حبل الله
تثبيت بداية شهر رمضان يتمُّ برؤية الهلال أم بالحساب الفلكي

تثبيت بداية شهر رمضان يتمُّ برؤية الهلال أم بالحساب الفلكي

السؤال: هل يتمُّ تثبيت بداية شهر رمضان بالرُّؤية أم بالحساب. بعضُ البلدان الإسلاميَّة تعتمد الرُّؤية وبعضُها يعتمد الحساب، ومعلوم أنَّ اعتماد الرُّؤية يؤدِّي إلى اختلاف صيام المسلمين وفطرهم، ويتذرَّع العلماء في البلدان التي تعتمد الرُّؤية باختلاف مطالع الهلال، علما أنَّ هناك بلداناً متجاورة يستحيل اختلاف المطالع فيها. إذا علمنا هذا فهل يتعيَّن اعتماد الحساب لتوحيد صيام المسلمين وفطرهم؟

الجواب:

لم يأت في القرآن الكريم آيةٌ تأمر باستطلاع الهلال لتثبيت أولِّ يوم من كلِّ شهر، بل فيه حثٌّ للنَّاس لاعتماد الحساب لتثبيت المناسبات الدِّينية كدخول رمضان وأشهر الحجِّ والأعياد. قال الله تعالى: «الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ» (سورة الرحمن، 55 / 5).

وقال أيضا: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ، مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» (يونس 10/ 5)

الضِّياء هو أشعَّة الشَّمس؛ والنُّورُ هو الضَّوء الذي لا ينزعج منه الإنسان كالنُّور الصَّادر عن القمر. في الحقيقة لا نستطيع أن نرى قرص الشَّمس ولكنَّنا نرى ما يصدر منها، ونطلق عليه الشَّمس. وكذلك لا نستطيع أن نرى القمر، والذي نراه ونقول عنه القمر هو ما ينعكس من أشعة الشمس عنه. وبحسب توسع انعكاس أشعة الشمس عليه وانقباضه عنه نقول أنَّه هلال أو بدر. قال الله تعالى:

«وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ» (سورة يس، 36 / 39) .

واليوم الذي يلي الليلة التي يظهر فيها الهلال هو اليوم الأول من الشَّهر القمري. ويبدأ الصوم من ذلك اليوم إذا كان الشهر هو رمضان. قال الله تعالى:

«فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ» (سورة البقرة، 2 / 184).

فالحساب هو الأصل في تبيت بداية الشهر القمري، لكن العرب في الجاهلية وصدر الإسلام لم يكونوا أهل علم بالحساب الفلكي، فعن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: “إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا» يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ، وَمَرَّةً ثَلاَثِينَ”  [1]

والحديث يشير إلى أنّ جماعة العرب في عهده صلى الله عليه وسلم كانوا أمّة أميّة، نسبة إلى الأمِّ أي الحالة التي ولدتهم عليها أمهاتهم من حيث عدم علمهم بالحساب، فلم يكلفهم الله تعالى في مواقيت عباداتهم ما يحتاج فيه إلى معرفة الحساب. إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها. ولهذا قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: “صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ[2] عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلاَثِينَ”[3]

فاعتماد النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم للرُّؤية نابعٌ من عدم معرفة العرب في عصره للحساب، فهو حكمٌ للضَّرورة وليس بأصل، فإن زالت الضَّرورة بمعرفة الحساب كان هو الواجب شرعا، وهو ما نقول به ونؤكده لشيوع علم الحساب في هذا العصر، وهو ما دعت إليه الآيات القرآنية التي سقناها في البداية.

إذا افترضنا عدم وجود متخصِّص يقوم بالحساب ليثبت بداية الشَّهر فلا طريقة لإثباته إلا بالرُّؤية. وهكذا فعل النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده. أمّا إن تواجد المتخصِّصون بالحساب الفلكي فلا بد من أن يعتمد إثبات بداية الشَّهر على الحساب، كما هو الأساس في القرآن الكريم.

يجب أن تكون مكَّة المكرَّمة مركزا في تثبيت بداية شهر رمضان وغيره من المناسبات الدِّينيَّة. وبظهور الهلال بعد غروب الشَّمس في أية منطقة من العالم قبل طلوع الفجر الصَّادق في مكَّة المكرَّمة فإنَّه يثبت بداية أول يوم من شهر رمضان.

والقيام بتثبيت بداية شهر رمضان بالحساب مهمٌ جدَّاً لمن يعيش من المسلمين في المناطق القطبيَّة؛ لعدم طلوع الشَّمس فيها في بعض الأوقات وعدم غروبها في البعض الآخر، إذ لا يمكن رؤية الهلال في الأوقات التي لا تغرب فيها الشَّمس.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  صحيح البخاري، بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ» رقم الحديث، 1913 . وأخرجه مسلم في الصيام باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال، رقم الحديث، 1080

[2]  (غبي) من الغباوة وهي عدم الفطنة وهو استعارة لخفاء الهلال

[3] صحيح البخاري، بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِذَا رَأَيْتُمُ الهِلاَلَ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا» رقم الحديث، 1909

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.