صورة أخرى من صور الإعراض عن الوحي، وتقديم ما يضر الإنسان على ما ينفعه. ويعبّر القرآن عن هذا الاختيار بلفظ الشراء، لأن صاحبه يستبدل بما عند الله من هدى وخير أمرًا زائلًا لا يجلب له إلا الخسران.

وتُختتم الآية بالتوبيخ على هذا الاختيار بقوله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾؛ فقد باعوا أنفسهم وخسروا حظها من الخير حين استبدلوا الهداية بالضلال، والعلم النافع بالمعارف التي تُستعمل في الإفساد، ورضوا لأنفسهم طريقًا يعلمون أن عاقبته الحرمان من نصيب الآخرة. ولو أدركوا حقيقة ما اختاروه، وما يترتب عليه من عواقب، لما أقدموا على هذه المبادلة الخاسرة.

وهكذا تأتي الآية في سياق الحديث عن موقف أهل الكتاب من الوحي؛ فبعد أن كشفت الآيات السابقة عن نبذهم كتاب الله ونقضهم العهود والمواثيق، تنتقل إلى بيان جانب آخر من مظاهر الانحراف، يتمثل في اتباع ما روّجته الشياطين من افتراءات حول سليمان عليه السلام، وفي تعلّم أساليب السحر والحيل وتوظيفها في الإفساد. ويجمع بين هذه المواقف جميعًا الإعراض عن هداية الله، واستبدال الحق بالباطل، وتسخير ما ينبغي أن يكون وسيلة للمعرفة والإصلاح في خدمة التضليل والإضرار بالناس.

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 103] 

لو أن هؤلاء، أي فريقًا من أهل الكتاب الذين تناول السياق القرآني مواقفهم، آمنوا بالقرآن الكريم، وصدّقوا ما جاء به من الحقّ الذي يؤكد أصول الوحي الذي بين أيديهم، واتّقوا الله بالالتزام بأوامره واجتناب ما نهوا عنه من الانحرافات والممارسات الباطلة، لكان الثواب والجزاء الذي ينالونه من عند الله خيرًا لهم مما اختاروه لأنفسهم من اتباع الأباطيل والانشغال بما يضرّهم ولا ينفعهم. فالإيمان الحقّ لا يقتصر على الانتساب إلى كتاب منزل أو الادّعاء بتصديقه، وإنما يقتضي قبول الحقّ متى تبيّن، والعمل بمقتضياته، والوفاء بما يوجبه من مسؤوليات.

ويؤكد هذا المعنى ما جاء في سورة المائدة، حيث يقول تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [المائدة: 65]. فالآية تبيّن أن الإيمان والتقوى يفتحان للإنسان باب المغفرة والرحمة والنعيم، وأن الانتساب إلى الكتب السماوية لا يغني عن الإيمان والعمل الصالح، بل العبرة بما يحمله الإنسان من تصديق صادق والتزام عملي بهداية الله.

وتختم الآية بقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾، في إشارة إلى أنهم لو أدركوا حقيقة المفاضلة بين ما اختاروه لأنفسهم من الباطل، وبين ما أعدّه الله لهم من الثواب على الإيمان والتقوى، لما آثروا الخسران على الخير، ولا استبدلوا الهداية بما لا يعود عليهم إلا بالضرر. فالجزاء الذي يأتي من عند الله خير من كل منفعة زائلة، وأبقى من كل مكسب دنيوي، غير أن إدراك هذه الحقيقة يقتضي معرفةً واعيةً تقود إلى الإيمان والعمل بمقتضاه.

وبذلك تختتم الآية هذا المقطع من سورة البقرة بإعادة توجيه الخطاب إلى أصل القضية: أن النجاة والفوز لا يتحققان بمجرد الانتساب إلى الوحي أو ادّعاء الإيمان به، وإنما يتحققان بالتصديق الصادق والتقوى والالتزام بالحقّ، وهو المعيار الذي يجمع بين جميع الرسالات الإلهية.

أضف تعليقا

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.