حبل الله
موقف المسلم من المسائل المُختَلف فيها فقهيا

موقف المسلم من المسائل المُختَلف فيها فقهيا

السؤال: أريد سؤالكم عن الشبهات ، هل نستطيع القول بأن أي مسألة فقهية مختلف فيها بين أقوال تحرم وأقوال تبيح ،هل نستطيع القول بأنها من الشبهات والأفضل تركها ؟؟

الجواب: في البداية يجب أن نعلم أن الحلال والحرام قد بينه الله تعالى في كتابه: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًاۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًاۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍۖ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (الأنعام 151)

وعلينا أن نعلم أنه لا يوجد في دين الله تعالى ولا كتابه الكريم ما يسمى بالأمور المشتبهات التي تتأرجح بين الحلال والحرام، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وتَعَالَىٰ:

﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل 89) وقال كذلك:

﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِۗ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ (الأنعام 119).

وكذلك لا يستطيع أي إنسان مهما كانت مكانته أن يحرم شيئا قد أحله الله سبحانه:

﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ (النحل 116)

وإنما هناك أمور تستحدث على مر العصور لم تذكر باسمها صراحة في كتاب الله تعالى لكنها بالتأكيد قد ذكرت ضمنياً، وذلك لأن القرآن الكريم لم يترك شيئًا يخص هداية البشر إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة إلا ذكره صراحة أو ضمنا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأنعام 38).

أما بالنسبة للمسائل المختلف فيها بين الفقهاء فهي تلك الأمور المستحدثة والمذكورة ضمنيا والتي _مع الأسف الشديد_ لم يرجع أغلبهم فيها إلى المرجع الأساسي عند الاختلاف، وهو كتاب الله تعالى:

﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (الشورى 10)

ولا يعرف حكم الله تعالى إلا من كتابه الذي أنزله هداية للناس .

لم يلتفت الكثيرون لحكم الله في الكتاب وانساقوا وراء روايات مفتريات على الله تعالى وعلى رسوله وتناسوا قوله تعالى:

﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًاۚ وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (الأنعام 114)

ولذلك حدثت الخلافات وانقسمت المذاهب وتشعبت للدرجة التي نجد فيها بعض المسائل تتأرجح بين الحل والحرمة والواجب والمندوب والمستحب والمكروه وغيرها من المسميات.

وقد وضع الله سبحانه قاعدة كلية نستطيع أن نعرف بها حكم هذا الشيء المستحدث. قَالَ اللَّهُ تعالى:

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَاۗ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (البقرة 219)

هذه الآية الكريمة تتحدث عن الخمر والميسر إلا أنها في الوقت نفسه تؤسس قاعدة هامة ألا وهي ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ فقد بين سبحانه سبب التحريم هنا وهو إن الإثم كان أكبر من النفع، فكل القضايا المستجدة  لا بد أن يكون لها جوانب من الضرر والنفع، لكن هناك ما يغلب فيه جانب الخير وهناك ما يغلب فيه جانب الشر، فإن غلب ما ضرُّه نفعَه فعلينا اجتنابه، وما غلب نفعُه إثمَه فلا ينبغي تحريمه.

ولذلك ختم الله تعالى الآية نفسها بقوله: ﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾

والتفكر هنا ليس قاصرًا فقط على مسألة الخمر والميسر بدليل ختام هذه الآية مع  بداية الآية التالية لها مباشرة ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (البقرة 220) فكما نرى فإن الله تعالى يحثنا على التفكر في كل أمور الدنيا والآخرة في الضر والنفع وما يترتب على كل فعل أو قول من نعيم أو عذاب في الدنيا والآخرة.

ومن هنا فإذا وجدت مسألة من أمور الحياة مختلف فيها بين الفقهاء فلا ينبغي أن نحرمها أو حتى نتركها تخوفًا أو تنزهًا، وإنما ينبغي أن نضعها في ميزان القرآن الكريم، فإما أن تكون مذكورة فيه بشكل صريح وإما بشكل ضمني، وهكذا نقيس مدى الفوائد والأضرار المترتبة على الأمر قبل إصدار الحكم عليه.

وإن عجز شخص عن تقييم المسألة بنفسه فعليه اللجوء لمن يستنبط الأحكام من الكتاب لا من غيره ويقدم له الأدلة والبراهين من الكتاب الحكيم امتثالا لقوله تعالى:

﴿الٓرۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَۚ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ (هود 2)

فقد بين سبحانه سبب تفصيله الكتاب ألا وهو ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ وعبادة غير الله ليست مقتصرة على السجود لغيره تعالى ولكنها تشمل الاعتقاد بأنه من حق أي مذهب أو بشر ولو كان نبيًا أن يحلل أو يحرم شيئًا، أو يفصل الكتاب على غير ما فصله الله تعالى.

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.