حبل الله
الاستفادة من الكتب والبرامج التعليمية الموجودة على شبكة الإنترنت

الاستفادة من الكتب والبرامج التعليمية الموجودة على شبكة الإنترنت

السؤال:

أريد أن أعمل في مجال البرمجة، ولكن المشكلة في وجود (برامج مدفوعة وكورسات أجنبية مدفوعة) لا أقدر على دفع ثمنها حاليا بسبب غلاء أسعارها، فهل يجوز أن أحصل عليها بطريقة غير مشروعة (عن طريق مواقع تقوم بتنزيل تلك البرامج أو الكورسات المدفوعة بطريقة مجانية للعامة) وأقوم بدفع المال عند القدرة على شرائها عندما أحقق دخلا منها؟

الجواب:

في البداية وقبل الإجابة عن السؤال ينبغي أن نصحح مفهومًا ذكره السائل الكريم حين قال (هل يجوز أن يحصل على شيء غير مشروع – محرم- لعدم قدرته على فعل الحلال ثم يرد تلك الحقوق لأصحابها عند قدرته على ذلك)؟

فالحق أن هذا الفعل يخالف أمره تعالى وتعاليمه في كتابه من التقوى والصبر وجهاد النفس عن الحرام حتى يتيسر الحلال، مصداقًا لقوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ المائدة (35)

ومسألة أن يرتكب الإنسان الحرام متعمدًا لعدم قدرته على الحلال لن يشفع له، ولا ضمان لدى الإنسان الذي يفكر بهذه الطريقة أن يعيش حتى يتوب ويرد الحقوق لأصحابها، فربما يدركه الموت وهو على معصيته:

﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ، أُولَٰئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ النساء (18)

ولو أباح الإنسان لنفسه ذلك لزلت قدمه في ارتكاب السيئات وربما الكبائر فيزني المرء لعدم استطاعته النكاح ويسرق ويرتشي لضيق الرزق الحلال.. إلخ من الموبقات والمحرمات، ولهذا حذرنا تعالى من ذلك في قوله:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ الأنفال (24)

فالصبر والتقوى هما أول طريق الخروج من الضيق إلى سعة الرزق:

﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ، إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ الطلاق (3)

أما بالنسبة للسؤال عن جواز استخدام تلك البرامج أم لا، فعلينا أولًا أن نجيب عن بعض التساؤلات حول تلك المواقع المجانية:

  • من الذي أنشأ تلك المواقع التي تقوم بتنزيل تلك البرامج المجانية؟
  • وما الفائدة التي تعود على أصحابها إن كانت مجانية بشكل تام؟
  • من الذي حرم مشروعيتها؟
  • وأخيرا وهو السؤال الأهم، من صاحب العلم الذي تعلمه الإنسان؟ وهل هذا العلم حجر – حكر – على الدافعين ثمنه ولا يحق لغيرهم؟

إن هذه المواقع والبرامج قد أنشأها _في الأساس_ بعض الدارسين الحاصلين على تلك البرامج والكورسات المدفوعة، ثم أرادوا الاستفادة من المعلومات التي حصلوا عليها عن طريق تعليمها للآخرين ونشرها للراغبين في الحصول عليها ولا يملكون ثمنها، فقاموا بإنشاء مواقع وبرامج خاصة بهم تقدم نفس المحتوى بشكل آخر، وعملية إنشاء المواقع وتصميم البرامج ليست مجانية بشكل تام إذ أن لها ثمنا يدفعه أصحابها من أجل إدراجها على شبكة الإنترنت ومواقع البحث أو منصات التواصل الاجتماعي، كما أنها تدر دخلًا عليهم وذلك كلما استخدمها أحد أو قام بتنزيلها على جهازه، فهم يقدمونها للآخرين بأجور أقل تكلفة بدلًا من أسعارها المرتفعة فيفيد نفسه وغيره، بالإضافة إلى أن هذه المواقع ليست سرًا، وهي متاحة للجميع ولا ينطبق عليها فعل السرقة أو الاختلاس أو الغش، ومثلها الكتب والمجلدات المجانية التي يمكن تنزيلها من الشبكة العنكبوتية التي حولت العالم كله إلى قرية صغيرة تتداول فيها العلوم وتتبادل الثقافات بضغطة زر مما يسر طلب العلم على الدارسين والباحثين في أنحاء العالم بشكل مجاني أو بتكلفة زهيدة.

ولو ضربنا على ذلك مثالًا من الواقع بطلاب الجامعات المتفوقين الذين يقومون بإعطاء دورس مجانية أو بأجور رمزية لمساعدة زملائهم غير القادرين على شراء الكتب والملازم أو أخذ دروس خاصة مع أساتذة الجامعة، إذ لا حرج على كليهما سواء الطلاب المتطوعين أو غير القادرين المستفيدين، بل فيه نوع من زكاة العلم والتعاون على البر والتقوى فيؤجر فاعله سواء كان هدفه الكسب اليسير أو معاونة زملائه امتثالًا لقوله تعالى:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ..﴾ المائدة (2).

فالعلم في الأساس هو علم الله تعالى وهو سبحانه الذي:

﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ العلق (5)

ولو لم يُعلم كل إنسان ما تعلمه في حياته وينقله إلى غيره لما قامت حضارات وما تطورت بلدان وما وصل الإنسان المعاصر لما وصل إليه من التقدم العلمي، فالعلم ليس حكرًا على أحد ولا ينبغي أن يقف عند أحد؛ لكي لا يكون العلم دولة بين الأغنياء والقادرين ويحرم منه الفقراء أصحاب الهمة في طلب العلم، وقد ذم تعالى من يخفون العلم ويكتمونه:

﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ آل عمران (187)

ولنا الأسوة الحسنة في رسولنا الذي أمره تعالى _ونحن بالتبعية_ إلى الاستزادة من طلب العلم:

﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ طه (114)

وكذلك لنا الأسوة في خليل الرحمن الذي أراد هداية أبيه بما أوتي من العلم:

﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ مريم (43)

وفي كليم الله تعالى الذي ضرب المثل في تواضعه ورغبته في طلب العلم حين تبع العبد الصالح:

﴿قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ الكهف (66)

ومن هنا فإن هذه البرامج مشروعة ولا يستطيع أحد أن يحرمها وخاصة إن كانت مخصصة لنشر العلم النافع ومساعدة طلاب العلم.

مع ملاحظة أمر هام، أننا عندما قلنا بمشروعية تلك المواقع أو نقل العلم بأي صورة سواء أكانت مرئية أو مسموعة أو مكتوبة أو شفاهية وجهًا لوجه فنحن نتحدث عن العلم المنشور بالفعل والذي يقدمه أصحابه طواعية، ولا نتحدث عن سرقة مجهودات الآخرين، ومن ثَم فلا نستطيع إعطاء تلك الشرعية لمن يسربون الاختبارات أو يقومون بنسخ الأبحاث والرسائل العلمية من أصحابها ونسبها إلى أنفسهم أو حتى تسريب معلومات الباحثين والمكتشفين قبل اكتمال تسجيلها بأسماء مخترعيها ومكتشفيها، إذ أن كل ما يلحق الضرر بالآخرين أو سرقة مجهوداتهم وخلاصة أبحاثهم فهو إثم وعمل غير صالح[1]، مصداقًا لقوله تعالى:

﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ آل عمران (188)

كما ننصح السائل الكريم بعد حصوله على العلم أن يفيد غيره كما استفاد هو كنوع من رد الإحسان بالإحسان، ذلك أن زكاة العلم تكون بنشره وتعليمه للناس لوجهه تعالى، وهو العلم الذي يرفع صاحبه مكانًا عليًا مصداقًا لقوله جل وعلا:

﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ المجادلة (11).

وقف السليمانية/ مركز بحوث الدين والفطرة

الموقع: حبل الله  www.hablullah.com

الباحثة: شيماء أبو زيد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  انظر (حق التأليف والحقوق المعنوية) https://www.hablullah.com/?p=8242

 

 

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.