حبل الله
هل الكفر والمعاصي سببان لنزول العذاب؟

هل الكفر والمعاصي سببان لنزول العذاب؟

السؤال: هل استحقَّت الأقوام السَّابقة العذاب لأنَّهم  كانوا كافرين أم لأنَّهم ارتكبوا المعاصي؟

الجواب: أولا: لا بدَّ من التَّنويه على أنَّ القرآن الكريم لا يُطلق لفظَ الكافر إلا على من عرف الحقَّ وأنكره، ذلك أنَّ الكافر لغة هو السَّاتر، ولا بدَّ أن يكون ساترا للحقِّ الذي عرفه. يقول الله تعالى:

«يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ» (آل عمران 106).

ولذلك فإنَّ مصطلح الكافر لا يوضع في مقابلة مصطلح المسلم بالضَّرورة، فقد يكون الشَّخصُ غير مسلم لكنَّه ليس بكافر، حيث لا يصحُّ أن يُوصف هؤلاء بالكفر إلا إذا أقيمت الحُجَّة عليهم لكنَّهم أعرضوا عن الحقِّ مفضِّلين الدُّنيا على الآخرة[1].

ثانيا: أمَّا فيما يخصُّ نزول العذاب فإنَّ المتتبِّع للآيات ذات العلاقة يجد أن الأقوام التي حلَّ بها عذاب الله تعالى قد كذَّبوا الرُّسل بعد أن أقاموا الحُجَّة عليهم، وقيامُها عليهم يعني أنَّه لم يعدْ أحدٌ منهم جاهلا بحقِّ الله تعالى عليه وما يريده منهم. فعندما تنعدم إمكانية الهداية عند الناس، ويصرِّون على غيِّهم مع قيام النَّذير فيهم، عندئذٍ ينزل العذاب. قال الله تعالى في قوم سبأ:

«لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ، جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ، كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ، بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ. فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ. ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا، وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ؟» (سبأ، 34 / 15-17)

وقد أهلك الله تعالى قومَ نوحٍ بالغرق لتكذيبهم الرُّسل، قال تعالى: «وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا» (الفرقان، 25 / 37).

ولما نفدت جميع محاولات موسى وهارون لإصلاح فرعون وقومه قضى الله تعالى عليهم بالغرق، قال تعالى:

«فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ. فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ» (الزخرف، 43 / 55-56).

وقوم عاد لما مرودا على الكفر أهلكهم الله تعالى:

«وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ» (الحاقة، 69 / 6)،

وعندما كذَّب قومُ صالح الرُّسلَ وعقروا النَّاقة وعتوا عن أمر ربهم أخذتهم الصَّيحة. قال تعالى: «وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ» (هود، 11 / 94).

العذاب الذي نزل بالأقوام السَّابقة بسبب إعراضهم وكفرهم ليس خاصَّا بهم دون غيرهم ممَّن يأتي بعدهم، بل هو سنَّة الله تعالى في كلِّ قوم يُعرضون ويكذِّبون حتَّى قيام السَّاعة. قال تعالى: «وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً» (الإسراء، 17 / 16).

وقال أيضا: «وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ» (هود، 11 / 117).

لذلك يمكن القول أنَّ الكفر أو الإتيان بالكبائر مع تحليلها أو الإصرار عليها بعد قيام الحُجَّة هما سببان لحلول عذاب الله تعالى بالناس.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  انظر مقالة عبد العزيز بايندر (من هو الكافر) على هذا الرابط https://www.hablullah.com/?p=1707

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.