حبل الله
نكاح المتعة ودعوى النسخ

نكاح المتعة ودعوى النسخ

السؤال: كنتم قد بينتم في عدة مقالات أن القرآن الكريم كافٍ في تفسير نفسه بنفسه (وطبعاً لا يمكن الإستغناء عن سنة الرسول عليه الصلاة و السلام أو الحكمة في تبيان الأمور) كما لا يمكن للأحاديث أن تنسخ أيا من الآيات القرآنية. لكن قد أشكلت علي الآية: فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا. النساء (24). وقد استند الشيعة لهذه الآية في تشريع زواج المتعة، أما أهل السنة فيعتبرونها تشريعها منسوخا استناداً للأحاديث النبوية. هنا كيف يمكن أن نعرف أن هذه الآية منسوخة لولا حديث الرسول.

الجواب: هذه الآية ليست منسوخة، ولا يصح أن يقال بالنسخ، لا سيما نسخ الآية بالرواية.

أما المتعة المذكورة في الآية لا يُقصد بها نكاح المتعة المزعوم، إنما هي المتعة المتحصلة بالنكاح المشروع، فالمتعة المذكورة في قوله تعالى (فما استمتعتم به منهن) هي إحدى أشكال السكنى التي تزيد من المودة بين الزوجين، هذه المتعة هي أحد الأسباب التي تجعل الزوجين يتغلبان على مشاكل الحياة اليومية وتمنحهم من الطاقة المتجددة لمواجهة الصعوبات نتيجة تفريغ الشهوة وتلبية احتياجات الفطرة التي خلقها الله تعالى في الإنسان.

وأما قوله تعالى (فأتوهن أجورهن فريضة) فقد جاء استخدام اللفظ الدقيق لكلمة الأجر ليؤكد سبحانه على أن المهر وكذلك النفقة حق للزوجة لا يمكن للزوج التهاون فيه أو التهرب منه كأن يعتبر زوجته بعد الزواج ملكية خاصة وبالتالي ينكر حقها ويتساهل في أمرها وحقوقها ويستحل مهرها، فجاء لفظ الأجر ليذكره أن الزوجة ليست مملوكة له وأن المهر وكذلك النفقة أمور واجبة لها ما بقيت معه، وقد بين سبحانه في نفس الآية أنه لا جناح عليه إذا رضيت الزوجة بأن تهب شيئا من المهر لزوجها عن طيب نفس منها مراعاة لظروف الزوج (ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة).

فكلمة الأجر لا تعني دفع المال مقابل المتعة – وإلا علينا أن نقول أنه في كل مرة يأتي الزوج زوجته يدفع لها أجرًا!! – ولكنها تعني مقابلة الإحسان بالإحسان، فهذه الزوجة التي تركت بيت أهلها وتفرغت لرعاية زوجها وأبنائهما وتحملت مسئولية بيتها وقدمت كل ما لديها للحفاظ على قوام البيت بما حفظ الله تستحق أن يبذل الزوج لها من ماله مهرا ونفقة.

ويدل على ذلك قول اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِۚ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْۚ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍۚ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ النساء (25).

فالله تعالى يقول (فانكحونهن بإذن أهلهن) فهل يوجد من الأهل من يرضى أن يعطي ابنته لرجل يستمتع بها مقابل المال تحت مسمى زواج المتعة؟!

وقوله تعالى (محصنات غير مسافحات) هل يتفق الإحصان مع زواج مؤقت يقصد به المتعة؟ أم هو السفاح بعينه تحت مسمى زواج؟!

وكذلك قوله تعالى (ولا متخذات أخدان) دليل على تحريم ما يسمى زواج المتعة، لأنه ضرب من اتخاذ الأخدان.

ومما يؤكد هذا الأمر قوله تعالى لرسوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَۗ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ الأحزاب (50)

فهل تزوج الرسول نساءه زواجا مشروعا أم متعة؟! أم أن تلك الروايات هي التي افترت على النبي ذلك القول وهو برىء منه؟!

وهل يتفق ما يسمى بزواج المتعة مع هذا العقد الذي أسماه رب العالمين بالميثاق الغليظ ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ النساء (21).

فالزواج الذي شرعه الله سبحانه صيانة للإنسان لا يصح أن يكون محلًا للصفقات أو مجرد وعاء لتفريغ الشهوات.

وختامًا: فإن الزواج المشروع له شكل واحد جعله الله آية من آياته قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ الرّوم (21)

*وللمزيد حول الموضوع ننصح بقراءة مقالة (نكاح المتعة في ضوء القرآن) على الرابط التالي

نكاح المتعة في ضوء القرآن

 

 

 

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.