حبل الله
العلم والذِّكر

العلم والذِّكر

إدراك الشيء بالتفكر والتدبر لأثره هو المعرفة،  أما قدرته على أن يحفظ ما يقتنيه من المعرفة واستحضاره والتلفظ به عند اللزوم يسمى الذكر[1] .  ولأن الكتب المنزلة تحتوي على المعلومات الصحيحة الضرورية لعمل العقل البشري كان الاسم المشترك لها هو الذكر. يقول الله تعالى:

أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً، قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ. هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (الأنبياء 21/ 24)

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الحجر 15/ 9)

وعالم الموجودات أيضا يُعدُّ مصدرا للذِّكر، لأنَّه لا يمكن الاستفادة منها بدون التَّعرف عليها والإحاطة بما تحويه من العلم وما تعمل عليه من النِّظام. ومن الآيات المتعلِّقة بهذا الأمر قوله تعالى:

وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا. لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا. وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (الفرقان 25/50)

كلمة (لِيَذَّكَّرُوا) في الآية هي من باب التَّفَعُّل، ويكون الفعل في هذا الباب يحمل معنى التكلف؛ فيفهم من (التذكر) التَّقدم خطوة خطوة للوصول للهدف (وهو الذكر)، ذلك أنَّ الوصول إلى العلوم الكامنة في المخلوقات يحتاج زمنا طويلا من الملاحظة والمتابعة وجمع المعلومات وترتيبها تراكميَّا.

الوصول إلى العلوم التي أودعها الله تعالى في المخلوقات وكذا الوصول إلى الذِّكر الموجود في كتبه المنزلة يؤدي إلى أن يجد الإنسان الأجوبة الشافية لجميع الأسئلة التي تشغل ذهنه، لهذا السبب جاء قوله تعالى:

الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (الرعد 13/28)

الإنسان وكذا كل المخلوقات يُعدُّ كلُّ واحد منها آية من آيات الله تعالى. يقول الله تعالى:

سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ، أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. (فصلت 41/53)

كل إنسان محتاج للعلوم والمهارات التي يمتلكها الآخرون، لذلك لا يوجد إنسان واحد يمكنه العيش منفردا. يقول الله تعالى:

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (العلق 96/1-2)

والعلق ما يعلق به أو عليه غيره، كما يأتي بمعنى البويضة التي تعلق بجدار الرحم، والحاجة، والخصومة، وغير ذلك[2]، وقد فُسِّرت الكلمة في هذه الآية بالبويضة الملقَّحة التي تعلق بجدار الرحم، وإن كان الإنسان مخلوق من هذه البويضة العالقة فإنَّه يأتي إلى هذه الدنيا وفيه صفة العلوق، أي التَّعلُّق بغيره. وقد أعطى الله تعالى لكل إنسان قدرات ومهارات مختلفة ليصبح كل إنسان محتاجا لما ينقصه من القدرات والمهارات التي يمتلكها غيره، وهكذا أصبح ارتباطه بغيره شرطا لبقائه على هذه الأرض. يقول الله تعالى:

أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (الزخرف 43/32)

وحتى تستمر الحياة الاجتماعية على خير ما يكون ينبغي على كلِّ واحدٍ أن يسخِّر قدراته على النَّحو الأفضل. يقول الله تعالى:

وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (النساء 4/32)

العلم الذي عُلِّمه آدم عليه السلام

عُلم آدم عليه السلام جميع العلوم المتعلقة بالموجودات، ومن ضمن ذلك العلم الموجود في أقطار السَّماوات. نعلم هذا من خلال الآية التَّالية:

قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ، قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ. (البقرة 2/33)

وغيب الأرض، هو علم موجوداتها، وغيب السموات هو علم موجوداتها كذلك. ومجيء الأرض مفردة والسماوات جمعا مما يستدعي الوقوف عنده. وما قاله نوح لقومه الذين كانوا من أحفاد آدم عليه السلام يشير بوضوح إلى أنهم حازوا على قسم كبير من علم آدم:

أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا. وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا. (نوح 71/ 15-16)

وهذا التعبير ورد بخصوص قوم نوح فقط، ولم يُذكر لأحد من بعدهم. واليوم يوجد معلومات محدودة عن النجوم المتواجدة في السماء الأولى، وغالب هذه المعلومات تدور في دائرة النظريات، وهذا يدفعنا إلى الاستنتاج بأنَّ تلك العلوم الهائلة التي حازها آدم وأحفاده الأوائل قد اندثرت بالتزامن مع طوفان نوح.

العلم المكتوب الذي تعلمه آدم

وقد علم الله تعالى آدم العلم مكتوبا، كما تخبرنا به الآيات التالية:

اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ. (العلق 96/3-5)

والإنسان في الآية هو آدم عليه السلام، ذلك أنَّه نبيٌّ أُنزل إليه الكتاب، ولا معنى لإنزال الكتاب لقوم لا يعلمون الكتابة والقراءة. وقد عدَّد الله تعالى في الآية 83 من سورة الأنعام وما بعدها 18 عشر نبيَّا من نوح إلى عيسى، ثم ذكر أنه اختار من آبائهم وأبنائهم أنبياء آخرين قائلا بعد ذلك:

أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ (الأنعام 6/89)

وهذا يعني أن الأنبياء كلَّهم من آدم حتى خاتم النبيين عليهم الصلاة والسلام قد أَنزل الله تعالى عليهم الكتاب والحكمة.

لما أخرَج الله تعالى آدم وحواء وإبليس من الجنة التي كانوا فيها وجَّه إليهم الخطاب التالي:

قُلْنَا اهْبِطُوا[3] مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (البقرة 2/ 38-39)

والهدى المذكور في الآية السابقة هو الوصف الخاصُّ بالكتاب كما جاء في الآية الثانية من سورة البقرة[4]، لذلك فإن الهدى هو الكتاب الذي أُنزِل على آدم. ويعزِّز هذا الفهم لفظا الاصطفاء والاجتباء الواردان في الآيتين التَّاليتين:

إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (آل عمران 3/33)

ثُمَّ اجْتَبَاهُ (آدم) رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (طه 20/122)

إنَّ الحكمة التي أعطاها الله لكلِّ نبيٍّ من أنبيائه تُعتَبرُ بمثابة الـمُرشد للاستفادة من الكتب الإلهية[5]. وقد أدى ترك تعلم الحكمة الموجودة في القرآن إلى نسيانها تماما، ممَّا منع إمكانية إيجاد الحلول منه[6]، كما أنَّه (ترك تعلم الحكمة) أفسد العلاقة ما بين الدِّين والفطرة، وما بين الدِّين والعلم.

لقد أعطى القرآن لكلِّ النَّاس حريَّة العقيدة وحريَّة اختيار طريقة عيشهم. لذا لا يجوز للمسلمين محاربة غيرهم لمجرد اختلافهم في العقيدة، لكنَّه يحقُّ لهم محاربة من يحاربهم فقط. يقول الله تعالى:

وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (البقرة 2/ 190)

فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (البقرة 2/ 194)

إذا تمَّ وضع القرآن في مركز الاهتمام العلمي والتشريعي فإنَّ العقلانية ستكون أساسُ الوحدة بين النَّاس من مختلف الأديان. وهذا يفتح الأبواب لفهم الآيات المخلوقة الذي سينتج عنه التَّقدُّم العلميّ، وبالتَّالي تحقيق حياة أفضل للنَّاس جميعا، عندئذ سيكون المسلمون روَّادا في الخير، تلك الرِّيادة تؤهِّلُهم لأنْ يكونوا قدوة لغيرهم.

وألدُّ أعداء هذا التَّوجه هم من يُسخِّرون الدِّين والعلم لمنافعهم الشَّخصيَّة، والآيةُ المتعلَّقة بهذا الموضوع التي لا ينبغي أن تغيب عن الأذهان هي قوله تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (التوبة9/34)

*من مقالة أ.د عبد العزيز بايندر (الدين والعلم)، ولقراءة المقالة كاملة يرجى الضغط على الرابط التالي  https://www.hablullah.com/?p=3334

___________________________

[1]  انظر مفردات الراغب، مادتي عرف وذكر

[2]  انظر مقاييس اللغة، مادة علق

[3]  كلمة اهبطوا جمع، وأقله ثلاثة، وهو ما يشير إلى أن الذين أُمروا بالهبوط ثلاثة وليس اثنين، وهم آدم وحواء وإبليس. وقد كان إبليس قد طرد سابقا من الملائكية كما ورد في الآية 13 من سورة الأعراف.

[4]  الآية هي قوله تعالى {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} البقرة 2

[5]  انظر مقالتنا (الحكمة في القرآن وطريقة الوصول إليها) على هذا الرابط http://www.hablullah.com/?p=2691

[6]  لمزيد من المعلومات حول هذا الموضوع ننصح بقراءة مقالتنا (الإسلام: من دينٍ مركزُه الكتاب إلى دينٍ مركزه البشر) على هذا الرابط http://www.hablullah.com/?p=3092

 

 

 

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.