حبل الله
واللائي لم يحضن، والتحريف المقصود

واللائي لم يحضن، والتحريف المقصود

السؤال: منذ مدة تجادلت مع شخص وقال لي بأن ديننا يبيح الزواج من الطفلة حتى لو كانت رضيعة، و قد استعان بهذه الآية (وَاللّائي يَئِسنَ مِنَ المَحيضِ مِن نِسائِكُم إِنِ ارتَبتُم فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشهُرٍ وَاللّائي لَم يَحِضنَ) لكنني أعلم ومتأكدة من أن المقصد من الآية ليس إباحة الزواج من طفلة لم تبلغ، لأن ديننا دين رحمة وهذا التصرف لا يمت للرحمة بصلة.. وبالرغم من أن غالبية  كتب التفسير والفقه اتفقت على أنه يفهم من الآية جواز نكاح الأطفال، إلا أنني لم أصدق هذه الخزعبلات أبدا، وثقتي بربي وبديني كاملة.. لكن ما هو التفسير الصحيح للآية.

الجواب: في الحقيقة لا أعلم كيف يمكن لإنسان عاقل أنْ يصدق أنّ دين الله تعالى الذي هو دين الفطرة يبيح زواج الأطفال والرضع، ومعلوم أن الفطرة السوية لا تقبل الزواج من الصغار لأنهم ليسوا محلا له أصلا كما أنه فوق معارفهم ومداركهم، كما أنه تكليف عظيم قد يعجز عنه البالغون الراشدون فكيف بالأطفال الذين ينتزعون من بين ذويهم ليكلفوا فوق ما يطيقون؟.

الإسلام هو دين الحنيفية، والحنف هو الميل من الضلال إلى الاستقامة، أما الجنف فهو الميل من الاستقامة إلى الضلال. ومسألة تشريع زواج الأطفال جنف افتري على الله تعالى بتحريف كلامه وعلى رسوله الكريم بالافتراء عليه أنه تزوج من السيدة عائشة وهي ابنة تسع سنين؛ وهذا يعد ويندرج تحت التحريف الذي حذرنا الله تعالى منه في كتابه حيث أخبر الله تعالى رسوله بأن هؤلاء وأمثالهم ممن سيأتون بعده ستمتد أيديهم إلى كتاب الله تعالى بالتحريف، وهم الذين توعدهم ربهم بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْۛ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُواۛ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ المائدة (41)

ومن الجدير ذكره أن تحريفهم لم ينل النص من كتاب الله تعالى بل نال المقاصد والمعاني، والآية التي ذكرتها في سؤالك واحدة مما ناله تحريف المعنى.

يقول الله تَعَالَىٰ: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَۚ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّۚ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ الطلاق (4)

فكثير من الفقهاء والمفسرين عرفوا  ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ بأنهن النساء اللائي بلغن سن اليأس وانقطاع المحيض عنهن بصورة نهائية بحيث أنهن قد يئسن من عودته، وإن كان الأمر كما يقولون فما فائدة قوله  ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ ما دام هناك تثبت من انقطاعه؟.

أما المتدبر للآية فيدرك أن كلمة يئسن هنا لا تعني يأس المرأة ببلوغها سن انقطاع الحيض كما هو متعارف عليه، ولكنهن النساء اللائي يعانين من عدم انتظام المحيض، ولا علاقة له بسن المرأة، فبعض النساء العشرينات أو الثلاثينات قد يعانين من مشكلات هرمونية فيأتيها المحيض شهرًا ويغيب شهورًا، وهذا مدلول قوله تعالى ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾، فهؤلاء النساء يصعب أو يكاد يكون مستحيلًا حساب أو تحديد أيام محيضهن، مما يترتب عليه ظلمهن إذا طلب منهن الانتظار إلى أن يحضن ثلاث مرات وهو قد يستغرق سنة أو سنوات، فجعل الله سبحانه عدتها ثلاثة أشهر كي لا تطول فترة عدتها، ولو كان المقصود من كلمة يئسن أنهن النساء اللائي انقطع المحيض عنهن تمامًا لكانت جملة ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ حشوًا زائدًا، حاشا لكتاب الله تعالى عنه.

ثم تحدثت الآية الكريمة عن ﴿اللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ وهن النساء اللائي انقطع الحيض عنهن تمامًا لأسباب مختلفة سواء بلوغها سن انقطاع الحيض، أو اللائي لم يأتهن المحيض من الأساس، وهو أمر معروف طبيًا ووارد الحدوث كمرضى ضمور الرحم، أو من يتعرضن لحادث يعطل عمل الرحم أو من يصبن بأورام الرحم الذي يؤدي إلى استئصاله ومن ثم لم تعد تحيض.

ولو كان المقصود من قوله تعالى ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ هن الأطفال والرضيعات لقال الله تعالى (واللائي لم يحضن بعد) أو (واللائي لما يحضن ) ولكن أصحاب القلوب المريضة (الذين في قلوبهم زيغ) يغضون الطرف عن وضوح الآيات البينات ويركضون وراء شهواتهم. وليتهم يقولون قولهم من عند أنفسهم، ولكنهم يفترون على الله الكذب وهم يعلمون.

وهذه ليست الآية الوحيدة التي ترد قولهم وتنفي ادعاءهم، فقد قَالَ جَلَّ في عُلاه: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ النساء (6) وإن كانت الآية جاءت في موضع عدم أكل أموال اليتامى ظلمًا ولكننا نستخلص منها حكمة غاية في الأهمية ألا وهي:

أن الله سبحانه قد اشترط أن يبلغ اليتيم ويصبح راشدا ليحصل على ماله فيجيد التصرف فيه ولا يضيعه، ولم تكتف الآية بذكر البلوغ فقط، وهذا منسجم مع ما قررته الآية السابقة: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ ثم أمرنا أن نختبر هؤلاء اليتامي للتأكد من قدرتهم على الحفاظ على أموالهم.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل حرمة المال أكبر عند الله تعالى من حرمة إنشاء الأسرة ورعايتها وتوطيد أركانها والحفاظ عليها حتى يبيح الله تعالى الزواج من الصغيرات أو الرضيعات اللائي هن في أمس الحاجة إلى الرعاية؟ فهل مثل هؤلاء الصغيرات يتحملن مسؤولية رجل وبيت وأطفال؟!

وكما تم افتراء هذا الحكم على الله افتروه كذلك على رسوله حين نسبوا إليه خطبة طفلة في عمر ست سنوات والدخول بها في عمر التسع سنوات، أي بسن الطفولة المبكر! فحاشا للنبي الكريم صاحب الخلق العظيم أن يفعل هذا. وسوف يُسأل كل من قال به أو حتى صدقه عنه.

ومما يدل على بطلان زعمهم قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةًۚ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ النساء (4)

فهل الطفلة أهل لأن تأخذ مهرها بنفسها؟ وهل تستطيع أن تتنازل عن بعضه لزوجها بطيب نفس منها؟!

وهل تلك الطفلة تستطيع أخذ الميثاق الغليظ من زوجها: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ النساء (21)؟!

وللمزيد حول الموضوع ننصح بقراءة مقالة أ.د عبد العزيز بايندر (زواج الصغار) على هذا الرابط

https://www.hablullah.com/?p=2897

 

 

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.