حبل الله
بعث الله تعالى محمَّدا إلى النَّاس كافَّة

بعث الله تعالى محمَّدا إلى النَّاس كافَّة

السؤال: تذكر الآية 28 من سورة سبأ أنَّ الله تعالى أرسل نبيَّه الخاتم إلى النَّاس كافَّة بشيرا ونذيرا، وفي نفس الوقت تذكر الآيةُ أنَّ أكثر النَّاس لا يعلمون ذلك. إذا كان أكثر النَّاس لا يعلمون هذه الحقيقة فكيف يصحُّ أن يكون خاتم الأنبياء مبعوثا إلى النَّاس كافَّة؟

الجواب: لا يمكن أن يعلم النَّاس أنَّه رسولُ الله إليهم إلا من خلال تبليغهم القرآن الكريم.

وقد كان النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مأمورا بتبليغ ما أنزل الله إليه من الكتاب:

﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (المائدة، 5/67)

ومهمَّة التَّبليغ ليست مقتصرة على خاتم النَّبييِّن، بل إنَّ أتباعه مُكلَّفون بها كذلك، ذلك أنَّ الله تعالى أمره بأن يقول: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (يوسف 108)، فاتباعه مكلَّفون بالدَّعوة إلى الله تعالى، وهم إذ يدعون إليه يدعون النَّاس على بصيرة، وهي القرآن الكريم الذي وصفه منزله سبحانه بقوله: ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف 203)

وقد كان نبيُّنا الكريم يأمر بتبليغ القرآن بشكل عام حتى لو كان جزءا يسيرا منه، فقد صحَّ عنه أنَّه قال “بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً”[1] ، كما كان يُرسل من أصحابه رسلا إلى ملوك وحكَّام زمانه ليدعوهم إلى الإسلام، ومن هنا نفهم الوظيفة العامَّة في تبليغ القرآن المناطة بكلِّ مسلم على قدر طاقته، والوظيفة الخاصَّة المتمثِّلة ببعث من يقومون بهذه المهمَّة إلى أصقاع الأرض البعيدة. ذلك أنَّ محمدا هو خاتم الأنبياء، ولن يوحيَ اللهُ إلى أحد بعده، لذا وجب على المسلمين القيام بالمهمَّة من بعده، أي تبليغ القرآن إلى النَّاس كافَّة وإلى قيام السَّاعة.

الذين يقومون بمهمَّة تبليغ رسالة الله إلى النَّاس هم في الحقيقة ورثةُ الأنبياء، فالكلُّ وارثُ للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم على قدر تبليغه للقرآن، وهو يمثِّله فيما يبلِّغ، وهو معنى قوله عليه الصلاة والسلام: “وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَرَّثُوا الْعِلْمَ، مَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ”[2]

إنَّ مهمَّة تبليغ القرآن قد أُهملت عبر العصور، حتَّى إنَّ القائمين على أمر الدَّعوة إلى الإسلام لا يبلِّغون القرآن كما أنزله الله تعالى، بل يبلِّغون التُّراثَ بما فيه من العلَّات، وهذا ما يُفسِّر عدم انتشار رسالة الإسلام بالشَّكل المرضي، ولو فهم المسلمون دينهم من القرآن ثمَّ انطلقوا يبلِّغونه إلى النَّاس لرأينا الإسلام يظهر على الدِّين كلِّه كما أراد الله تعالى بقوله:

﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة 33، الصف 9)

وقد وعد الله تعالى كلَّ أمَّة تعمل بهذا الكتاب بأن يكون لهم ميراث الأرض:

﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ. إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ (الأنبياء 105- 106).

إنَّ حاجة البشريَّة إلى القرآن كحاجتهم إلى الهواء والماءِ، ذلك أنَّ دين الله هو الفطرة التي تلتقي مع طبيعة خلق الإنسان، يقول الله تعالى:

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ، ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم 30)

والعمل بما في كتاب الله يؤدِّي إلى إحياء النُّفوس في الدُّنيا والفوز المبين في الآخرة، يقول الله تعالى مخاطبا المؤمنين بالقرآن:

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ، وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (الأنفال 24)

إنَّ من يقرأ القرآن سواء بلغته الأصليَّة (العربيَّة) أو بغيرها من اللغات سيدرك حتما أنَّه كلام الله تعالى، لأنَّه يستحيل على البشر أن يأتوا بمثله ولو اجتمعوا، وهذا يقتضي بالضَّرورة أن يكون من جاء به رسولا من الله تعالى، لهذا يشهد من يعلم تلك الحقيقة أنَّ محمَّدا رسول الله، ولا يشهد الإنسان إلا بما علم يقينا.

وقد ورد في القرآن آيات عديدة في سور مختلفة تدعو مَن في قلوبهم ريب من مصدر هذا الكتاب أن يأتوا بمثله أو بسورة من مثله. (البقرة 23، هود 13، الإسراء 88)

ومن اللافت _حقا_ أنَّه لم يزعم أحدٌ عبر التاريخ أنَّه يستطيع معارضة القرآن أو الإتينان بمثله، وهذا بحدِّ ذاته دليل على تسليم النَّاس بأنَّه كلام الله تعالى، فلا يبقى على عاتق المسلمين سوى تبليغه إلى النَّاس كافَّة بلغاتهم المختلفة، ذلك أنَّ الله تعالى قال:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ، فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (إبراهيم 4)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] صحيح البخاري، بَاب مَا ذُكِرَ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، برقم 3461

[2]  صحيح البخاي، بَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ، برقم 67

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.