حبل الله
هل يشترط أن تتربى ابنة الزوجة منذ صغرها في بيت زوج أمها حتى تكون محرمة عليه؟

هل يشترط أن تتربى ابنة الزوجة منذ صغرها في بيت زوج أمها حتى تكون محرمة عليه؟

السؤال: أختي تزوجت زوجها الثاني ولديها من زوجها الأول ابنة تبلغ ١٢ عاما، والآن لها ٤ سنوات من زواجها وابنتها معها بنفس البيت وعمرها الآن ١٦، وقد حدث حالة طارئه لأختي ودخلت المستشفى منتصف الليل وبقيت ابنتها مع أخيها من زوج ألام ذي  ٤ سنوات في البيت ونامت بغرفتها واقفلت الباب ورجع زوج الأم الفجر ونام في البيت وخرج صباحا للمستشفى. وقد علم زوج أختي السابق وتشاجر معنا زاعما بأن زوج الأم غير محرم على ابنته لأنه غريب، قائلا كيف تركتم البنت تنام في البيت وحدها مع زوج أمها وهي غير موجودة. مع العلم أنها نامت بغرفتها مقفلة بالمفتاح . وهدد بأنه سيرفع قضية على أختي. فما رأى الدين بالموضوع؟ لأنه يقول إنه حرام وأنها لا تعتبر ربيبة لأنَّ أمها تزوجت عندما كانت البنت بعمر ١٢ سنة، أفيدونا جزاكم الله خيرا.

الجواب: قَالَ تَعَالَىٰ: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ النساء (23).

الآية السابقة جاءت تبين المحرمات من النساء على الرجل، وآخرهن الربائب، والربيبة هي بنت الزوجة. ويتضح من الآية الكريمة أن مسألة تحريم بنت الزوجة في كتاب الله تعالى مشروط بشرط واحد وهو ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ ولم تشترط الآية شرطًا آخر كأن تكون البنت قد رباها الزوج منذ صغرها أو أن تعيش في بيته، وذلك بدليل أنه إذا انتفى هذا الشرط (الدخول بالمرأة) فإنه يحل للرجل أن يتزوج من بنت الزوجة ﴿ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾.

أما بالنسبة لكلمتي الربيبة والحجور ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ فهما وصفان وليسا بشرطين، ولو كانا شرطين لقال تعالى (فإن لم تكونوا دخلتم بهن ولم يكن ربائبكم وفي حجوركم فلا جناح عليكم). ولكن المشروط فقط هو الدخول بالزوجة لتحريم ابنتها. وإنما هناك حكمة بالغة من ذكر اللفظين هنا؛ حيث أنه لا توجد كلمة واحدة بل حرفًا واحدًا في كتاب الله تعالى إلا وله مغزى وحكمة، والحكمة هنا من قوله تعالى يعود لأسباب نذكر منها:

  • أن الخطاب هنا خرج مخرج الغالب، لأن الزوجة التي تطلق من زوجها أو يتوفى عنها فإن ابنتها تقيم غالبًا معها حتى وإن كان أبوها على قيد الحياة؛ وذلك كون البنت أحوج للأم في شؤنها الخاصة.
  • وكذلك فإن الله تعالى يبين هنا حكمًا هامًا ويرسي قاعدة اجتماعية عظيمة ربما لم ينتبه إليها كثير من المفسرين ألا وهي: أن قوله تعالى ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾ يدل على أنه ينبغي على كل من تزوج من امرأة ذات بنات أن يقوم بدور الأب في حياة هؤلاء البنات وذلك بتربيتهن ورعايتهن بل والإنفاق عليهن عند عدم وجود الأب ولم يكن لهن مال خاص يُنفق منه عليهن بالمعروف.

وذلك لأنه لا يقال أن فلانًا قد ربى تلك الفتاة إلا إذا قام على رعايتها وتدبير شؤونها التي من أولى شروطها توفير النفقة والمسكن، فقد أصحبت في حمى زوج أمها ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ والحجر معناه الحماية والحصن.

فلا ينبغي لهذا الزوج أن يشترط على المرأة أن تترك أبنائها من أجل الزواج بها؛ لأنه عندما تقدم لها فهو يعلم جيدًا أنها أم وليس له أن يحرمها من أطفالها مستغلا حاجتها إلى الزواج، وإنما خُصَّت البنات هنا لأن الحديث عن محرمات الرجل فجاء ذكر البنات فقط. ولأن اشتراط إبعاد الأم عن أولادها فيه قطع للأرحام التي أمر الله تعالى أن توصل وحذر من قطعها (النساء 1، ومحمد 22)

  • وكذلك من أجل المحافظة على سلامة وطهارة البيوت، فحتى إن لم تكن تلك البنت لم يربها هذا الزوج بأن تزوج أمها والبنت تعيش مع أبيها أو أن هذه البنت متزوجة ولها بيت خاص فإن تلك البنت لا بد أنها ستزور أمها والعكس، فالاختلاط هو الشائع، فأراد رب العالمين أن تعيش الأسر في بيوت طاهرة آمنة يطمئن فيها الجميع على نفسه وتطمئن فيها المرأة أنها محصنة لذلك، فقال رب العالمين ﴿وَرَبَائِبُكُمُ﴾ ليحث الرجل على حسن معاملتها كابنته وكي لا تشعر البنت بحرج في زيارة أمها ورعايتها، وكذلك قال سبحانه ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ لتشعر البنت بالأمان لأنها أصبحت في حمى زوج أمها حيث أن من معاني الحجر الحضن والحماية والحصن.

ومن هنا فإن الحادثة موضوع السؤال التي تقول فيها السائلة أن البنت باتت وحدها في بيت واحد مع زوج أمها وأنها أغلقت باب غرفتها بالمفتاح! فالسؤال هنا، لماذا فعلت الفتاة ذلك؟ فهل أغلقت الفتاة غرفتها بالمفتاح خوفًا من زوج أمها!

ففي الوضع الطبيعي أنه لا حرج في مبيت البنت في بيت واحد مع زوج الأم حتى وإن لم تكن أمها في البيت لأن هذا الزوج بمثابة أبيها، ولا حاجة لهذه الفتاة أن تستخدم المفتاح لكي تغلق غرفتها ما دام الوضع طبيعًا وأن هذا الرجل يرعى حق الله ويتبع أوامره من آداب الاسئتذان قبل الدخول عليها، وهو الأمر البديهي الذي يتحتم عليه فعله حتى ولو كانت تلك الفتاة ابنته من صلبه.

فإن زوج الأم قد يعيش مع بنت زوجته بعد وفاتها إن لم يكن لها من يرعاها أو حتى اختارت الفتاة أن تبقى معه يرعاها وترعاه كأي أب وابنته وقد رأينا مثل تلك الحالات في بعض الأسر.

وعلى ذلك فليس لأبيها أن يعترض أو يحرم أمرًا قد أحله االله تعالى في كتابه إلا إذا كان زوج هذه الأم رجل غير مؤتمن بدليل قاطع لا شبهة فيه، فعندئذٍ وفي تلك الحالة يصح للأب أن يطلب ضم ابنته إليه عن طريق المحكمين أو القانون حفاظًا عليها وصونًا لها. وإن كان في الحقيقة هناك سؤال يطرح نفسه، إن كان هذا الأب يخاف على ابنته بهذا الشكل فلماذا تركها منذ أربع سنوات تعيش مع زوج أمها؟!

وختامًا: فإن الله سبحانه قد حرم على الرجل الزواج من ابنة زوجته التي دخل بها سواء تربت في بيته وتحت رعايته أم لا.

كما يجب التنويه هنا لأمر هام ألا وهو: أن شريعة الله تعالى وما أنزله في كتابه من أحكام وتعاليم طاهرة نقية لا علاقة لها بتلك التصرفات الشاذة التي تصدر من بعض المنتسبين للدين وهم أبعد ما يكونون عنه، فلا يجب علينا أن ننظر إلى الدين من منظور هؤلاء، فالدين ليس مسؤولًا عن مرضى النفوس ممن ينظرون إلى بنات الزوجات نظرة فيها طمع أو يتصرفون معهن بما يتنافى مع كتاب الله تعالى، فهؤلاء سوف يلقون جزاء أفعالهم في الدنيا والآخرة قَالَ سُبْحَانَهُ وتَعَالَىٰ: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ النساء (14)

وكما توعد ربُّنا العصاةَ فقد بشر قبلها مباشرة لمن يقيم حدوده تعالى ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِۚ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ النساء (13)

وللمزيد حول الموضوع ننصح بقراءة فتوى (متى تحرمُ الربيبةُ على زوج أمِّها) على الرابط التالي https://www.hablullah.com/?p=3175

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.