حبل الله
الخضوع بالقول

الخضوع بالقول

السؤال: في سورة الأحزاب في الآيات الموجهة لأمهات المؤمنين أمرن بعدم الخضوع بالقول، هل يتضمن الخضوع بالقول الغناء أو المزاح بين الرجل والمرأة أو أي قول قد يجعل الرجل يعجب بالمرأة؟ وهل يصح أن يقال أن هذا أمر مخصوص بأمهات المؤمنين كما في الأمر بالحجاب أم أنه شرع لعلة معلومة كما الأمر بالقرار في البيوت فيعمم على سائر النساء.

الجواب: في البداية ينبغي علينا التفريق بين الأمور الخاصة بنساء النبي وبين الأمور التي تشمل بقية النساء.

فقد فرض الله تعالى على نساء النبي أمورًا خاصة دون بقية النساء ألا وهي:

  • عدم زواجهن بعد وفاة النبي الكريم قَالَ اللَّهُ جَلَّ وعَلَا: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًاۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ الأحزاب (53).
  • وألا يتحدثن مع الرجال إلا من وراء حجاب، والحجاب الذي فرضه الله تعالى على نساء النبي يعني وجود حائل أو حاجز (كحائط أو جدار أو باب) يحول دون رؤية الرجال لنساء النبي بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍۚ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّۚ﴾ الأحزاب (53)

هذا فيما يتعلق بالأمر الخاص بنساء النبي، ولكن هناك أمور أخرى تشترك فيها المؤمنات معهن وإن كان الخطاب فيها موجه لنساء النبي ألا وهي:

  • التزام الزي واللباس الشرعي، قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَاۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾ النّور (31)

فالخطاب كما نرى موجه لعموم المؤمنات وليس خاصًا بنساء النبي كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ الأحزاب (59)

  • عدم الخضوع بالقول والقرَّ في البيوت وعدم التبرج فاللَّهُ سُبْحَانَهُ وتَعَالَىٰ يقول: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ الأحزاب (33) فمما لا شك فيه أن الله تعالى يريد ذهاب الرجس و صون المرأة عن الطمع فيها سواء كن نساء النبي أم كل النساء.

وعلينا أن نفهم العلة التي من أجلها قد وجه الله تعالى خطابه لنساء النبي بالرغم أن الأمر فيها يشمل جميع النساء وذلك لسببين بينهما الله تعالى في كتابه:

  • فالله تعالى يقول: (لستن كأحد من النساء) وذلك لأنهن محرم عليهن الزواج بعد النبي مما يترتب عليه أنهن إذا خضعن بالقول أمام الرجال فلن يفهم الشخص الذي أمامها إلا سوء الظن بها وذلك بخلاف بقية النساء فلربما فهم الشخص أنها ترغب بالزواج به.
  • وكذلك لأنهن أكثر النساء بل أكثر المؤمنين قربًا من النبي وبالتالي فإنه ينبغي عليهن أن يلتزمن أكثر من غيرهن بتعاليم الكتاب والحكمة التي يتلوها النبي بنفسه عليهن وهذه ميزة[1] لا توجد عند غيرهن من النساء بدليل الآية التالية لها مباشرة ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ الأحزاب (34)

وإذا جئنا لكافة النساء فإن الله تعالى قد حفظ المرأة وجعل لها أحكامًا خاصة في كتابه وأنزل سورة باسم النساء تبين الكثير من الأحكام التي تخصهن لتبقى المرأة محفوظة كما أراد اللَّهُ جَلَّ وعَلَا: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ النساء (34).

والخضوع بالقول مع الرجال لا يُقصد به مجرد الحديث أو المزاح العفيف بخفض الصوت ومراعاة الآداب وغض البصر، بل يُقصد به ترقيق الصوت أو التكسر عند التحدث بما يعطي تلميحًا بشيء سيء، وكذلك المزاح الذي يكون برفع الصوت والضحك بشكل غير لائق أو بالكلام الذي يحوي ألفاظًا تخدش الحياء وبعيد عن الأدب أو بالحديث في أمور تخص النساء فقط.

وقد بين لنا الله تعالى السبب في ذلك بقوله (فيطمع الذي في قلبه مرض) فربما كانت المرأة لا تقصد شيئًا ولكن الرجل الذي أمامها قد يكون مريض القلب فيظن بها الظن السيء وقد يفهم أنها تلمح لمعصية؛ فيطمع بها مما يلحق بها الأذى المعنوي بتشويه سمعتها أو المادي بتعرضها لأذى منه كمحاولة التحرش بها أو الاعتداء عليها.

وكذلك الأمر بالنسبة للقر في البيوت فليس معناه ألا تخرج المرأة من بيتها، بل يعني أن بقاءها في بيتها أفضل لها لتربية أبنائها وتنشئتهم تنشئة صالحة وعدم تركهم لأصحاب السوء، وهذا الأمر الذي تستهين به كثير من النساء وتظن أنه عمل يحطُّ من قدرها وينتقص من مكانتها في المجتمع، وهي لا تعلم أن الله تعالى بينما أوجب على الرجال الشقاء وتشييد البينان جعل للمرأة مهمة أعظم برعاية أبنائها وبناء شخصية الإنسان.

وهذا لا يمنع _بالطبع_ أن تخرج المرأة لطلب العلم أو للعمل إذا كانت بحاجة إليه وغير ذلك من الأمور كالتنزه وقضاء حوائجها وحاجات بيتها، ولكن عليها أن تلتزم بتلك القواعد الأساسية التي أرساها الله تعالى لها من عدم التبرج كتبرج الجاهلية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  إن نساء النبي لم يكتسبن فضلًا زائدًا على بقية النساء كونهن تزوجن من النبي فقط (بالطبع الزواج من النبي شرف عظيم) ولكن المقصود أنه بزواجهن من النبي أصبح العبء عليهن أكبر من بقية النساء في ضرورة المحافظة على سيرتهن نقية لأنها سوف تؤثر على سيرة النبي العطرة. وذلك بدليل أن العذاب لهن سوف يكون مضاعفًا في حالة الخطأ كما جاء في قوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ الأحزاب (30) وبالتالي فإن نساء النبي عليهن أن يقرن في بيوتهن أكثر من غيرهن ولا يخرجن إلا للضرورة ولا يتحدثن مع أحد من الرجال إلا بقدر الحاجة ومن وراء حجاب كما أوضحنا.

 

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.