حبل الله
الكبائر والفواحش في لغة القرآن الكريم

الكبائر والفواحش في لغة القرآن الكريم

السؤال:

ماهي كبائر الإثم التي نهانا عنها القرآن وما هي الفواحش ؟

الجواب:

جاء القرآن الكريم ببيان جملة من الذنوب والمعاصي، وميّز بينها من حيث عِظَمها وقبحها وشدة الوعيد المترتب عليها. ومن الألفاظ القرآنية التي تتصل بهذا الباب: الإثم، وكبائر الإثم، والفواحش، والكبائر. وهذه الألفاظ وإن كانت متقاربة في الدلالة على المعصية، فإن بينها فروقًا معتبرة ينبغي مراعاتها عند تفسير النصوص الشرعية.

أولًا: مفهوم كبائر الإثم

أثبت القرآن الكريم وجود الذنوب الكبيرة، فقال تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: 31].

فالآية تدل على أن المنهيات ليست في مرتبة واحدة، بل منها كبائر ومنها ما دونها من السيئات. ولم يذكر القرآن في هذه الآية تعدادًا حصريًا للكبائر، وإنما أحال إلى ما نهى الله عنه، وميّز منه ما كان كبيرًا عظيمًا.

ويؤكد ذلك قوله تعالى في وصف عباده المؤمنين: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: 32].

وقد عطف الله تعالى الفواحش على كبائر الإثم، مما يدل على وجود تغاير في أصل الدلالة بين اللفظين، وإن كانت الفواحش داخلة في جملة الذنوب العظيمة من حيث قبحها وشدة خطرها.

ثانيًا: مفهوم الفاحشة والفواحش

الفاحشة في الاستعمال القرآني هي المعصية التي بلغ قبحها وفظاعتها حدًّا شديدًا. وقد استعمل القرآن هذا اللفظ في مواضع متعددة، ولم يحصره في نوع واحد من المعاصي.

ومن أوضح ما سمّاه القرآن فاحشة الزنا، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32].

فالنص صريح في وصف الزنا بأنه فاحشة، كما أن القرآن نهى عن مجرد الاقتراب منه، فقال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾، وهو أبلغ من مجرد النهي عن الفعل نفسه، إذ يشمل النهي عن الوسائل والطرق المفضية إليه.

ومن الفواحش التي نص عليها القرآن كذلك فعل قوم لوط، قال تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 80].

وقال سبحانه: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [النمل: 54].

كما جاء النهي العام عن الفواحش، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: 33].

وهذه الآية من الأصول المهمة في هذا الباب؛ إذ فرّقت بين الفواحش والإثم والبغي بغير الحق، مما يدل على أن الفاحشة ليست مرادفة لكل إثم، كما أن كل كبيرة من الكبائر لا يلزم أن يطلق عليها في القرآن وصف الفاحشة.

ثالثًا: بعض الذنوب التي دل القرآن على عِظَمها

من أعظم الذنوب التي جاء القرآن بتغليظ شأنها الشرك بالله تعالى، قال سبحانه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: 48].

وهذا الوعيد متعلق بمن لقي الله على الشرك دون توبة، أما من تاب قبل موته فإن باب التوبة والمغفرة مفتوح له.

ومن أعظم الذنوب كذلك قتل النفس بغير حق، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: 151].

وقال سبحانه في قتل المؤمن عمدًا: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93].

ومن الذنوب العظيمة كذلك أكل أموال اليتامى ظلمًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10].

ومنها الربا، وقد جاء فيه من أشد الوعيد ما لم يأتِ في كثير من المعاملات، قال تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: 278–279].

ومنها قذف المحصنات المؤمنات، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 23].

كما نهى الله تعالى عن أكل أموال الناس بالباطل، فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188].

رابعًا: الإثم الكبير

ومن الألفاظ التي استعملها القرآن للدلالة على عِظَم الذنب قوله تعالى في الخمر والميسر: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219].

فالآية تصف ما فيهما بأنه إثم كبير، ثم تقرر أن إثمهما أكبر من نفعهما، وهو من الأدلة القرآنية المهمة على أن وصف الذنب بـ«الكبير» يدل على عظم خطره وشدة مفسدته.

خامسًا: هل الكبائر محصورة في عدد معين؟

لا يظهر من القرآن الكريم أنه وضع قائمة عددية حاصرة لجميع الكبائر؛ فلم يقل إن الكبائر سبع أو عشر أو نحو ذلك، وإنما قال سبحانه: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: 31].

وعليه، فإن ضبط الكبائر لا ينبغي أن يعتمد على مجرد عدد محفوظ، بل ينظر فيه إلى النصوص الشرعية التي تدل على عظم الذنب، كأن يرد فيه وعيد شديد، أو لعنة، أو غضب من الله، أو عذاب عظيم، أو حد شرعي، أو وصف صريح بأنه فاحشة أو إثم كبير أو ظلم عظيم.

سادسًا: العلاقة بين الكبائر والفواحش

بناءً على الاستعمال القرآني، لا يصح جعل الكبائر والفواحش لفظين مترادفين تمامًا؛ لأن القرآن قال: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ [النجم: 32].

فالكبائر أوسع من حيث المفهوم، والفواحش نوع من الذنوب التي اشتد قبحها وفحشها. ولذلك فالزنا مثلًا جمع بين الوصفين، إذ قال الله تعالى عنه: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32]، في حين أن الربا جاء فيه وعيد شديد جدًا، لكن القرآن لم يسمّه فاحشة.

ومن ثم فإن كل فاحشة محرمة، وكثير من الفواحش من كبائر الذنوب، لكن لا يلزم أن تكون كل كبيرة فاحشة بالمعنى الاصطلاحي القرآني.

خاتمة

يتبين من مجموع الآيات أن القرآن الكريم أقام تمييزًا دقيقًا بين مراتب الذنوب، فذكر الإثم باعتباره جنسًا من المعاصي، وذكر كبائر الإثم للدلالة على الذنوب العظيمة، وذكر الفواحش لما بلغ من الذنوب غاية القبح والفحش، كما دل بعبارات متعددة على عظم بعض الجرائم، كالشرك والقتل والربا وأكل مال اليتيم والقذف والزنا.

ومع ذلك، لم يجعل القرآن الحديث عن الكبائر بابًا لليأس والقنوط، بل قرنه بسعة مغفرة الله، فقال بعد ذكر اجتناب الكبائر والفواحش: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: 32].

فالمقصود من معرفة الكبائر والفواحش هو التحذير منها وصيانة النفس عنها، لا إغلاق باب الرحمة أمام العبد؛ إذ يبقى باب التوبة مفتوحًا ما دام الإنسان في دار التكليف، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53].

أضف تعليقا

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.