حبل الله
لماذا لا يمكن أن يكون المقصود بضرب الزوجة هو إيذاؤها جسديا؟

لماذا لا يمكن أن يكون المقصود بضرب الزوجة هو إيذاؤها جسديا؟

السؤال: لو سمحتم عندي استفسار عن تفسير آية “واضربوهن” حيث تناقشت مع شخص وقال أن معناها الضرب الفعلي لسببين؛ الأول أن “واضربوهن” ليس بمعنى (واضربوا عنهن) والثاني أنها همزة وصل من الفعل ضرب ولو كانت من الفعل أضرب لكانت الهمزة قطعية على حد قوله، فما رأيكم في هذا الموضوع؟

الجواب: إن الضرب له معان كثيرة في كتاب الله تعالى، ومسألة أن الضرب جاء في آية النشوز على حقيقته لأنه لم يأت بلفظ (فاضربوا عنهن) فهذا الكلام ليس صحيحًا بدليل قوله تعالى في أصحاب الكهف: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ (الكهف 11) فهل كلمة الضرب هنا جاءت بمعنى الإيذاء الجسدي لأنها لم تأت بلفظ فضربنا عنهم؟ وهل ضرب الله تعالى أصحاب الكهف ضربا حقيقيا على الأذن حتى لا يسمعوا؟

وكذلك فإن قوله تعالى (واضربوهن) ليس معناه فأعرضوا عنهن حتى تأتي بهمزة قطع.

وإذا أردنا أن نعرف معنى كلمة الضرب علينا أن نبحث في كتاب الله لنعلم أن كلمة الضرب لم تأت بمعنى الإيذاء الجسدي، ولو أراد الله تعالى الإيذاء لجاء اللفظ صريحًا واضحا كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَاۖ فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَاۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (النساء 16) فكلمة الأذى ليست غريبة عن كتاب الله تعالى.

ويستخدم القرآن كلمات أخرى في الإيذاء الجسدي كقوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ﴾ (القصص 15) فلم يقل الله تعالى (فضربه موسى) رغم أن الوكزة أفضت إلى موت الرجل.

وكذلك قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ (الذاريات 29) فلم يقل (فضربت وجهها).

حتى عندما أراد الله تعالى الإيذاء الجسدي للزاني والزانية جاء بلفظ الجلد وليس الضرب في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍۖ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ (النّور 2) ولم يقل (اضربوهم ثمانين جلدة).

وكذلك عندما جاء الضرب بمعنى القتل ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ (الأنفال 12)

فليس المقصود أن نأتي إلى العدو ونضربه على عنقه ولكن المقصود انتهاز جميع الفرص للقضاء عليهم واقتلاع شوكتهم.

فلو كان الضرب بمعنى الإيذاء الجسدي هو المقصود لجاء بلفظ الإيذاء أو الصك أو الوكز أو غير ذلك من الألفاظ الدالة عليه.

وكذلك لو كان المقصود بالضرب هو الإيذاء وضرب الرجل زوجته فتشوهت أو ماتت فلا ينبغي أن يحاسبه الشرع أو القانون لأنه في هذه الحالة يكون قد نفذ ما أمر به الله تعالى في كتابه على زعمهم.

ولكن المتدبر لكتاب الله تعالى يجد أنه سبحانه لم يأمر بإيذاء الزوجة حتى حين يراها الزوج بعيينه تزني، بل أوجب عليهما الأيمان الخمسة، فكيف يأمر تعالى بإيذائها جسديا لأنها ناشزة بمعنى أنها لا تريده.

حيث أن كلمة النشوز ليس لها علاقة بعدم طاعة الزوج كما يُشاع في التفاسير التي بنيت عليها القوانين، وإلا لكان معنى النشوز بالنسبة للرجل أنه لا يطيع زوجته.

فكما تنشز المرأة ينشز الرجل، وقد ذكر تعالى الكلمة نفسها في حق الزوج: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًاۚ وَالصُّلْحُ خَيْرٌۗ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّۚ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (النساء 128)

فهل المعنى هنا هو أن المرأة تخاف من زوجها عدم الانقياد لها وعدم طاعتها؟!

فكلمة النشوز تعني التخلي والترك والافتراق وليس معناها العصيان والتمرد. ومعنى قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ أي تخافون أن تفارق الزوجة بيتها وتطلب الطلاق ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ فتحدثوا معهن برفق وذكروهن باللحظات الطيبة وعواقب الفرقة.

﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ أي لا تجبروهن على المعاشرة الزوجية فربما شعرت الزوجة بالوحشة والحنين إلى القرب من زوجها؛ حيث يوجد من الأزواج من يجبر زوجته على علاقة الرفث حتى لو كانت غاضبة منه ولا تريده بدعوى أنه يمارس حقوقه الواجبة له.

والمعنى الصحيح لقوله تعالى ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ أي أنه على الزوج أن يبقي زوجته في بيتها، فالضرب هنا جاء بمعنى التثبيت كضرب الخيام وتثبيتها ويقال مضارب بني فلان أي موطنهم ومكان سكنهم.

ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْۖ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ﴾ (الطلاق 1)

و قد عبر القرآن عند النشوز بلفظ الضرب وليس بلفظ الإخراج كما هو الحال عند الطلاق، لأن الطلاق لم يحدث بالفعل، وإنما هو الخوف من حدوثه، وبالتالي فلا تقبل فكرة خروج المرأة من بيتها من الأساس، وعلى الزوج أن ييذل جهده ليجعلها تتمسك به وتثبت في بيتها، بعكس آية الطلاق التي جاءت بلفظ الإخراج “لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ” لئلا يتوهم الزوجان أنه بمجرد حدوث الطلاق قد يستوجب الخروج.

وذلك بدليل بقية الآية نفسها ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُم﴾ أي فإن استجبن لكم طواعية ، والطاعة لا تأتي بالإجبار والعنف والقسوة وإنما تأتي باللين والموعظة الحسنة، وهذا دليل إضافي على أنه لا يمكن أن يكون الضرب في الآية بمعنى الإيذاء الجسدي.

وعلى الزوج ألا يأخذه الكبر أن زوجته أرادات مفارقته فيأتي التذكير من رب العالمين بأن لا يتمادى في هجره إن وجد منها اللين والرضا وألا يحاول أن يثأر لنفسه لأنها طلبت منه الافتراق ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ (النساء 34)

وهنا ملمح تجدر الإشارة إليه، أن أوامر الله تعالى في الآية ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ لم تأت على سبيل الترتيب كما يقول البعض بأن يبدأ الزوج بالعظة فإن لم تنفع فالهجر وإن لم يجدي فالضرب، وإنما الأوامر الثلاثة جاءت معطوفة على بعضها تتحقق وتتكامل بشكل كلي، وذلك بأن يعظ الزوج زوجته ويذكرها بما كان بينهم من سكن ومودة وفي الوقت نفسه يهجرها في المضجع نفسه بأن يبقى في غرفته وعلى سريره ولكن لا يتغشاها وفي الوقت نفسه يعمل على ما يثبت أقدامها في بيتها حتى ترضى وتطيعه وتكمل الحياة معه برضا نفس.

وختامًا: فإن الله سبحانه وتعالى لم يسلط أحدا من خلقه على أحد، لا الزوج على زوجته ولا حتى الوالد على ولده، قَالَ اللَّهُ تَعَالَىٰ: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَاۚ وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (النّور 33)

فليس للأب إكراه ابنته على الزواج بمن لا تريده.

ولو كان هناك إجبار لكان الأولى به الأنبياء والمرسلون ولكنه تعالى قال: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة 256)

وقال: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّۚ، قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ (الأنعام 66)

وقال: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ (الغاشية 22)

فهل الله تعالى لا يكره عباده على الإيمان به وهو خالقهم ثم يجعل للرجل حقا في أن يكره زوجته على البقاء معه بالعنف والضرب؟!

فأين المودة والرحمة التي جعلها الله سبحانه آية من آياته: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الرّوم 21)

فالله تعالى وشرعه ورسوله بريء من تلك التفسيرات التي لا تمت لكتاب الله وسنته في خلقه، والشرع ليس مسئولا عن سلوك بعض الرجال الذين حوَّلوا وحرفوا القوامة من معنى المسئولية والإنفاق والرعاية إلى التسلط والقسوة والعنف ويكفيهم أن توعدهم ربهم بقوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ النساء (14).

 

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.