حبل الله
طلاق الزوجة بسبب هرمها أو مرضها

طلاق الزوجة بسبب هرمها أو مرضها

السؤال: أردت أن أعرف رأيكم وتعليقكم على الرواية التي تفيد بأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد طلاق زوجته أم المؤمنين سودة رضي الله عنها بسبب أنها أسنت، لكنها آثرت البقاء مع النبي صلى الله عليه وسلم وأعطت يومها لأم المؤمنين عائشة، قال القرطبي في تفسيره نقلاً عن ابن أبي مليكة: إن سودة بنت زمعة لما أسنت أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلقها فآثرت الكون معه فقالت له أمسكني واجعل يومي لعائشة ففعل صلى الله عليه وسلم وماتت وهي من أزواجه. انتهى.

وبهذا استدل العلماء على جواز طلاق المرء زوجته إذا كره منها كبرا أو دمامة أو نحو ذلك، وفي البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها: وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو اعراضاً قالت: الرجل تكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها، فتقول أجعلك من شأني في حل، فنزلت هذه الآية في ذلك.

فهل من المقبول في ديننا أن يطلق الرجل زوجته بعدما تهرم؟ وماذا عن حسن العشرة ورد الجميل؟.

الجواب: في البداية ينبغي التنويه لأمرين هامين:

الأول: مسألة أن يرى الزوج من زوجته دمامة ويريد أن يطلقها، فالله سبحانه وتعالى لم يخلق إنسانًا دميمًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَىٰ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ التين (4)

ومسألة جمال المرأة ووسامة الرجل هي مسألة نسبية، فما يعجب شخصًا قد لا يعجب الآخر، وما يروق لهذا قد لا يروق لغيره، ولهذا خلقنا الله سبحانه مختلفين في اللون واللسان والطباع قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ الرّوم (22)

ولنفترض أن السائل قد رأى من زوجته ما يكرهه فالسؤال هنا: هل فوجئ الزوج بدمامة زوجته (كما يقول) بعد الزواج؟

الأمر الثاني: مسألة كبر الزوجة وعدم الاستمتاع بها في علاقة الرفث، فالسؤال الذي يطرح هنا: هل بُني الزواج الذي جعله الله تعالى آية من آياته فقط من أجل هذه العلاقة؟ وإذا مرضت الزوجة أو أسنت في العمر فهل من المعروف أن يطلقها الزوج؟

وهل هذا يتفق مع قوله تعالى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ الرّوم (21). فأين الرحمة في أن يتزوج رجل من امرأة أو العكس وعندما يكبر أحدهما ويكون في أشد الاحتياج للرعاية والعطف أن يتركه ويتخلى عنه؟!

بل السؤال الأهم هنا: إذا فعل هذا بعض الرجال، فهل يتوقع أن يصدر هذا الفعل من رجل هو من أعظم الرجال؟! من نبي ورسول أرسله ربه ليكون رمز الإنسانية والرحمة قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ الأنبياء (107). نبي وصفه ربه بقوله ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ القلم (4)

وقد عرف الأنبياء جميعًا بحسن العشرة مع نسائهم، ولنا فيهم الأسوة الحسنة كما أنبأنا رب العالمين من قصصهم كقصة خليل الله إبراهيم ﷺ الذي ظل مع زوجته رغم كبرها وعقمها وهو الذي كان يرجو الولد من ربه، وكذلك نبي الله زكريا ﷺ.

وقد كان نبي الله نوح عليه السلام حسن العشرة حتى مع زوجته الكافرة.

إن مثل هذه الروايات تسيء إلى مقام النبوة الكريم بغير الحق، وتلحق به أقوالا وأفعالا ينأى عنها نبي قد نال نصيبا من الرحمة والرأفة في التعامل مع المؤمنين فما باله مع أزواجه أمهات المؤمنين، قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ التوبة (128).

إن الطلاق مثل الزواج قد شرعه الله تعالى وجعل فيه الخلاص لكلا الزوجين عند استحالة العشرة بينهما، فالطلاق مثله كمشرط الجراح إذا استخدم في موضعه آتى ثماره وإذا استخدم بخلاف ذلك تسبب في مشكلات كثيرة تنعكس على الأسرة بأكلمها وخاصة إن كان هناك أولاد، وبالرغم من جواز الطلاق إلا أن الله سبحانه وتعالى أوصى الزوجين بالصبر على بعضهما وخاصة الزوج الذي بيده زمام الأمر في قوله تعالى ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِۚ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ النساء (19).

فالطلاق جائز أيًا كانت الأسباب، وبغض النظر عن عمر الزوجين (وإن كان بالطبع في حالة الكبر يكون الأمر قاسيًا على كلا الطرفين كما بينا).

اذا رغب الرجل عن زوجته فلا يصح له أن يبقيها كالمعلقة، فإما أن يمسكها بالمعروف أو يسرحها بإحسان، لكن الزوجة تستطيع أن تطلب منه إبقاءها على ذمته مقابل أن تتنازل عن بعض حقوقها عليه، كحق النفقة أو المبيت، وهذا مفهوم من قوله تعالى:

﴿وَإِنِ ٱمۡرَأَةٌ خَافَتۡ مِنۢ بَعۡلِهَا نُشُوزًا أَوۡ إِعۡرَاضࣰا فَلَا جُنَاحَ عَلَیۡهِمَاۤ أَن یُصۡلِحَا بَیۡنَهُمَا صُلۡحࣰاۚ وَٱلصُّلۡحُ خَیۡرࣱۗ وَأُحۡضِرَتِ ٱلۡأَنفُسُ ٱلشُّحَّۚ وَإِن تُحۡسِنُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِیرࣰا﴾ [النساء ١٢٨]

ففي حال خافت المرأة من نشوز الزوج أو أعراضه عنها جاز لها أن تعرض عليه الصلح المتمثل بتنازلها عن بعض حقوقها مقابل بقائها في عصمته.

ولو قارنا هذه الآية بشبيهتها التي تتحدث عن خوف الزوج من نشوز زوجته نجد أن تلك الآية لا تتحدث عن إعراض الزوجة، كما أنها لا تتحدث عن الصلح المذكور في آية نشوز الزوج، بل تتحدث عما يجب على الزوج فعله تجاه زوجته الناشز. يقول الله تعالى:

وَٱلَّـٰتِی تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهۡجُرُوهُنَّ فِی ٱلۡمَضَاجِعِ وَٱضۡرِبُوهُنَّۖ فَإِنۡ أَطَعۡنَكُمۡ فَلَا تَبۡغُوا۟ عَلَیۡهِنَّ سَبِیلًاۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِیࣰّا كَبِیرࣰا﴾ [النساء ٣٤]

إذا نشزت الزوجة فإن الآية ترشد الزوج الى وعظها وتذكيرها بما بينهما من الألفة والذكريات الجميلة، ولا بد للزوج من احترام قرار زوجته بالافتراق عنه فيهجرها في المضجع، كما لا ينبغي له أن يخرجها من البيت حتى يتسنى لها مراجعة قرارها فتعود عنه، وهو مفهوم قوله تعالى (واضربوهن) أي أبقوهن في الببوت، والأمر بإبقائها في البيت يشبه الأمر بعدم إخراج الزوجة من بيت الزوجية عند إيقاع الزوج الطلاق الرجعي عليها، وذلك ليبقى المجال مفتوحا وميسورا لمراجعتها قبل انتهاء العدة.

يظهر من خلال المقارنة بين الآيتين السابقتين أن الزوجة تخاف من نشوز الزوج أو إعراضه، بينما الزوج يخاف من نشوز الزوجة دون إعراضها، لذلك كان لنشوز الزوج أو إعراضه حل غير الطلاق ألا وهو الصلح بين الزوجين، واقتراح الصلح لم يذكر في حال نشوز الزوجة، لأن الزوج يمكنه التزوج من أخرى مع إبقاء الأولى في عصمته بينما يستحيل ذلك للزوجة في حال نشوزها عن زوجها.

والرواية الواردة بخصوص خوف أم المؤمنين سودة بنت زمعة من نشوز النبي أو إعراضه عنها يتعذر قبولها لأسباب ثلاثة:

الأول: أنها كانت مسنة عندما تزوجها النبي، وقد تزوجها لتكون في حمايته لأنه لم يكن لها أحد من أهلها، فلا يعقل بعد إذ أن يطلقها لسبب موجود فيها أصلا.

الثاني: طلاق الرجل زوجته بسبب الهرم أو المرض لا يفعله الكرماء من الناس، فكيف يقبل أن نبينا هم بذلك وهو أكرم الناس وأعظمهم خلقا؟

الثالث: لم يكن النبي مكلفا بالقسم بين نسائه، لذا كانت الرواية غير ذات صلة. قال الله تعالى:

﴿ تُرۡجِی مَن تَشَاۤءُ مِنۡهُنَّ وَتُـٔۡوِیۤ إِلَیۡكَ مَن تَشَاۤءُۖ وَمَنِ ٱبۡتَغَیۡتَ مِمَّنۡ عَزَلۡتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَیۡكَۚ ذَ ٰ⁠لِكَ أَدۡنَىٰۤ أَن تَقَرَّ أَعۡیُنُهُنَّ وَلَا یَحۡزَنَّ وَیَرۡضَیۡنَ بِمَاۤ ءَاتَیۡتَهُنَّ كُلُّهُنَّۚ وَٱللَّهُ یَعۡلَمُ مَا فِی قُلُوبِكُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِیمًا حَلِیمࣰا﴾ [الأحزاب ٥١].

والخلاصة أنه يحق للزوج طلاق زوجته بغض النظر عن السبب، وكذلك يصح للمرأة الافتداء من زوجها بغض النظر عن السبب، والعلة في ذلك أنه لا يصح أن يكره أحد الزوجين على البقاء مع زوجه رغما عنه. إلا أن القرآن الكريم يحض كلا الزوجين على الصبر على زوجه، ذلك لأن الخير يكون في الصبر دائما. كما أشارت إليه الآية 19 من سورة النساء التي وردت أعلاه.

وبالرغم من كون طلاق الرجل زوجته بسبب هرمها أو مرضها نقصا في مروءته وكذلك الزوجة لو طلبت الافتداء بسبب مرض الزوج أو هرمه، إلا أن هذا لا يبطل القاعدة الأساسية المتمثلة بحق الزوجين بإنهاء الحياة الزوجية متى أرادا كلاهما أو أحدهما.

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.