السؤال:
ما الفرق بين اليأس والقنوط؟. كنت دائما أظن أن الكلمتين مترادفتين، ولكن صادفت هذه الآية: (وإن مسّه الشر فيؤوس قنوط). فهل يعني أن الله تعالى كرر نفس الكلمة؟ بالتأكيد لا. خلال رحلتي في التدبر لاحظت أن القنوط مرتبط دائما برحمة الله تعالى، أتمنى الجواب وشكرا لكم.
الجواب:
إن المتأمل في ألفاظ القرآن الكريم يلحظ أن الله تعالى لا يجمع بين لفظين في سياق واحد عبثًا، ولا يكرر المعنى نفسه بألفاظ مختلفة من غير زيادة في الدلالة، لأن القرآن نزل بأفصح لسان، وكل كلمة فيه موضوعة في مكانها بحكمة. ومن هنا فإن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ [فصلت: 49] يدعو إلى الوقوف عند الفرق بين الوصفين، إذ لو كان اليأس والقنوط مترادفين ترادفًا تامًا لكان ذكر أحدهما كافيًا، أما الجمع بينهما فهو دليل على أن كل واحد منهما يؤدي معنى يكمّل الآخر.
واليأس في أصل اللغة هو انقطاع الرجاء من حصول المطلوب أو من زوال المكروه، ولذلك يستعمل في كل ما يتعلق بالأسباب والنتائج التي يترقبها الإنسان. ولهذا قال تعالى في قصة يوسف عليه السلام: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: 80]، أي لما انقطع أملهم في إقناع عزيز مصر بإطلاق أخيهم. وقال سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ [يوسف: 110]، أي بلغ بهم الأمر أن انقطع رجاؤهم من استجابة أقوامهم في ذلك الوقت، ولم يكن المقصود أنهم يئسوا من وعد الله أو من نصره، وإنما من استجابة الناس بعد طول الدعوة. فاليأس إذن يتعلق في أصله بانقطاع الأمل في أمر معين، سواء كان متعلقًا بشخص أو بسبب أو نتيجة.
أما القنوط فهو وإن كان يشترك مع اليأس في أصل انقطاع الرجاء، إلا أنه أخص منه وأشد دلالة، لأنه يدل على يأس يستقر في القلب حتى يتحول إلى حالة نفسية من الانكسار والاستسلام، ويغلب في الاستعمال القرآني أن يكون متعلقًا برحمة الله ولطفه وفرجه. ولذلك قال إبراهيم عليه السلام: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: 56]، وقال سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 53]. فالملاحظ أن القنوط جاء هنا مقيدًا برحمة الله، لأن أعظم ما يذم عليه العبد أن يغلق باب الرجاء في فضل الله ومغفرته.
وقد يلفت النظر أن القرآن استعمل أيضًا اليأس في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: 87]. ولا تعارض بين هذا وبين ما سبق، لأن روح الله هو فرجه ورحمته، فدل ذلك على أن اليأس قد يستعمل كذلك في هذا الباب، غير أن القنوط يغلب استعماله في القرآن عند الحديث عن رحمة الله، بينما اليأس أوسع دائرة، فقد يكون من الناس، أو من الأسباب، أو من تحقق أمر من الأمور، وقد يكون أيضًا من فرج الله. ولهذا قال كثير من أهل اللغة إن القنوط نوع من اليأس، لكنه أبلغ منه وأشد تمكنًا في النفس.
وعلى هذا يظهر وجه الجمع بين الوصفين في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾، فإن الإنسان إذا أصابه البلاء قد يبدأ بفقدان الأمل في زوال ما نزل به، وهذا هو اليأس، ثم إذا استرسل مع هذا الشعور ولم يردَّه بالإيمان وحسن الظن بالله انتقل إلى مرحلة أخطر، وهي أن يظن أن رحمة الله لن تناله وأن فرجه لن يأتي، وهذا هو القنوط. فكأن الآية ترسم تدرجًا نفسيًا يبدأ بانقطاع الرجاء من تبدل الواقع، ثم ينتهي بانقطاع الرجاء من رحمة الخالق، ولذلك جاء الوصفان معًا ليصورا اكتمال هذه الحالة المذمومة.
ومن لطيف ما يلاحظ في الاستعمال القرآني أن القنوط لا يكاد يذكر إلا في مقام الذم والتحذير، لأنه يناقض ما أمر الله به من حسن الظن به ورجاء رحمته، بينما يرد اليأس أحيانًا في سياق الإخبار عن حال الناس من غير أن يكون مذمومًا في ذاته، كما في قصة إخوة يوسف، إذ كان يأسهم من إقناع العزيز وصفًا لحالهم لا حكمًا على عقيدتهم. وهذا يدل على أن اليأس قد يكون وصفًا نفسيًا عارضًا يتعلق بالأسباب، أما القنوط فهو موقف قلبي يتعلق بعلاقة العبد بربه، ولذلك كان أشد خطرًا.
الخلاصة:
_اليأس والقنوط بينهما اشتراك في أصل المعنى، لكنهما ليسا مترادفين ترادفًا تامًا.
_اليأس هو انقطاع الأمل في حصول المطلوب أو زوال المكروه، أما القنوط فهو يأس بلغ غايته حتى استقر في القلب وانصرف إلى رحمة الله وفرجه، ولهذا كان أبلغ في الذم وأشد خطرًا على الإيمان.
_الجمع بين اللفظين في آية واحدة ليس من باب التكرار، بل من باب بيان تدرج الحالة النفسية للإنسان إذا ضعف يقينه.
_ يعد الجمع بين الكلمتين من دقائق البيان القرآني التي تكشف أن كل لفظة في كتاب الله تؤدي معنى لا يغني عنه غيرها.


أضف تعليقا