حبل الله
كيف نفرق الفجر الكاذب والفجر الصادق؟

كيف نفرق الفجر الكاذب والفجر الصادق؟

قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187]. وتشير الآية الكريمة إلى التدرج الضوئي الذي يظهر في الأفق قبيل طلوع الشمس، حيث تتمايز الخطوط البيضاء والسوداء المصاحبة للهالة الحمراء المتكاثفة.

ويتكون الخط الأبيض فوق الهالة الحمراء الكثيفة المستطيرة[1] الممتدة على الأفق الشرقي، بينما يبدو الفضاء الواقع بين الراصد والأفق كخط أسود، تعلوه تلك الهالة الحمراء. وقد دلَّ على هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَعْتَرِضَ لَكُمُ الْأَحْمَرُ»، وروي عنه أيضًا أنه: «صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ بَرَقَ الْفَجْرُ وَحَرُمَ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ». وروى سمرة بن جندب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَغُرَّنَّكُمْ نِدَاءُ بِلَالٍ وَهَذَا الْبَيَاضُ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ، أَوْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ».

وتدل هذه النصوص القرآنية والنبوية على وجود فجرين في كل صباح؛ الأول يظهر قبل تكاثف الهالة الحمراء، والثاني يأتي بعدها. وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم الفارق بينهما بقوله: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا يَهِيدَنَّكُمْ السَّاطِعُ الْمُصْعِدُ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَعْتَرِضَ لَكُمُ الْأَحْمَرُ».

ويقصد بلفظ «الساطع» في الحديث كل ما يرتفع وينتشر كالضوء والغبار والرائحة[2]، أما «المصعد» فيراد به الشيء الصاعد أو المرتفع[3]. وبناءً على ذلك، فإن الفجر الأول يتمثل في الضوء العمودي المنتشر الصاعد في السماء، بينما يتمثل الفجر الثاني في ظهور الهالة الحمراء الممتدة عرضًا على الأفق، والتي تفصل بين الراصد وخط الأفق.

ويتوافق هذا الفهم مع قوله تعالى: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: 96]. ويُراد بالإصباح في أصله اللغوي الحمرة، كما يُطلق على وقت الإبكار[4]، فيكون المقصود به المرحلة التي تتكاثف فيها الحمرة قبل شروق الشمس وما يليها، أما وصف الله تعالى بأنه «فالق الإصباح» فيشير إلى شق هذه الأضواء وإظهارها.

ولو لم ترد النصوص الشرعية بالتفريق بين الفجرين، لأمكن اعتبار أول ظهور للضوء بدايةً للصباح، غير أن النبي صل الله عليه وسلم بيّن أن وقت صلاة الفجر لا يدخل مع هذا الضوء الأول، ولذلك سُمِّي الفجر الكاذب، بينما يبدأ وقت الصلاة مع الفجر الثاني، وهو الفجر الصادق.

كما يشير قوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ إلى مرحلة انكشاف الضوء وانتشاره في الفجر الصادق، وهو وصف لا ينطبق على الفجر الكاذب؛ إذ لا يتحقق فيه الإسفار. والسَّفَر في اللغة هو الانكشاف والظهور[5]، ويقال: أسفر الصبح إذا أضاء واتضح ضوؤه بما لا يدع مجالًا للشك. وقسم الله تعالى بالصبح يدل على عظيم منزلته وأهميته، ومن ذلك ارتباطه بوقت أداء صلاة الفجر.

وقد فسّر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المعنى فيما روي عن صلاة جبريل عليه السلام، حيث قال: «ثم صلى الفجر حين برق الفجر وحرم الطعام على الصائم»[6]. كما ورد عن بلال مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «نَوِّرْ بالفجر قدر ما يبصر القوم مواقع نبلهم»[7]. ويؤيد ذلك ما رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام صلاة الفجر «حين انشق الفجر، والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضًا»[8].

وبناءً على ما سبق، يتبين أن دخول الفجر الصادق هو الوقت الذي يبدأ فيه الإمساك للصائم، كما يدخل معه وقت صلاة الفجر، أما تقديم الإمساك اعتمادًا على الفجر الكاذب فلا دليل عليه، بل يخالف ما دلت عليه الآيات الأحاديث المتعلقة .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] يقال: فجرٌ مستطير إذا انتشر ضوؤه في الأفق، ويقال:  غبارٌ مستطار إذا انتشر في الهواء. (العين، مادة: طير).

[2] لسان العرب، مادة: سطع، بتصرف.

[3] مقاييس اللغة، مادة: صعد، بتصرف.

[4] مقاييس اللغة.

[5] مقاييس اللغة.

[6] سنن الترمذي، كتاب مواقيت الصلاة.

[7] مسند الشافعي، ترتيب السندي، (1/52).

[8] رواه مسلم.

التعليقات

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.