﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 93]
يذكّر الله بني إسرائيل بالميثاق الذي أخذه عليهم، حين رفع فوقهم جبل الطور، وأمرهم أن يأخذوا ما آتاهم من الكتاب بقوة، أي بجدّ وعزم، وأن يسمعوا ما جاء فيه، فيعوه ويلتزموا بما تضمنه من هدى وأحكام. وقد جاء بيان هذا الحدث في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 171]. فرفع الجبل فوقهم كان في سياق أخذ الميثاق عليهم، وتأكيد ضرورة التمسّك بالكتاب وتذكّر ما اشتمل عليه، ليكونوا على تقوى من الله.
وقد أعلنوا استجابتهم بقولهم: ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾، وجمهور المفسرين يفهمون لفظ ﴿وَعَصَيْنَا﴾ على معناه المعروف، أي المخالفة وعدم الامتثال. لكن ليس من المنطقي أن يجهروا بالمخالفة والعصيان والجبل يظللهم كالغمام، ولذلك نرى أن عصينا هنا لا تُحمل على معنى المخالفة والعصيان، بل ينبغي ربطها بأصل لغوي يُفيد التمسّك والاعتصام، كمن يتمسّك بالعصا ويعتصم بها؛ ومن ثمّ يكون المعنى: سمعنا وتمسّكنا[1].
غير أن ما كشفته مواقفهم اللاحقة يناقض ما أعلنوه من السماع والالتزام؛ فقد تغلغل حبّ العجل في قلوبهم، حتى عبّر القرآن عن ذلك بقوله: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾، أي تمكّن حبّه والتعلّق به من نفوسهم بسبب كفرهم. ويعيد هذا التعبير إلى الأذهان ما سبق ذكره من اتخاذهم العجل في غياب موسى، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ [البقرة: 51]. فالسياق يربط بين اتخاذ العجل في الماضي واستمرار آثاره في القلوب، ليكشف أن الانحراف لم يكن مجرد فعل عابر، بل ارتبط بموقفهم من الحق تجلّى في الإعراض عن هدي الله وعدم الوفاء بميثاقه.
ويظهر في سياق الآية أيضًا الالتفات البلاغي، وهو الانتقال من صيغة تعبيرية إلى أخرى لغرض يقتضيه المقام، كالتنبيه والتوبيخ والتحذير واستثارة انتباه المخاطب بعد أن يغفل عن حقيقة موقفه. فالخطاب ينتقل من تذكير بني إسرائيل بما وقع منهم إلى توجيه الأمر إلى النبي ﷺ بقوله: ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وفي هذا الانتقال مواجهة صريحة لهم بما ينطوي عليه موقفهم من تناقض. فالآية لا تكتفي بتذكيرهم بميثاقهم السابق، بل تجعل سلوكهم نفسه دليلًا على بطلان دعواهم؛ إذ كيف يصحّ ادّعاء الإيمان مع التعلّق بما يناقض مقتضياته، والإعراض عمّا أُمروا به من التمسّك بالكتاب؟
ومن هنا يأتي ختام الآية في صورة توبيخ يكشف التناقض بين دعوى الإيمان وحقيقة العمل: فما أسوأ ما يأمركم به إيمانكم، إن كنتم صادقين في دعوى الإيمان! إذ لا يستقيم أن يكون الإيمان بالله دافعًا إلى ما يخالف أمره، أو أن يُتخذ ذريعة لتبرير الانحراف عن الحق. وبذلك تتصل هذه الآية بما سبقها من كشف موقف بني إسرائيل من الوحي والميثاق، وتمهّد لما يليها من آيات تواصل محاجّتهم، وتختبر صدق دعاواهم من خلال مواقفهم الفعلية، لا بمجرد ما يعلنونه بألسنتهم.
﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 94]
قل لهم: إن كانت الدار الآخرة، بما فيها من النعيم والكرامة، خالصةً لكم وحدكم عند الله، دون سائر الناس، كما تزعمون، وكنتم صادقين في دعواكم هذه، فتمنّوا الموت؛ إذ يكون لكم سبيلًا إلى ما تدّعون اختصاصكم به من نعيم الآخرة وكرامتها.
وتأتي هذه الآية امتدادًا لمحاجّة بني إسرائيل وكشف ما ينطوي عليه ادّعاؤهم من تناقض؛ فقد زعموا لأنفسهم منزلةً خاصةً عند الله، واختصاصًا بالكرامة والنجاة الأخروية دون غيرهم، فجاءهم الخطاب مطالبًا إياهم بإظهار صدق دعواهم. فمن يعتقد أنه من أهل النجاة، وأن الدار الآخرة خالصة له عند الله دون سائر الناس، يُواجَه بسؤال يكشف حقيقة هذا الاعتقاد ومدى انسجامه مع موقفه من الموت.
ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجمعة: 6]، إذ يتكرر التحدّي نفسه في سياق الردّ على دعوى الاختصاص بالقرب من الله والولاية له دون سائر الناس. فالآيتان تكشفان أن الانتساب إلى جماعة دينية، أو ادّعاء منزلة خاصة عند الله، لا يكفي وحده لإثبات النجاة الأخروية، وإنما العبرة بصدق الإيمان وموافقته للحق والعمل الصالح.
ولا يراد بهذا الخطاب أن الخوف من الموت في ذاته دليل قاطع على فساد الإيمان؛ فالإنسان قد يكره الموت بطبيعته، وإنما تقوم الحجة هنا على التناقض بين دعوى الاختصاص بالنعيم الأخروي على وجه اليقين وبين ما يكشفه موقف أصحاب هذه الدعوى عن حقيقة اعتقادهم. فالآية تلزمهم بمقتضى ما يزعمون، وتبيّن أن الدعوى التي لا يستطيع صاحبها الثبات على لوازمها لا تصلح دليلًا على صدقها.
وبذلك تنتقل الآية من تقرير ما يدّعيه بنو إسرائيل لأنفسهم إلى امتحان هذه الدعوى وكشف ما فيها من تناقض، تمهيدًا لما يأتي بعدها من بيان موقفهم من الموت وعلم الله بما قدّمته أيديهم.
﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 95]
لن يتمنّوا الموت أبدًا، بسبب ما قدّموه من أعمال وما اقترفوه من ظلم ومخالفة للحق، مما يجعلهم غير مطمئنّين إلى ما ينتظرهم في الآخرة. والله عليم بالظالمين، لا تخفى عليه أعمالهم ولا حقيقة مواقفهم، وهو محيط بما ارتكبوه وما يستحقونه من حساب.
وتأتي هذه الآية استكمالًا للحجّة التي أقامتها الآية السابقة؛ فبعد أن تحدّاهم القرآن أن يتمنّوا الموت إن كانوا صادقين في زعمهم أن الدار الآخرة خالصة لهم عند الله دون سائر الناس، جاء البيان بأنهم لن يقدموا على ذلك أبدًا. والسبب هو ما قدّمت أيديهم، أي ما اكتسبوه من أعمال وما اقترفوه من مخالفات، إذ إن الإنسان الذي يعلم ما أسلف من ظلم وانحراف عن الحق لا يكون مطمئنًّا بالضرورة إلى ما ينتظره بعد الموت، ولا سيما حين يدّعي لنفسه منزلةً أخروية خاصة لا تنسجم مع حقيقة أعماله.
ويكشف التعبير القرآني ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ عن مسؤولية الإنسان عمّا اكتسبه؛ فالأعمال التي تصدر عنه لا تُنسى، بل تُحفظ ليواجه عاقبتها. ثم يأتي قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ ليؤكد أن الحجة لا تتوقف على ما يظهرونه بألسنتهم أو يخفونه في صدورهم، لأن الله يعلم حقيقة أعمالهم ومواقفهم، ولا تنطلي عليه دعاواهم. ووصفهم بالظالمين يربط موقفهم بما سبق من بيان انحرافهم عن الحق، ويؤكد أن الله يحكم عليهم بعلمه، لا بمجرد ادّعائهم لأنفسهم الفضل والاختصاص.
وهكذا يتكامل معنى الآيتين: فالآية السابقة تكشف تناقض دعواهم وتطالبهم بما يثبت صدقها، وهذه الآية تبيّن أن أعمالهم هي التي تحول بينهم وبين الاستجابة لهذا التحدّي؛ لتقرر أن النجاة الأخروية لا تثبت بمجرد الانتساب أو الادّعاء، وإنما ترتبط بحقيقة الإيمان والعمل، وأن الله وحده العليم بما قدّمه الإنسان وبما يستحقه من جزاء.
﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 96]
ولَتجدنّهم أشدّ الناس حرصًا على الحياة، بل أشدّ حرصًا عليها من الذين أشركوا بالله. يتمنّى الواحد منهم لو يُمدّ في عمره حتى يبلغ ألف سنة، غير أنّ طول العمر، مهما امتدّ، لن يُبعده عن العذاب ولن يخلّصه من عاقبة أعماله. والله بصير بما يعملون، لا يخفى عليه شيء من أفعالهم، وهو مطّلع على حقيقتها وما يترتّب عليها من عواقب.
وتأتي هذه الآية استكمالًا لما سبق من بيان التناقض بين ادّعاء بني إسرائيل اختصاصهم بالدار الآخرة وبين امتناعهم عن تمنّي الموت؛ فبعد أن بيّنت الآية السابقة أنّ ما قدّمت أيديهم من أعمال يمنعهم من الإقدام على هذا التحدّي، تكشف هذه الآية عن شدّة تعلّقهم بالحياة الدنيا وحرصهم على البقاء فيها. ويبلغ هذا الحرص حدًّا يتمنّى معه الواحد منهم أن يُعمَّر ألف سنة، وهو تعبير يدلّ على المبالغة في الرغبة في امتداد الحياة، لا على أنّ الألف سنة هي العمر الذي يطلبه كل واحد منهم حرفيًّا.
ثم يقرّر القرآن حقيقةً لا يغيّرها طول العمر، فيقول: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾؛ أي إنّ تعميره وإطالة أجله لن يبعداه عن العذاب إذا استحقّه بأعماله. فليست كثرة السنين في ذاتها ضمانًا للنجاة، كما أنّ امتداد العمر لا يمحو ما اقترفه الإنسان ولا يعفيه من تبعات أفعاله. وإنما تتعلّق العبرة بما يختاره الإنسان في حياته، وبما يقدّمه من عمل، وبموقفه من الحق الذي تبيّن له.
وتُختتم الآية بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾، لتؤكد أنّ حقيقة الموقف لا تُقاس بطول العمر ولا بكثرة الادّعاءات، بل إنّ الله مطّلع على أعمالهم، يعلم ما يصدر عنهم وما تنطوي عليه مواقفهم من حقّ أو انحراف. وبذلك تكتمل الحجة في هذا السياق: فالانتساب إلى جماعة دينية، وادّعاء الاختصاص بالنجاة، والتمنّي بطول الحياة، لا يغيّر شيئًا من حقيقة الحساب؛ إذ لا يقي الإنسان من عاقبة عمله إلا ما يقدّمه من إيمان صادق وعمل صالح.
﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 97]
قل لهم: من كان عدوًّا لجبريل، فليعلم أنّ جبريل هو الذي نزّل القرآن على قلبك بإذن الله وأمره، مصدّقًا لما سبقه من الكتب الإلهية من الحق والهدى، وهاديًا إلى الصراط المستقيم، وبشارةً للمؤمنين بما أعدّ الله لهم من رضوانه وثوابه.
فالقرآن لم ينزل من تلقاء جبريل، ولا بمشيئته المستقلّة، وإنما أدّى جبريل مهمة تبليغه بأمر الله وإذنه، إذ اصطفاه الله لحمل وحيه إلى رسوله. وقد عبّر القرآن عن نزوله على قلب النبي ﷺ، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ . نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ . عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: 192–194]. وهذا يبيّن أن القرآن وحيٌ من رب العالمين، وأن جبريل هو الرسول المكلّف بتبليغه إلى النبي، وأن نزوله كان بإذن الله وتحت أمره، لا استقلالًا عن مشيئته.
وأما قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، فمعناه أن القرآن يصدّق ما سبقه من الوحي والكتب الإلهية من حيث إن مصدرها هو الله، وما اشتملت عليه من الحق والهدى. ولا يلزم من ذلك تصديق كل ما نُسب إلى تلك الكتب أو كل ما وصل إلينا منها؛ بل يُفهم هذا التصديق في ضوء ما يقرّره القرآن من الحق، وما يبيّنه من أصول الوحي الإلهي. وهكذا يجمع القرآن بين تأكيد الصلة بما أنزله الله على رسله من قبل، وكونه هدايةً يُرجع إليها في تمييز الحق من الباطل.
ويؤكد وصف القرآن بأنه ﴿هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أن أثره لا يقتصر على تصديق الوحي السابق، بل يتجاوز ذلك إلى هداية من يؤمن به إلى الحق، وبشارته بما يناله من رضوان الله وثوابه. فالهداية بيانٌ للطريق الحق، والبشرى تطمينٌ للمؤمنين بما وعدهم الله به؛ وبذلك يجمع القرآن بين إظهار الحق والدلالة عليه، والتبشير بعاقبة الإيمان والعمل الصالح.
وفي هذا السياق، تُظهر الآية أن الاعتراض على جبريل بسبب حمله الوحي لا يغيّر شيئًا من حقيقة الرسالة؛ فهو رسول مكلّف من الله، والقرآن الذي بلّغه تنزيلٌ من عند الله، لا رسالة من اختياره الشخصي. ومن ثمّ، فإن اتخاذ حامل الوحي عدوًّا لا يصلح حجةً لرفض الوحي نفسه، لأن موقف الإنسان من الرسالة ينبغي أن يُبنى على حقيقتها ومضمونها، لا على العداوة لمن تولّى تبليغها.
وهكذا تربط الآية بين مصدر القرآن، وأمانة تبليغه، ومضمونه الذي يصدّق الحق السابق ويهدي المؤمنين ويبشّرهم. وهي تمهّد للآية التالية التي تؤكد أن العداوة لجبريل لا تنفصل عن العداوة لله وملائكته ورسله، لأن الرسل والملائكة يؤدّون ما كلّفهم الله به، ولا يخرجون عن أمره وإذنه.
﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 98]
من كان عدوًّا لله وملائكته ورسله، ولجبريل وميكال، فليعلم أن عداوته لهم بسبب ما يؤدّونه من أمر الله لا تغيّر شيئًا من حقيقة رسالتهم، وأن الله يعامل الكافرين الذين يجحدون الحق ويرفضون وحيه بما يستحقونه من جزاء.
وتأتي هذه الآية استكمالًا للردّ على الذين اتخذوا جبريل عدوًّا بسبب نزوله بالوحي على النبي محمد ﷺ؛ إذ تبيّن أن معاداة جبريل ليست موقفًا منفصلًا عن الموقف من الله ورسله، فهو مَلَكٌ يؤدّي ما كلّفه الله به، ومن ذلك تبليغ الوحي إلى رسله. ولذلك فإن الاعتراض عليه لمجرد حمله رسالة الله ينطوي، في سياق الآيات، على رفض ما أنزله الله وأذن بتبليغه. وقد سبق أن أشار القرآن إلى أن بعض أهل الكتاب رفضوا القرآن مع أنه جاء مصدّقًا لما معهم من الحق، فقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ [البقرة: 89]، ثم بيّن أن من دوافع هذا الرفض البغي والحسد، كما في قوله تعالى: ﴿بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [البقرة: 90].
وقد خصّت الآية جبريل وميكال بالذكر بعد ذكر الملائكة عمومًا، لما يتصل بسياق الخطاب من اتخاذ بعضهم جبريل عدوًّا، وورود اسم ميكال معه في هذا الموقف. ويَرِد اسماهما في القرآن ضمن الحديث عن الملائكة، كما ترد أسماء أو إشارات إلى شخصيات ملائكية في نصوص دينية أخرى[2].
ويرتبط هذا الموقف، في سياق الآيات السابقة، برفض نزول القرآن على محمد ﷺ، مع أنه ليس من الجماعة التي كان بعض المخاطَبين ينتسبون إليها، وما قد يصاحب ذلك من حسد أو رغبة في اختصاص جماعة بعينها بالوحي والفضل. ومع ذلك، ينبغي عدم تعميم هذا الموقف على اليهود جميعًا؛ فالآيات تعالج موقفًا محدّدًا في سياق المحاجّة، ولا يصحّ أن تُحمَّل على كل فرد أو جماعة دون تمييز.
ويؤكّد قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ أن القضية تتجاوز العداوة لمَلَك بعينه إلى الموقف من الحق الذي جاء به الوحي. فالإيمان بالله يقتضي الإقرار بوحيه وبالرسل والملائكة الذين يؤدّون ما كلّفهم به، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: 136]. ولا يصحّ أن يكون قبول الوحي تابعًا للأهواء أو مشروطًا بأن يأتي على الصورة التي يختارها المتلقّي، بل المعتبر هو الحق الذي جاء به ومصدره الإلهي.
ومن المهم التمييز بين العداوة القائمة على جحود الحق ورفضه بعد تبيّنه، وبين السؤال أو البحث عن الحقيقة بقصد الفهم؛ فالآية تتحدث عن موقف من الكفر والجحود، ولا تجعل مجرّد الاستفسار أو طلب الدليل عداوةً لله أو لملائكته.
وهكذا تترابط هذه الآية مع ما سبقها: فقد بيّنت الآية 97 أن القرآن نزل على قلب النبي ﷺ بإذن الله، مصدّقًا لما سبقه من الحق وهدًى وبشرى للمؤمنين، ثم قررت الآية 98 أن معاداة المَلَك الذي بلّغ الوحي لا تغيّر مصدر الرسالة ولا حقيقة مضمونها. فالعبرة ليست بهوية حامل الوحي وفق أهواء المتلقّين، وإنما بكون الرسالة من عند الله وبما تدعو إليه من الحق والهدى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] نستند في هذا الفهم إلى ما أورده لسان العرب من دلالات تتصل بالعصا والتمسّك بها، كما يستأنس له بما ورد في سفر الخروج (24: 3–7)، حيث يعلن بنو إسرائيل استعدادهم لسماع كلام الرب والعمل به.
[2] ورد ذكر جبريل في سفر دانيال (9: 21–23) وإنجيل لوقا (1: 19)، وورد ميكائيل في سفر دانيال (10: 13، 21؛ 12: 1)، ورسالة يهوذا (1: 9)، وسفر الرؤيا (12: 7). غير أن تفاصيل وصف الملائكة وأدوارهم تختلف بين النصوص، ولذلك ينبغي مراعاة سياق كل نص عند المقارنة، وعدم افتراض التطابق التام بين التصورات الواردة فيها.


أضف تعليقا