تحتلّ الشهادة في التصور القرآني مكانة أساسية في إقامة العدل وصيانة الحقوق؛ إذ لا ينظر القرآن إلى الشهادة على أنها مجرد وسيلة لإثبات الوقائع أمام القضاء، وإنما يجعلها أمانة دينية وأخلاقية تترتب على أدائها مسؤولية عظيمة. ولذلك أمر الله تعالى المؤمنين بأن يؤدوا الشهادة بالحق، فقال:
﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: 2]، وقال أيضًا: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ، وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283].
ومن أهم المبادئ التي قررها القرآن أن الشهادة لا يجوز أن تتأثر بالقرابة أو المصلحة أو المكانة الاجتماعية. قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ، إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا﴾ [النساء: 135].
فالعدل هنا لا يتغير باختلاف منزلة الإنسان أو ثروته، ولا يُسمح للشاهد بأن يحابي الغني لغناه، أو ينحاز إلى الفقير لفقره.
ويؤكد القرآن هذا المعنى بصورة أخرى في قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ، وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ، اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8].
فالعدالة القرآنية لا تتوقف على محبة الإنسان لمن يشهد له، بل يجب أن تستمر حتى تجاه من يبغضه أو يختلف معه.
ومن هنا تظهر العلاقة الوثيقة بين صدق الشهادة وبين تحقيق التوازن بين الجريمة والعقوبة. فالعقوبة لا ينبغي أن تُبنى على الظن أو الكذب أو الشهادة الزائفة، وإنما على إثبات معتبر قائم على الحق والعدل. ولهذا شدد القرآن في شأن شهادة الزور، ونهى عن قول الباطل، فقال تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: 30]. كما نهى عن أن يكون الهوى أو المصلحة سببًا في تحريف الشهادة أو تغيير مضمونها.
وتبرز خطورة الشهادة الكاذبة بصورة خاصة في كونها قد تؤدي إلى إدانة بريء أو إهدار حقٍ لصاحبه. ولذلك فإن حماية الشهادة من الكذب ليست حماية لإجراءات القضاء فحسب، وإنما هي حماية للإنسان نفسه وللمجتمع كله. وكلما ترسخت قيمة الصدق في الشهادة، أمكن للقضاء أن يقترب من تحقيق الغاية الأساسية التي أرادها الشرع، وهي إقامة العدل ومنع الظلم.
إن ردّ شهادة من ثبت عليه الكذب في الموضع الذي تترتب عليه أحكام الردّ ليس مجرد إجراء قضائي، بل يحمل معنى زاجرًا يحفظ هيبة الشهادة ومكانتها، ويجعل الإنسان يدرك أن فقدان الثقة القضائية قد يكون من آثار الكذب الخطيرة. كما أن فيه ردعًا لغيره؛ إذ يعلم الناس أن الشهادة أمانة، وأن العبث بها قد يفقد صاحبها أهلية الشهادة ويؤثر في اعتباره وثقة المجتمع به. ومع ذلك، فإن التشريع القرآني لا يغلق باب الإصلاح؛ فقد استثنى التائبين المصلحين، مما يدل على أن الزجر في الشريعة لا ينفصل عن إمكان التوبة واستعادة الصلاح، كما نصت عليه الآية التالية:
﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ، وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: 4-5]
كما يقرر القرآن مبدأً بالغ الأهمية، وهو المساواة أمام حكم الله؛ فلا حصانة لأحد بسبب غناه أو نسبه أو سلطانه. فالميزان الذي ينبغي أن تُوزن به الحقوق هو الحق والعدل، لا المكانة الاجتماعية. ولهذا جاء الأمر الإلهي صريحًا:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90].
ولا يستثني هذا المبدأ أصحاب السلطة والولاية؛ فالسلطة في التصور القرآني ليست امتيازًا يرفع الإنسان فوق الحق، وإنما هي مسؤولية تقتضي الخضوع للعدل. ومن أبلغ ما يقرر هذا المعنى قوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58].
فالخطاب موجَّه إلى من يتولى أمر الناس، مقرونًا بأداء الأمانة والحكم بالعدل.
وبذلك يتضح أن منظومة الشهادة والقضاء في القرآن تقوم على مبادئ مترابطة: الصدق، وعدم كتمان الشهادة، والاستقلال عن الهوى والمصلحة، والمساواة بين الناس، وخضوع الجميع لمعيار العدل. والغاية النهائية من ذلك ليست مجرد إنزال العقوبة بالمذنب، وإنما إقامة الحق وصيانة الإنسان ومنع الظلم. فحين تكون الشهادة صادقة، والقضاء قائمًا على البينة والعدل، يصبح الجزاء متناسبًا مع الفعل، ويُصان المجتمع من أن تتحول العقوبة نفسها إلى وسيلة للظلم.


أضف تعليقا