حبل الله
لماذا خاطب الله تعالى الذكور في قوله (أو لامستم النساء)

لماذا خاطب الله تعالى الذكور في قوله (أو لامستم النساء)

السؤال: أثناء قراءتي لسورة النساء، وقفت عند آية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} (النساء 44). وقد أثارت هذه الآية في نفسي بعض الأسئلة، أنا أعرف أنَّ الله تعالى يقصد الرجال والنساء بقوله “يا أيها الذين آمنوا”، ولكن حينما وصلت لجزء “أو لامستم النساء” ملأني الشكّ، هل كان الله يعني بالذين آمنوا بهذه الآية الرجال فقط؟ وإذا كان الجواب بنعم، فلم ذلك؟ ألم تكن النساء تسكرن أيضًا؟. ولماذا خص الله الرجال بقوله “أو لامستم النساء..”؟ وكأنَّ المرأة أداة بهذه العمليَّة أو شيء أقرب للقذارة؟ لِـمَ لم يقل إذا تضاجعتم دون أن يحكر الأمر على جنس معين؟. لجأت إليكم لمعرفتي بمدى صحة تفاسيركم عن غيرها. أتمنى أن تجيبوني بأقرب وقت، وتزيلوا القلق عني، لأنني أخطط لأن أواجه كلَّ من يدَّعي أنَّ الإسلام دين ذكوري، وآملُ أن أُوفَّق بذلك.

الجواب: الإسلام ليس دينا ذكوريَّا كما يدَّعي البعض، بل هو دين الله إلى النَّاس كافة رجالهم ونسائهم، أمَّا الخطاب بصيغة المذكّر عند قصد عموم النَّاس فهذا شأن اللغة العربيَّة التي نزل القرآن بها، وهي ليست الوحيدة من بين لغات العالم التي تحمل هذا المنحى، فكلُّ اللغات التي تفرِّق في الخطاب بين المذكَّر والمؤنَّث يُعتبر الخطاب في المذكّر يشمل الجنسين بينما الخطاب للمؤنث يشمل النَّساء فقط، وهذا هو عرف لغوي ليس له علاقة بالتخيُّز الجنسي.

نعم الآية التي ذكرتها في بداية سؤالك هي خطاب من الله تعالى للجنسين. وكلمة “لامستم” التي فيها معنى المفاعلة تدلُّ على حصول الفعل من الزَّوجين وليس من الزَّوج وحده، أمَّا خطابه للذُّكور في “لامستم” بالرُّغم من أنَّ الحكم يشمل الجنسين فلِحكم عظيمة يتبيَّن من خلالها دقَّة التَّعبير القرآني ومراعاته لطبيعة الخلق في كلا الجنسين، ويمكنني توضيح ذلك في النُّقطتين التَّاليتين:

1_ يصف القرآن الكريم المرأة بأنَّها زينةٌ (آل عمران، 14)، وهي بذلك تفضلُ الرَّجل بهذه الميزة، لذا كان الرَّجل طالبا والمرأة مطلوبة، ومن هنا كان الخطاب موجَّها للرَّجل في علاقته الحيويَّة بزوجته.

2_ يراعي القرآن الكريم صفة الحياء عند المرأة في علاقتها بالرَّجل، فلا يُظهرها طالبةً حفظا لحيائها، نجد هذا في آيات منها:

={فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ.. قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} (القصص 25- 26) تركز الآية على استحياء الفتاة وأنَّها طلبت من أبيها أن يستأجره، وقد فهم أبوها رغبتَها بالزَّواج من موسى. وتأكيدا على حيائها يعرضُ أبوها على موسى أن يُزوَّجه إحدى ابنتيه مع علمه أنَّ واحدة بعينها تريده.

={هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا، فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} (الأعراف 189) وقد أُرجع فعل التَّغشِّي للرَّجل ولم يقل فلما تغشَّوا بعضهما، لذات السَّبب الذي ذكرناه في الأعلى، وهو أنَّ الرَّجل هو المبادر للجماع عادة، وتأكيدا على حياء المرأة ثانيا.

={وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ، وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ، فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} (البقرة 223)

هذه الآية تأمر الرَّجل بأن يعتزل زوجته أثناء المحيض، ثمَّ تأمره بأن يأتيها من حيث أمره الله تعالى بعدما تطهر، وهذه الآية تراعي أيضا طبيعة الخلق في الجنسين، لأنَّ كون الرَّجل طالبا للمرأة فهو أولى بالخطاب بأن يعتزلها أثناء محيضها، ولو خاطبها هي بالاعتزال لكان ذلك على خلاف طبيعتهما؟

أما قولك (وكأن المرأة أداة بهذه العمليَّة أو شيء أقرب للقذارة) فلا يوجد في الآية ما يمكن أن يُفهم منه ذلك ولو من بعيد. وأنوِّه أنَّ مثل هذه العبارات دارجة على ألسن من ناصبوا الدَّين العداء، فلا ينبغي للمسلم أو المسلمة أن ينخدع بما يقوله هؤلاء، فهذا ديدنهم منذ نزل القرآن على خاتم النَّبييِّن:

{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} (فصلت 26) لكنَّهم لن يُفلحوا في سعيهم، لأنَّ الله تعالى يقول: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ. كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} (المجادلة 20- 21).

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.