حبل الله
متى تنهى الصلاة عن الفحشاء والمنكر؟

متى تنهى الصلاة عن الفحشاء والمنكر؟

السؤال: لقد تناقشت مع بعض الأصدقاء حول ما إذا أدى المسلم الصلاة المفروضة ثم بعد ذلك مباشرة، ارتكب فحشاء أو منكرا. فهل يمكن النقاش حول هذا الموضوع لعامة الناس؟ وهل يمكن القول بأن هذا العمل الفاحش والمنكر بعد أداء الصلاة مباشرة هو من علامات عدم قبول الصلاة بصفة عامة، وليس على وجه التخصيص، كالقول بأن فلاناً أدى صلاة العصر ثم ارتكب فاحشة أو منكرا، وأن فعله هذا هو من علامات عدم قبول صلاته؟ أرجو الإفادة رحمكم الله. 

الجواب: هذا السؤال ينقسم إلى شقين:

الشق الأول: ما يتعلق بإمكانية مناقشة موضوع السؤال مع عامة الناس؟

يجيب علينا الله تعالى في كتابه بقوله ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ الحج (78) ومن هذا المنطلق فليس ثمة حرج من طرح أي سؤال والإجابة عنه مادام السائل يقصد التعلم والمسئول يتبع المنهج الصحيح في الإجابة عن سؤاله وكلاهما يتأدب بأدب العلم في الطرح والنقاش، وكذلك ليس هناك تساؤلات تصلح لخاصة الناس وأخرى لعامتهم فدين الله وكتابه أنزل لجميع الناس قَالَ جَلَّ في عُلاه: ﴿هَٰذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ آل عمران (138) ولكن الذي يختلف هو طريقة عرض المسألة وبيانها لخاصة الناس (الذين يقصد بهم العلماء) وعامتهم (وهم غير المتخصصين أو الذين لم ينالوا حظًا من العلم)؛ حيث أن لكل مقام مقال.

الشق الثاني: ما يتعلق بقضة قبول الصلاة وفعل المنكرات؟

فهذه قضية من أهم القضايا التي يواجه مجتمعنا فيها خللًا جمًا نتيجة الفهم الخاطئ في مفهوم الصلاة.

فكثير من الناس يعتقد أن الصلاة هي مجرد ركن من أركان الدين إذا أداها الإنسان فقد أدى ما عليه تجاه نفسه وأمام الله كأنها واجب من الواجبات وقد سقط عنه حساب هذا الركن، وهناك من يؤديها طاعة لله وخوفًا من العقاب، وهناك من يؤديها كعبادة يؤديها لله تعالى وتراه يقول في نفسه أن الله تعالى قد أعطاه الكثير من النعم وواجب عليه شكره من خلال تأديته لهذه الصلاة، وهناك من يؤديها كنوع من تكفير الذنوب التي يفعلها في يومه.

وفي الحقيقة جميع الفرق السابقة لم يفهموا المعنى الحقيقي للصلاة، وكذلك لم يدركوا الحكمة التي من أجلها فرض الله تعالى الصلاة على عباده، وبالتالي فإن كثيراً من الناس يؤدون الصلوات الخمس في أوقاتها ثم يرتكبوا المحرمات أو يفعلوا المنكرات.

فالصلاة ليست ركنًا يجب علينا تأديته لإسقاط الحساب والنجاة من العذاب، كما أن الله سبحانه لم يفرض الصلاة على عباده من أجل شكر النعم أو حتى لأنه تعالى مستحق للتعبد بها فحسب، ذلك أن الله تعالى غني عن العالمين، بالإضافة إلى أن الصلاة ليست عصا سحرية تمنع الإنسان من ارتكاب الفواحش بمجرد تأديتها وإسقاط عقابها.

فالصلاة بهذا الشكل لا تعدو مجرد حركات لا تسمن ولا تغني من جوع، ولن تؤدي إلى الهدف المنشود منها إلا إذا كانت على وجهها الصحيح وذلك بتصحيح النية التي يتوجه بها العبد لربه سبحانه وتعالى.

ولنضرب على ذلك مثالًا (ولله المثل الأعلى) فإن الجنين في بطن أمه يتلقى غذاءه من خلال الحبل الذي إذا انقطع مات الجنين، فهذا الحبل السري هو بمثابة الصلاة الذي يستمد من خلالها المؤمن غذاء روحه، وإذا قطعها شكلًا بعدم الصلاة أو مضمونًا بأن يؤديها مجرد حركات، فإن روحه سوف تتلاشى ويبقى جسدًا خاليًا من الحياة الطيبة.

فمعنى الصلاة الحقيقية تأتي من الصلة بين العبد وربه، وهي الروح التي تُستمد من الله تعالى، تلك الروح التي تبث في الإنسان كل معاني الرحمة والصدق والعدل وغيرها من الصفات الإلهية والربانية.

ومن هنا فإن الحكمة من فرض الصلاة على العباد ليست لمنفعة تعود على الله تعالى، وإنما هي لمصلحة العبد نفسه ليستمد الطاقة التي يحتاجها في حياته ليحيا حياة كريمة.

ولذلك نجد الأمر بالصلاة في القرآن لم يأت بلفظ (أدِ الصلاة) أو (أدوا) وإنما نجد اللفظ الذي يعبر عن الشكل المطلوب، قَالَ سُبْحَانَهُ و تَعَالَىٰ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ الإسراء (78).

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ البقرة (43).

فإقامة الصلاة تختلف عن كونها مجرد حركات خالية من الروح، فليس للحركات قيمة مادام العقل والقلب متوجهًا لغير وجه الله تعالى. ولذلك نجد أن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِۖ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَۚ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ الأعراف (29).

فالإنسان في المسجد بالطبع سوف يقيم الصلاة ولكنه في الوقت نفسه عليه أن يقيم وجهه (المراد به هنا ليس وجه الإنسان المتعارف عليه كجزء من الجسد) وإنما المقصود وجهته من النية الخالصة وتوجهاته من العمل الصالح.

تلك هي الصلاة التي يقبلها الله سبحانه التي يقول فيها: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ العنكبوت (45) فالصلاة جاءت بعد التلاوة التي يقصد بها الاتباع وليس مجرد قراءة الكتاب باللسان.

فإذا رأينا إنسانًا يصلي ثم يرتكب الفواحش والمنكرات، فعلينا أن ندرك أنه لم يصلِ صلاة حقيقة خاشعة قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وتَعَالَىٰ: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ المؤمنون (2)

ولو تدبرنا قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ الماعون (5) سوف نجد الويل للمصلين الساهين عن صلاتهم وليس فقط لتاركي الصلاة أو من يؤخرونها عن وقتها، ولكن السهو هنا يشمل هؤلاء الذين يؤدون حركات الصلاة كاملة لكنهم سهوا عن مضمونها، فنراهم يكبرون الله فيها لكنهم لا يكبرونه في قلوبهم عندما يشهدون الزور أو يرتشون أو يأكلون شتى ألوان الحرام، تراهم يتلون الفاتحة في صلاتهم كل يوم مرارًا وتكرارًا ويدعون فيها بالهداية إلى الطريق المستقيم لكنهم لا يبذلون أي جهد نحو هذا الطريق، وكأن الهدى سوف يتخطفهم من طريق المغضوب عليهم والضالين ويوجههم عنوة إلى صراط الذين أنعم الله عليهم.

فقد يكون المصلي ساهيًا في صلاته وهو يصلي خلف الإمام في المسجد، فالعبرة ليست بالشكل الذي أصبح سمة الكثير من الناس ممن لا يفوتهم فرض، وعلامة السجود تعلو جباههم، بل إنهم قد يكونون ممن يطلقون على أنفسهم الدعاة إلى الدين لكنهم لا يتورعون عن نصرة الظالمين من الحكام ويرفعون أيديهم إلى الله بالدعاء لهم في الوقت الذي تعج فيه السجون في أراضي المسلمين بالمخلصين من الدعاة والعلماء والمفكرين.

المقياس الحقيقي لقبول صلاة المرء يكون بقدر ما تنهاه صلاته عن الفحشاء والمنكر واستقامته على الطريق وتطبيقه لشرع الله وكتابه بشكل عملي، فكلما أقدم على فعل شيء تذكر قول الله تعالى فيه وعاش معاني الكتاب قولًا وعملًا.

فمسألة القبول قد بينها الله تعالى في كتابه ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ المائدة (27)

فالله تعالى لم يقل (إنما يتقبل الله من المصلين)

فالإنسان الذي يريد أن يتقبل الله منه صلاته عليه في البداية أن يصلح ما في قلبه ويتقي الله ربه في عمله ثم يأتي دور الصلاة في تثبيت ما نواه وما فعله.

وعلينا أن نلاحظ قوله تعالى ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ البقرة (45) حيث جاء لفظ الاستعانة الذي يعني أن يبدأ الإنسان بنفسه ثم يستعين بالله تعالى على إكمال المسيرة، ولذلك جاءت الاستعانة بعد قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ البقرة (44).

وهذا هو حال أغلب الناس مع الصلاة التي تنفصل عن القول والعمل، صلاة تجعلنا من الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم.

فالله سبحانه لم يجعل الصلاة كالعصا السحرية التي تغير الإنسان بمجرد تأديتها بل على هذا الإنسان أن يتوب إلى ربه ويتبعد عن تلك المعاصي حتى يعينه الله على ذلك قَالَ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ الرعد (11)

وفي الوقت نفسه يجب التنويه لأمر هام:

ألا وهي فكرة أن الإنسان الذي يقيم الصلاة على وجهها لن يخطئ ولن يتركب المنكرات؟ فهل هذا صحيح؟!

بالطبع كلا، فالله تعالى يعلم ضعف النفس البشرية ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْۚ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ النساء (28)

ولكن الإنسان المصلي المدوام على صلاته يتجنب الكبائر قَالَ اللَّهُ تَعَالَىٰ: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَۚ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِۚ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْۖ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ﴾ النجم (32).

وحتى إذا هوى وسقط في الفاحشة لا بد له أن يعود إلى ربه ويتوب إليه. قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ آل عمران (135)

وهنا يتضح الفرق بين من يؤدي الصلاة كحركات ومن يقيهما كصلة وقربة واستعانة، ألا وهو عدم الإصرار على فعل الذنب والإسراع في الاستغفار، حتى يقبل الله تعالى منه ويعفو عن تقصيره قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِۖ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ الأحقاف (16).

وإذا صدق الإنسان مع ربه وأخلص نيته واتخذ الخطوة الأولى للابتعاد عن الفواحش والمنكرات وخشع في صلاته فإن وعد الله تعالى سوف يتحقق لا محالة وسوف تنهاه صلاته وتعيده إلى صوابه قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وتَعَالَىٰ: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ العنكبوت (69).

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.