حبل الله
منزلة الفقه من الدين

منزلة الفقه من الدين

الفقه : ليس هو الدين، الفقه – في أحسن أحواله- :

– معالجاتٌ، تنطلق من وعي لحظة إنتاجها، لقضايا ليست كلها من اختصاص الدين،

– أتى بها رجال ظنوا أن على الدين أن يقول كلمته في كل التفاصيل !

هناك أكثر من ملاحظة هنا :

– الأولى : أنَّ الدين ليس معنياً بتقديم إجابات لكل التفاصيل الدنيوية، حيث إنَّ معظم ما تتضمنه تفاصيل الناس هو مما تركه الله مباحاً لهم، لِيُنَظِّمُوه وفقاً لـ “المسموح والممنوع الدنيوي” [المنبثق عن مهمة “الإعمار” التي كَلَّفنا اللهُ تعالى بها]، وليس وفق “الواجب والحرام الديني” [الذي دائرته “ضيقة” و”مُحَدَّدة” بعدد من الأوامر والنواهي “الصريحة” و”القليلة غير المتكاثرة”].

– الثانية : أنَّ الفقهَ أخذ العقلَ الديني في اتجاه “التركيز على الفروع”، بدلاً من “قضايا الدين الكلية”، فصار الدينُ – [في مقاربتنا له]- مشغولاً بما لا يليق به، بينما “تُرِكَت أمهات القضايا مُهْمَلَة”، وكأنها مِن خارجه !

– الثالثة : أنَّ الفقهَ مِن “إنتاج اللحظة”، لا يتصف بالخلود، بخلاف [أسس] الدين [..]،

لكنَّ الفقهَ – [في لاوعينا]- احتلَّ موقعَ [أسس] الدينِ مِن حيث الثبات والإطلاق !

إنَّ إحدى مظاهر رجعيتنا : تكلسنا أمام التفاصيل الفقهية التاريخية، وتجاهلنا لكليات الدين وغاياته (وعلى رأسها الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية) [..].

الحرية مثلاً، أهم مرتكزات [أي رسالة سماوية نازلة من السماء]؛ حيث لا تكليف بلا حرية، والحياة لا يصنعها العبيد، فإنْ حَقَّقَ غيرُ المتدينين قيمةَ الحرية : فسَيَسْبِقُونَ المتدينين إلى صناعة الحياة، والعدالة، والمساواة، والمسئولية الفردية عن اختيار الأعمال، والكرامة الإنسانية، ورفض الظلم والاستبداد، [وغيرها من قضايا] الدين التي يَنْزِل مِن أجلها،

ولكنَّ الشيوخَ تركوا هذه القضايا لغير المتدينين (!)، واستبدلوا بها “الفقهَ التفصيلي التفريعي” الذي لو رَاجَعْتَ معظَمَه لوَجَدته مِن بنات أفكار لحظات تاريخية بعينها، وأيضاً ليس من عمق، ولا في صلب، القضايا الدينية [..].

[ومِن يتدبر القرآن الكريم يتبين له أنَّ] منهجه : توجيه التفكير نحو الكليات، وتجاهله المتعمد للثانويات،

وبما أنه لا شيء في القرآن الكريم غير مقصود؛ فالله سبحانه ما قال شيئاً إلا لأنه يريد قوله، وما أهمل شيئاً إلا لأنه يريد إهماله،

وبما أن ذلك كذلك : فسنعرض بعض النماذج القرآنية، التي تنطق بوضوح – لا يخفى حتى على صغار الباحثين- بمنهج قرآني يكاد يتكرر في كل القضايا التي عرض لها القرآن الكريم، والتي يمكن التعبير عنها باختصار في : أن القرآن الكريم “يتجاهل عمداً صغار التفاصيل، التي لا يراها ذات أهمية في توجيه حركة الحياة الإنسانية، إلى حيث “غايات القرآن الكبرى”،

بمعنى أنه يريد لنا :

– أن نُمْعِنَ التفكير في الكليات، [ومن ثم، كيفيات مقارباتها بما يناسب الزمان والمكان والإمكان]،

– وأنْ لا نَسْتَنْزِفَ أوقاتنا وجهودنا فيما لا طائل منه، ولا فائدة مرجوة،

وهذا على خلاف ما انغمس فيه العقل الديني [التقليدي] فيما بعد، حينما راح يغرق في تفاصيل التفاصيل،

وبالتأكيد لن تُبْقِيَ هذه التفاصيلُ، للعقل الذي اسْتَنْزَفَتْهُ، حيزاً للكليات، التي هي جوهرُ وِجْهَةِ القرآن الكريم.

ودونك – على سبيل المثال لا الحصر- :

1- قصة أصحاب الكهف :

– حيث يعرج القرآن على الجدل حول عدد الفتية الذين أووا إلى الكهف [..]، فيمتنع القرآن عن تحديد العدد، وكان يمكنه – لو كان يرى في العدد قضية ذات شأن- أن يحسم القضية بكلمة واحدة، كأن يقول: ثلاثة، أو خمسة، أو أي عدد يعلمه الله، ولن تستطيع أي جهة نفي أو إثبات عكس ما قرره القرآن، في قضية تاريخية، هي فقط من علم الغيب،

– لكن القرآن لم يفعل، وبالتأكيد ليس سهواً ولا سِنَةً ولا نوماً، ولا عن غير معرفة، وإنما القضية، بكل بساطة، هي : ماذا يفيد العدد ؟!

ووجهة القرآن إنما تتحدث عن العبرة المتمثلة في ثبات مجموعة من الفتية على إيمانهم، ورفضهم الاستجابة للتهديدات التي عبر عنها القرآن في قوله : “إنهم إنْ يظهروا عليكم : يرجموكم، أو يعيدوكم في ملتهم، ولن تفلحوا إذن أبداً”،

فالقرآن هنا يحدثنا عن “نموذج للثبات على الدين”، دون أن ينشغل في أسماء وأعداد أولئك الفتية، ولا حتى في ذكر موقع الكهف الذي آووا إليه، فتلك ليست مهمة القرآن، ولا هي من القضايا التي يجب أن تشغل “العقل الديني”؛ لأنها ليست ذات فائدة في سياق العبرة التي يريد لنا القرآن الكريم أن نستخلصها من هذه القصة.

2- وقصة ابنَيْ آدم أيضاً، لم يلتفت القرآن للأسماء، إن كانا قابيل وهابيل، أو أية أسماء أخرى، فماذا ستضيف الأسماء لطبيعة الحوار بين منطقي “التسامح” و”العدوان” ؟!

3- وقصة العبد الصالح، الذي ذهب موسى ليبحث عنه، قال تعالى : “فوجدا عبداً من عبادنا، آتيناه رحمة من عندنا، وعلمناه من لدنا علماً” : ماذا كان سيضير القرآن الكريم لو قال : “إن اسمه كذا أو كذا”. المسألة هنا هي أن الاسم ليس هو موضوع القرآن، ولا تضيف معرفته، أو بقاؤه مجهولاً، شيئاً جديداً ذا قيمة للعبرة التي يريد لنا القرآن استخلاصها هنا [..].

إن البحث التاريخي، والعلمي، والأركيولوجي، هو مهمة الإنسان؛ لأنه المُسْتَعْمَرُ في الأرض، أما القرآن فهو كتابُ هدايةٍ، يَرْوِي من القصص ما تحتاجه العبرة التي يريد تقديمها (ومن المؤسف – على سبيل المثال- أن نقرأ القرآن بعيون التوراة، وأن نتبنى بالتمام والكمال ما قالته التوراة، رغم تأكيد القرآن المتكرر على حجم التحريف الذي أصابها) [..].

وليست الأمثلة السابقة هي كل ما في القرآن، فإنما هي مجرد نماذج تجد شبيهاتها متكررة مع كل موضوعة من مواضيع القرآن، فهو – مثلاً- :

1- لم يهتم بذكر اسم فرعون موسى،

2- ولا بأسماء الرسل الذين أرسلهم للقرية التي جاء على ذكرها : “إذا أرسلنا إليهم اثنين، فكذبوهما، فعززنا بثالث”،

3- ولم ينشغل في مقاييس وألوان وهيئة اللباس، وإنما اكتفى بالتنبيه على ما يَسْتُر،

4- ولم ينشغل في أن يحدد لك يمين الطريق أم يسارها للمشي، وإنما اكتفى بالنهي عن إظهار التكبر في المشي، والتفاخر على الناس،

5- .. إلخ.

ومقابل هذا التجاهل للتفاصيل غير المهمة : لم يترك القرآن أي فرصة إلا :

– وأمر بالعدل، ونهى عن الظلم،

– وأشاد بالمُنْفِقين والمتصدقين، وذَمَّ الشُّحَّ والبخل،

– وطالب الناس بما ينفع الناس،

– .. إلخ.

ولكنْ، العقل الديني [التقليدي] ذهب – بكل أسف، وبمرور الوقت- في اتجاه الانشغال في تفاصيل التفاصيل، فأغرقنا في مبالغاتٍ ذَهَبَتْ بالدين بعيداً عن وِجْهَتِهِ، حتى كتب أحدهم “ثلاثة عشر مجلداً” في “فقه الطهارة”، في حين إن القرآن قد اكتفى بـ “[آيتين – في النساء والمائدة- أَجْمَلَ فيهما] موضوع الطهارة” !

ولا يمكن لعقل تستفزه قضايا هامشية، أنْ يُعْطِيَ أيَّ أولويةٍ لأي قضايا جوهرية.

بينما اللهُ سبحانه أعظم مِن أنْ يَشْغَلَنا دينُهُ بما لا وزن له، بينما لا يُبْدِى اهتماماً لِمَا تُبْنَى عليه الحياة الإنسانية كلها !

[جميل عبد النبي – بتصرف وزيادة طفيفين]

#إضاءات_ومراجعات_يحيى_جاد

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.