حبل الله

الاعتكاف

أصل الاعتكاف لغة الإقبال على الشيء والمُواظبة عليه وعدم الانصْرافُ عنه[1]، ويمكن تعريفه اصطلاحا بأنَّه حبس العبد نفسه في بيت من بيوت الله بنيَّة التَّفرغ للعبادة والذِّكر، وهو واحد من العبادات التي يكثر الإقبال عليها في رمضان، وقد ورد ذكره في الآية 187 من سورة البقرة في معرض ذكر الأحكام التَّفصيليَّة المتعلِّقة بالصَّوم:

{وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} (البقرة 187)

وقد كان نبيِّنا الكريم يعتكف العشر الأواخر من رمضان كلَّ عامٍ منذ هجرته إلى المدينة حتى وفاته صلى الله عليه وسلم[2]

يعدُّ الاعتكاف أحد المناسبات الهامَّة التي تمكن الإنسان من النُّضوج روحيَّاً، وذلك بقضائه جزءاً من وقته في العبادة والطاعة في استسلام كامل لله تعالى. إنَّ البيئة التي تعزِّز الإحساس الدِّيني والتَّفكُّر العميق، تفتح الآفاق لمعرفة الحقّ، كما أنَّها تقي الإنسان من الانزلاق نحو التَّفكير المادِّي المجرَّد عن المعاني الروحيَّة.

إنَّ العبادات المفروضة مهمَّة في هذا الصَّدد لكنَّ العبادات النَّافلة تحمل أهميَّة إضافيَّة، لأنَّ الشَّخص قد يؤدِّي الفريضة خوفا من عقوبة التَّرك، بينما النَّافلة فلا يُقبل عليها إلا شوقا وحُبَّا بخالقه.

لم يكن الاعتكاف عبادة خاصة بالمسلمين، بل هو مشروع في كلِّ الأديان. في الثَّقافة الإسلامية يُعرف الاعتكاف بأنَّه سنَّة مستمرَّة منذ عهد إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السَّلام. والآية التَّالية تشير إلى ذلك:

{وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا، وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} (البقرة 125).

انطلاقا من هذه الأدلَّة فإنّه من الجدير بالمسلم أن يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، وحكمه النَّدب أي أنَّه سنَّة مؤكَّدة.

يقول عطاء الخرساني في هذا الصدد قولا جميلا: “مثلُ المعتكف كمثل عبدٍ ألقى نفسَه بين يدي ربِّه ثم قال: رب لا أبرح حتى ترحمني”[3]

ويفهم من الآية 187 من سورة البقرة أنَّ الاعتكاف يكون في المسجد خاصَّة. ويرى الحنفيَّة والحنابلة أنَّ من الأفضل الاعتكاف في مسجدٍ جامع، أي تُقام به صلاة الجمعة، وإذا تمَّ في مسجد تُقام فيه الصَّلوات الخمس فهو صحيح. أمَّا عند الشَّافعيَّة والمالكيَّة فيصحُّ الاعتكاف في أيِّ مسجد، لكن إن أراد أن يعتكف أسبوعا أو أكثر فيجب أن يعتكف في مسجد تُقام فيه صلاة الجمعة.

يرى أكثرُ العلماء أنَّ النِّساء يعتكفن في المسجد مثل الرِّجال. فقد صحَّ في الرِّوايات أنَّ زوجات الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم اعتكفن في المسجد النِّبويّ. لكنَّ فقهاء الحنفية يرون أن تعتكف النِّساء في مكان مناسبٍ في بيوتهن تجنُّبا للفتنة، وهذا الرَّأي على خلاف النَّص وما كان عليه نبيُّنا صلَّى الله عليه وسلَّم.

يجب أن يكون هناك العديد من المساجد في كل حيٍّ متاحة لجميع المسلمين رجالا ونساء ممن يرغبون في الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، ويجب تهيئة تلك المساجد لاستيعاب جموع الرَّاغبين في الاعتكاف أو شهود صلاة الجماعة. ومن واجب جميع المسلمين العمل على إحياء هذه العبادة المنسيَّة.

لا يوجد آية قرآنية أو حديث يبيِّن أقلَّ مدَّة للاعتكاف، وقد اختلف الفقهاء في أقلِّ مدته، فقال أبو يوسف من الحنفيَّة أنَّ مدَّة الاعتكاف يومٌ واحد على الأقلّ. امَّا الإمام محمد فيرى أنَّه ساعة واحدة.

وأقلُّ مدِّة الاعتكاف بالنسبة للمالكيَّة نهارٌ أو ليلة كاملة. وعند الشَّافعية أكثر بقليل من الزَّمن الذي نستغرقه في قول كلمة “سبحان الله” وهو وقت قصير جدا لا يستقيم مع معنى كلمة الاعتكاف.

يكتب في بعض مداخل المساجد عبارة “نويت الاعتكاف” لتذكير الآتين إلى المسجد بقولها وليأخذوا أجر الاعتكاف من دخولهم حتى خروجهم من المسجد.

ولا شكَّ أنَّ أولئك الذين يجدون الفرصة لإحياء هذه العبادة سيشعرون بقرب من الله تعالى لم يعهدوه من قبل.

وقف السليمانية/ مركز بحوث الدين والفطرة

الموقع: حبل الله www.hablullah.com

الكاتب: د. يحيى شينول

التَّرجمة إلى العربيَّة: أنس نجم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] لسان العرب، مادة عكف 9/ 255

[2]  صحيح البخاري، الاعتكاف 10

[3]  عمدة القاري، كتاب الاعتكاف 11/ 223

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.