حبل الله
اختلاف مواقف الناس من كتاب الله تعالى

اختلاف مواقف الناس من كتاب الله تعالى

السؤال:

يقول الله تعالى في سورة فاطر:

﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ. ‌ثُمَّ ‌أَوْرَثْنَا ‌الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ، ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: 31-32] 

ما المقصود بـ ﴿اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾  وأي نوع من الاصطفاء حيث تشعب عنه ثلاثة أصناف: الظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخيرات بإذن الله.

قرأت في التفسير أن الاصطفاء هو لأمتك يا محمد. فهل هو فعلا ذلك، أم المقصود كل من يهتدي يكون مصطفى عند الله لكن يتشعب عنهم تلك الفرق؟

ثم قرأت قوله تعالى في سورة الصافات عن سيدنا نوح: ﴿‌وَجَعَلْنَا ‌ذُرِّيَّتَهُ ‌هُمُ ‌الْبَاقِينَ. وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ. سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ. إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ. إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ. ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ [الصافات: 77-82] 

فشعرت أني فهمت المقصود، وهو أن الله تعالى اصطفى الذين اختاروا الإيمان مع الرسل لكن بعد مرور الزمن كان مِن ذريتهم مَن يظلم نفسه ويقتصد ويسبق بالخيرات. فهل فهمي صحيح؟ أفيدوني أثابكم الله ولكم مني كل الحب والاحترام. وجزاكم الله عن أمة الإسلام كل خير

الجواب:

لو نظرنا في سياق الآيات لوجدنا أنها تتحدث عن اختلاف موقف الناس من الهدى الذي جاء به من اصطفاهم الله تعالى لرسالته أي الأنبياء عليهم السلام، حيث تذكر الآية أن الناس ينقسمون تجاه الوحي الذي جاء به الأنبياء إلى ثلاثة أقسام:

الأول: الظالم لنفسه، وهو الذي عرف الحق فلم يتبعه، فيكون بذلك قد ظلم نفسه لأنه أوردها المهالك، وقد تصدر هذا القسم الترتيب لأنهم الأغلب من الناس، وقد قال تعالى : ﴿وَمَا ‌أَكْثَرُ ‌النَّاسِ ‌وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: 103]

الثاني: المقتصد، وهم الذين قبلوا الحق لكنهم خلطوا العمل الصالح بالسيء، لكنهم في المحصلة يبقون من أهل اليمين.

الثالث: السابقون بالخيرات، وهم الذين حسن إيمانهم وصلح عملهم وتسابقوا في فعل الخير، فكانوا أول الناس به ، وهم المقربون الذين أشارت إليهم سورة [الواقعة: 10-11] .

والآية فيها التفات من الحديث عن الأنبياء إلى الذين أُرسلوا إليهم،

والالتفات من الأساليب البلاغية التي يكثر استعمالها في القرآن الكريم، وهو في اللّغة تحويل الوجه عن أصل وضعه الطبيعيّ إلى وضْعٍ آخر. وفي اصطلاح البلاغيين هو التحويل في التعبير الكلاميّ من اتجاه إلى آخر من جهات أو طرق الكلام الثلاث: “التكلّم – والخطاب – والغيبة” مع أنّ الظاهر في متابعة الكلام يقتضي الاستمرار على ملازمة التعبير وفق الطريقة المختارة أوّلاً دون التحوّل عنها. كأنْ يتحدّث المتكلِّم عن نفسه بأسلوب الخطاب الذي يخاطب به غيره، أو يتحدَّث مع من يخاطبه بأسلوب التكلّم عن الغائب، أو يتحدّث عن نفسه بأسلوب الحديث عن الغائب، أو يتحدّث عن الغائب بأسلوب الخطاب، وهكذا[1].

وَفَائِدَتُهُ: صِيَانَةُ السَّمْعِ عَنِ الضَّجَرِ وَالمللِ فإن النُّفُوسَ جُبِلَتْ عَلَي حُبِّ التَّنَقُّلِ، وَالِاسْتِمْرَارُ عَلَى مِنْوَالٍ وَاحِدٍ من الخطابِ يؤدي إلى السَّآمةِ. وفائدَتهُ أيضًا: إِظْهارُ الملكةِ فِي الكلَامِ، وَالِاقْتِدَارِ عَلَى التَّصَرُّفِ فِيهِ[2].

وعلى هذا يمكن تفسير الآية كما يلي:

﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ ‌اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا (وهم الأنبياء؛ لأن الاصطفاء يكون لهم كما جاء في قوله تعالى ﴿اللَّهُ ‌يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج: 75]) فَمِنْهُمْ (أي فمن الناس وهنا التفات من الأنبياء إلى الذين بُعثوا إليهم) ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ (وهم الكفار والعصاة) وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ (مؤمن لكنه لم يبذل كامل وسعه في الخير) وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ (وهم المقربون) ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ﴾ [فاطر: 32]

وهذا التقسيم ينطبق على جميع أتباع الأنبياء، وما يدل على صحة هذا أن الله تعالى بيَّن في الآيات التي قبلها اختلاف زرع الأرض ما بين نافع وضار بالرغم من أن المطر واحد، وكذلك الناس يختلفون في تلقي الوحي بالرغم من كونه واحدا:

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ. وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾ [فاطر: 27-28]

كما أن الآيات اللاحقة بينت مصير المؤمنين والكافرين مما يدل على أن الآية موضع السؤال تحدثت عن موقف الناس من كتاب الله تعالى:

﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ. وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ. الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: 33-36]

ينقل الطبري عن قتادة أنه قال : كان الناس ثلاث منازل في الدنيا، وثلاث منازل عند الموت، وثلاث منازل في الآخرة؛ أما الدنيا فكانوا: مؤمن ومنافق ومشرك، وأما عند الموت فإن الله قال (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنزلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ) [الواقعة: 88-94]  وأما في الآخرة فكانوا أزواجًا ثلاثة ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً. فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ‌مَا ‌أَصْحَابُ ‌الْمَيْمَنَةِ. وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: 7-11]

وروى عن مجاهد قوله: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) قال: هم أصحاب المشأمة (وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ) قال: أصحاب الميمنة (وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ) قال: فهم السابقون من الناس كلهم»[3].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] عبد الرحمن بن حسن حَبَنَّكَة الميداني الدمشقي (ت ١٤٢٥هـ)  البلاغة العربية  1/ 479 ، دار القلم، دمشق، الدار الشامية، بيروت، ط1

[2] سعيد مصطفى ذياب، أمثلة على أسلوب الالتفات في القرآن، شبكة الألوكة https://www.alukah.net/

[3]  تفسير الطبري جامع البيان – ط دار التربية والتراث (20/ 468)

 

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.