حبل الله

معركة بدر والقدر

أ.د عبد العزيز بايندر

مقدمة

كلمة القدر تدُلُّ عَلَى مَبْلَغِ الشَّيْءِ وَكُنْهِه وَنِهايَته[1]. يقول الله تعالى:

﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (القمر 54/ 49)

﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (الملك 67/ 1)

لقد أنشأ الله تعالى نظامه لاختبار المكلَّفين، وقد بيَّن أنَّه ليس اختبارًا للمعرفة، بل اختبار الجهاد والصَّبر، ولأنَّ معرفة نتيجة الامتحان مسبقا تتنافى مع جديَّة الامتحان ونزاهته أوضح _سبحانه_أنَّه لا يعلم مَن سينجحُ في هذا الامتحان ومن سيرسب فيه، كما يُفهم مِن الآيتين التَّاليتين:

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (محمد 47/ 31)

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران 3/ 142)

والجهاد يعني استفراغ الوسع في مدافعة العدو والشَّيطان والشَّهوات[2]، أمَّا الصَّبر فهو حبس النَّفس على ما يقتضيه العقل والشَّرع، ويضادُّه الجزع[3]. وفي القرآن ينصبُّ الترَّكيز على التَّحلي بالصَّبر، بما في ذلك الصَّبر في الجهاد[4]، وهذا يقتضي أنْ يتابع الشَّخصُ طريقَه دون الإخلال بموقفه، فالذين يضعون الحقائق في المقام الأول فإنَّهم يفوزون في الاختبار. أمَّا من يقدمون منافعهم فيخسرون فيه.

تقعد شياطينُ الإنس والجنِّ على الصِّراط المستقيم ليصدُّوا النَّاس عنه، وذلك بخلط المفاهيم عليهم. ولا يستطيع القيام بهذه المهمَّة إلا مَن لهم باعٌ في العلم. لقد كان بنو إسرائيل أكثر الأقوام الذين بُعث فيهم الأنبياء، وقد كان علماؤهم الأكثر خبرة في تحريف كلام الله تعالى. وقد كان من هؤلاء من ادَّعى الإسلام في حياة نبيِّنا الكريم واحترف النِّفاق بهدف تحريف كلام الله تعالى. وقد عرَّفَنا الله تعالى بهؤلاء في قوله تعالى:

﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ[5] مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ. وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة 2/ 75- 76)

التَّشوُّهات التي بدأها اليهود بينما كان نبيُّنا على قيد الحياة ما تزال مستمرةً حتَّى اليوم. كما سنرى لاحقًا فإنَّ البِنية التَّقليديَّة المتأثِّرة بتشوُّهاتهم شكَّلت اعتقادًا في القدر على النَّحو التَّالي:

“القدر هو العلم السَّابق الذي حكم الله به في الأزل، والقضاء هو وقوع الخلق على وزن الأمر المقضي السَّابق. ما أراده الله تعالى منذ الأزل لا يمكن تصوُّر عدم وقوعه. يعتمد علم الله المسبق على ما سيختار العبد، وعلمُه المسبق ليس له تأثيرٌ على اختيار العبد”[6].

لقد تمَّ تدجين عقول المسلمين عبر الأزمنة حتى صار من غير الممكن الاستدراك على علمائهم السَّابقين فظهر من اللَّاحقين من يقول:

“القدر هو السِّرُّ الإلهيُّ الذي لا يَعرف حقيقَته إلا الله تعالى، لذا لا يمكن معرفة كنهه بشكلٍ مطلق ونهائيّ”[7]. “إنَّ محاولة حلِّ مسألة القدر تعني بالتَّحديد تكليف ما ليس في وسع الشَّخص وطلب المستحيل”[8].

يُقال هذا في الوقت الذي يقول الله تعالى فيه: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (يونس 10/ 100)

في هذه المقالة ، سأذكر مبادئ الإيمان بحسب القرآن، ومن خلالها سيتمُّ الكشف عن خطأ الفهم التَّقليدي للقدر في ضوء الآيات المتعلِّقة بمعركة بدر. وإذا أمعنت النَّظر ستلاحظ أنَّ تلك الآيات لم يتمَّ تناولها عند بحثهم لمسألة القدر، وهو ما يثيرُ التَّساؤلات حول نزاهة مسلكهم.

أ_ أساسيَّات الإيمان في القرآن الكريم

لـمَّا أُقحم الإيمان بالقدر في عقيدة المسلمين صار هناك ستَّة أركان للإيمان، لكنَّ أركان الإيمان بحسب القرآن خمسة. نعلم هذا من خلال الآيتين التَّاليتين:

﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ (البقرة 2/ 177)

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا﴾ (النساء 4/ 136)

يظهر من خلال الآيتين أنَّ أركان الإيمان هي؛ الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر. لكنْ لم يرد فيهما أو في آياتٍ أخرى الإيمانُ بالقدر.

الدَّليل المعتمد في الإيمان بالقدر عند عموم النَّاس هو حديث جبريل المشهور لـمَّا أتى النَّبيَّ وسأله عن الإيمان، فأجابه: بأنْ تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره[9]. وقد جاء في صحيح مسلم التَّعبير التَّالي:

“وتؤمن بالقدر خيره وشره”

من المعلوم لكلِّ إنسان أنَّ الله تعالى هو الذي يحدِّدُ قدرَ / مقياسَ كلِّ شيء، وبالطبع فإنَّه قد حدَّد قدرَ / مقياسَ الخير والشَّرِّ على حدٍّ سواء، ومَن لا يؤمن بهذا فلا يمكن أن يكون مسلما. كما حدَّد الله تعالى مقاييس الجزاء لمن فعل الخير أو الشَّرَّ ، فقال سبحانه:

﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ، وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ، أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ (يونس 10/ 26- 27)

كما يُرى، لم يكن لحديث جبريل أيُّ معنى سوى الاعتقاد بأنَّ لكلٍّ من الخير والشَّرِّ قدرا/ مقياسا يقعان بناء عليه. فلا يمكن أن يكون هذا الحديث دليلا للقدريِّين الذين يعرِّفون القدر بأنَّه علم الله المسبق بأفعال العباد. وينبغي التَّنويه أنَّه وردت رواياتٌ لحديث جبريل لم تردْ فيها عبارةُ الإيمان بالقدر.

والآن، لننظر في معركة بدر، التي لها مكان مهمٌ للغاية في تاريخ الإسلام، كمثال على ما يلزم الالتزام به من المقادير (التَّدابير والقواعد) التي وضعها الله تعالى.

ب_ مكَّة قبل معركة بدر

بعد أن أمر اللهُ تعالى إبراهيمَ عليه السَّلام بإعادة بناء الكعبة أمره بما يلي:

﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا، وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ (الحج 22/ 27- 28)

في تلك الأثناء توجَّه إبراهيم عليه السَّلام لربه بالطَّلب التَّالي:

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة 2/ 126)

ومنذ ذلك الحين أصبحت مكَّة هي البلد الأكثر أمنا في العالم، والنَّاسُ الذين بدؤوا يأتون إلى الحجِّ والعمرة مصطحبين معهم الهدْيَ وحاملين معهم بضائعهم لعرضها في السُّوق الموسميِّ التي تقام في مواسم الحجِّ جعلوا منها مدينة حيويَّة للغاية. وقد شكَّل كلُّ ذلك لأهل مكَّة اعتبارا ومكانة بين العالمين. لـمَّا بُعث خاتمُ النَّبيِّين، علموا أنَّه رسول الله إليهم، ولكنَّ الملأ منهم ظنَّوا أنَّ اتِّباعه سيفقدُهم مكانتَهم بين النَّاس، لذا اختاروا مواجهته بدل الإيمان به. علِمْنا هذا من خلال الآية التَّالية:

﴿وَقَالُوا (أهل مكَّة) إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى (القرآن) مَعَكَ (يا محمد) نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا، أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا؟، وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (القصص 28/ 57)

1_ التَّحذير من فقدان مكَّة

زاد المشركون من ضغوطهم للتَّخلُّص من نبيِّنا والمؤمنين معه خوفًا من فقدان السُّمعة والمكانة، عندئذٍ نزلت الآياتُ التَّالية:

﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا، وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً. سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا، وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً﴾  (الإسراء 17/ 76- 77).

والآيتان المكيَّتان التَّاليتان تعلنان بدء فقدان المشركين لمكَّة وأنَّ الحاكميَّة فيها ستنتقل إلى النَّبيِّ والمؤمنين:

﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ (أيها المشركون) لآتٍ، وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ. قُلْ (يا محمد) يَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ، إِنِّي عَامِلٌ، فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدِّارِ (مكَّة)، إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ الأنعام 6/ 134- 135)

2_ هزيمة الفُرْس للرُّوم

لـمَّا ازدادت ضغوط أهل مكَّة على النَّبيِّ والمؤمنين انتشر خبر هزيمة الفُرْس للرُّوم. وقد نزلت آنذاك الآيات التَّالية:

﴿الم. غُلِبَتِ الرُّوم. فِي أَدْنَى الْأَرْضِ، وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ. فِي بِضْعِ سِنِينَ، لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ، وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ. بِنَصْرِ اللَّهِ، يَنصُرُ مَن يَشَاء، وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ، وَعْدَ اللَّهِ، لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الرُّوم 30/ 1- 6)

عندما ننظر إلى هذه الآيات مع الآيات السَّابقة فإنَّ أول ما يتبادر إلى الذِّهن؛ أنَّه يمكن للمسلمين حكم مكَّة في غضون 9 سنوات، وهذا لا ينبغي أن يترك الطمأنينة في قلوب مشركي مكَّة. وما يتعيَّن عليهم القيام به هو البحث عن كلِّ طرق للتَّخلص التَّام من المسلمين.

امتحانُنا في هذه الدُّنيا هو امتحان الجهاد والصَّبر، لكنَّ الإيمان التَّقليديَّ بالقدر جعل النَّاسَ ينسَوْن حقيقة الامتحان، حيث تحوَّل إلى امتحان العلم، لذلك فقد حاولوا جعل الآيات التي تتحدَّث عن المستقبل دليلا لهم. وكما سيرى لاحقا فإنَّ المسلمين الذين لم يأخذوا بالقواعد/ المقادير التي وضعها الله تعالى للحرب جعلهم غير قادرين على حسم الحرب بدخولهم مكَّة فاتحين، أمَّا فوزهم المرحليُّ بتلك المعركة فكان بسبب وعد الله تعالى المسبق، وإلا لكانوا من المهزومين، والنتيجةُ أنَّهم ربحوا المعركة مرحليَّا، لكنَّهم رسبوا في الامتحان.

3_ الآيات المتعلِّقة بفقه الحرب

لم تترك الممارسات الخشنة التي مارسها مشركو مكَّة تجاه نبيِّنا والمؤمنين خيارا لهم سوى الهجرة إلى المدينة. ولأنَّ الله تعالى أراد أن تكون مكَّة للنَّبيِّ والمؤمنين، فقد أنزل في المدينةِ الآياتِ التي تنظِّم أحكامَ الحرب، كما يلي:

﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ، إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (الأنفال 8/ 65)

﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ، حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ، فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا، ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ، وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ (محمد 47- 4)

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ. وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ، وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (الأنفال 8/ 15- 16)

﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (الأنفال 8/ 57)

وهكذا كانت تلك المقادير/ القواعد المتعلِّقة بالحرب، وهي نافذة إلى قيام السَّاعة، وإن لم يلتزم المسلمون بهذه القواعد اليوم فأنَّهم سيُهزَمون في كلِّ معركة يدخلونها.

4_ إرهاصات معركة بدر

كانت قبيلة قريش المتمكِّنة في مكَّة المكرَّمة تذهب سنويا في رحلتين تجاريَّتين؛ إلى اليمن والحبشة شتاءً، وإلى فلسطين والشَّام ومصر والعراق صيفا. وتنصُّ السُّورة التي تحمل اسمَ قريش على أنَّها كانت تحظى بالاحترام في كامل المنطقة، سواء على المستوى التِّجاري أو المكانة الدِّينيَّة، كما أنَّها كانت تتمتَّع بالأمْن:

﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ. إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ. فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ. الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (قريش 106/ 1- 4)

لقد كانت قريش آمنة تماما، لكنَّ محطَيها لم يكن كذلك. علمْنا ذلك من خلال الآية التَّالية:

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ، أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ (العنكبوت 29/ 67)

كانت قافلة لقريش برئاسة أبي سفيان عائدةً من الشَّام إلى مكَّة، وكانت القافلة مكوَّنة من 1000 بعير. في تلك الأثناء انتشر خبر خروج الرُّوم لمحاربة الفُرْس. وتنصُّ الآيات 1- 6 من سورة الرُّوم أنَّ الرُّوم سينتصرون في تلك المعركة، كما تشيرُ إلى أن انتصارهم سيكون موعدا لنصر الله تعالى للمسلمين؛ حيث سيفرحون بتأييد الله لهم. لقد عايش أهلُ مكَّة المشكلة الأمنيَّة الأولى في تاريخهم، حيث ترقَّبوا خسارة القافلة بل ضياع مكَّة من أيديهم، لذلك سارعوا بإعداد جيش انضم إليه كلُّ قادر على القتال أو المساعدة فيه.

لم يكن المسلمون على علم بجهوزيِّة جيش مكَّة، وقد خرجوا على أمل أن يعينَهم الله تعالى للإستيلاء على القافلة. لكنَّهم وجدوا أنفسهم في مقابلة جيش مكَّة. علمْنا ذلك من خلال الآية التَّالية:

﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ، وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا، لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال 8/ 42)

تقع بدر على بعد 160 كم إلى الجنوب الغربي من المدينة، على بعد 30 كم من البحر الأحمر، وقد كانت عبارة عن قرية صغيرة تقع على الطريق بين مكَّة والمدينة، وهي الطَّريق التي تسلكها القوافل إلى الشَّام ومنها. وحتى لا تقع القافلة في كمين المسلمين سلك أبو سفيان بها طريقا على ساحل البحر الأحمر بعيدا عن بدر، ونادرا ما تسلكه القوافل. ومن هنا يتبيَّن أنَّ القافلة كانت أقلَّ قوة من المسلمين. أمَّا التقاء الجيشين في بدر فكان بسبب خروجهما من أجل القافلة؛ فقد خرج جيش المسلمين للسَّطيرة عليها، أمَّا جيش قريش فلحمايتها.

5_ عدم رغبة المسلمين في القتال

لقد أمر الله المسلمين بالاستعداد للحرب، وأنزل من الآيات ما يُبيِّن الأحكام المتعلِّقة بها. وبحسب الوعد الذي تضمَّنته الآيات 1- 6 من سورة الرُّوم فقد جعل الله تعالى المسلمين يلتقون وجها لوجه مع جيش مكَّة. في هذه الحالة، إمَّا أن يمكِّن الله المسلمين من الفوز على جيش مكَّة في أعلى الوادي، أو يمكِّنهم من الانتقام من المشركين الذين أجبروهم على الهجرة بالسَّيطرة على القافلة. لكنَّ الله تعالى أراد أن يحارب المسلمون جيش المشركين ليفوزوا بمكَّة لا بالقافلة. علمْنا هذا من الآية التَّالية:

﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ[10] اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ[11] أَنَّهَا لَكُمْ، وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ[12] تَكُونُ لَكُمْ، وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ[13]. لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (الأنفال 8/ 7- 8)

لقد أراد الله تعالى أن يحارب المسلمون جيش قريش حتى يدخلوا مكَّة فاتحين، لكنَّ بعضا من المسلمين خرج لتعقُّب القافلة على خوف، فكيف لو علموا أنَّهم خارجين لملاقاة جيش مكَّة؟. والآية التَّالية تُنْبئُنا بذلك:

﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ[14]، وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ. يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ (الأنفال 8/ 5- 6)

إذا نظرنا إلى الرَّوابط بين الآيات المتعلِّقة، يظهر لنا أنَّ التكرار في كلمة “الحقِّ” الواردة في الآيتين يشير إلى فرحة المؤمنين في اليوم الذي يغلب فيه الرُّومُ فارسَ.

والتَّعبير “كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ” يدلُّ على أنَّ نبيَّنا قد شكَّل جيش بدر وقاده إلى هناك حيث وقعت المعركة بأمر الله تعالى.

على الرُّغم من هذه الحقيقة الواضحة، لم يستطع المسلمون _الذين واجهوا صعوبة حتَّى في متابعة القافلة_ تحمُّل نفقات الحرب. لكنَّ الله تعالى قد أنزل العديد من الآيات التي تشدُّ من عزيمة المسلمين لجعل وعده في ذلك اليوم حقيقة.

6_ النَّسخ المتعلِّق بالحرب

عندما رأى الله تعالى مواقف المسلمين المتردِّدة، نسخ _سبحانه_ الآية 65 من سورة الأنفال القاضية بإلزامهم محاربة العدو ولو كان أكثر منهم بعشر مرات،  إلى ضعفين:

﴿الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا، فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ، وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ، وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال 8/ 66)

الامتحان هو اختابر الجهاد والصَّبر، وقد قال الله تعالى قبل ذلك:

﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ، وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (الأنفال 8/ 65).

عندما لم ير الله تعالى من المسلمين الصَّبر والثَّبات اللَّازمين أمام جيش المشركين أنزل الآية المخفِّفة ليتحقَّق وعده الذي وعدهم إياه وهم في مكَّة.

لقد خفَّف الله تعالى التَّكليف على المسلمين، لكنَّ جيش مكَّة كان يفوقهم عددا وعدَّة بأكثر من مرتين، لذا أرى الله تعالى تعالى نبيَّنا في المنام أنَّهم أقلُّ من حقيقتهم. يقول الله تعالى تعالى:

﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ (يا محمد) اللّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً، وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ، وَلَـكِنَّ اللّهَ سَلَّمَ، إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (الأنفال 8/ 43)

أن يُريَ الله تعالى المسلمينَ قلةَ عددِ المشركين، والمشركينَ قلةَ عددِ المسلمين متعلٌّق بقرار فتح مكَّة الذي من المفترض أنَّه سيتحقَّق في معركة بدر. يقول الله تعالى:

﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا (فتح مكَّة) كَانَ مَفْعُولًا، وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (الأنفال 8/ 44)

نتعلَّم من الآية التَّالية مقدارَ ما أظهر الله تعالى للمسلمين من عديد جيش المشركين:

﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا، فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ، وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ (آل عمران 3/ 13)

السبب الذي جعل الله تعالى المسلمين يرون جيش مكَّة ضعفي عددهم أنَّه كلَّفهم بقتال العدو ولو كانوا مثل عددهم مرَّتين. ولأنَّه بهذه الطريقة فقط يمكن أن يجرؤوا على الدُّخول في اختبار الصَّبر والجهاد. وربما كان ذلك السَّبب في قوله تعالى: (وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال 8/ 66). أمَّا تقليل المسلمين بأعْيُن الكافرين فقد كان لقطع المبرِّر لهروبهم من المواجهة (الأنفال 8/ 44).

7_ تأييد المسلمين بالملائكة

حتى لا يقع المسلمون فريسة العجر توسلوا إلى الله تعالى وطلبوا منه المساعدة. وقد أمدَّهم الله بالقوَّة والجرأة، كما غشَّاهم النُّعاسَ فناموا ليستيقظوا صباحا وقد شُحنت عزائمهم، وفي ذلك يقول الله تعالى:

﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ (يوم بدر) فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ. وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ[15] إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ، وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ. إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا، سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴿الرُّعْبَ، فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ[16]. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ. ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ﴾ (الأنفال 8/ 9- 14)

بالرُّغم من كلِّ هذا الدَّعم والتَّأييد إلا أنَّ الخوف من دخول الحرب بقي متلبِّسا قلوب المسلمين، لذا أنزل الله تعالى 3000 ملك بدلا من 1000، نتعلَّم هذا من الآية التَّالية:

﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ. بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ. وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ، وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ. لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ (آل عمران 3/ 123- 127)

وقوله تعالى (بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا) يدلُّ على أنَّ نصر الله للمسلمين مرتبطٌ بمدى صبرهم وثباتهم في أرض المعركة وتصرِّفهم السَّليم في الميدان. أمَّا الملائكة فوظيفتهم رفع الرُّوح المعنويَّة للمجاهدين. إنَّ كلَّ ما حصل في معركة بدر من الأحداث وتسلسلها المنطقيّ يدلُّ على أنَّهالم تكن معلومة منذ الأزل.

ج_ معركة بدر

بعد كلِّ هذا الدَّعم دخل المسلمون في المعركة ضد جيش مكَّة، وقد أسفرت المعركة عن مقتل أبي جهل الذي كان يقود جيش مكَّة وسبعين آخرين، بينما قضى من المسلمين 14 شهيدا. في تلك الأثناء كان على المسلمين أن لا يفقدوا الصَّبر، وأن يتصرَّفوا بشكلٍ سليم بحسب ما تقتضيه الآيات، فيواصلوا ملاحقة الفارِّين باتجاه مكَّة حتَّى يدخلوها فاتحين. لكنَّهم فضَّلوا القبض على سبعين من المُنهزمين واقتيادهم أسرى إلى المدينة طمعا في الفداء، وقد فعلوا ذلك بالرُّغم من نزول قوله تعالى قبل واقعة بدر:

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ. وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ، وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (الأنفال 8/ 15- 16)

﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (الأنفال 8/ 57)

بالرُّغم ممَّا تلقَّاه المسلمون من عون وتأييد من الله تعالى في بدر إلا أنَّهم فشلوا في امتحان الصَّبر. علمنا ذلك من قوله تعالى:

﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ، تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا، وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ، وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال 8/ 67)

من المعلوم أنَّ الله تعالى لا يكلِّف نفسا إلا وسعها (البقرة 2/ 286). وقد كان تحميل المسلمين وعلى رأسهم النَّبيّ المسؤوليَّة عن أخذ الأسرى قبل الإثخان دليلٌ على أنَّ الآية 4 من سورة محمَّد قد نزلت قبل معركة بدر، تلك الآية التي لم يلتزمْها المسلمون مفضِّلين أخذ الأسرى، بينما كان الله تعالى يريد منهم القضاء على قوة الكافرين تماما. وقد بيَّن الله تعالى إرادته تلك بقوله:

﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ[17] أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ (الأنفال 8/ 7)

لهذا قد وضع الله من قبلُ القاعدةَ التَّالية للحرب:

﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ…﴾ (محمد 47/ 4)

لقد ارتكب المسلمون الذين شاركوا في معركة بدر، وعلى رأسهم نبيُّنا ، خطيئتين عظيمتين من خلال العمل بما لا يتوافق مع هذه الآيات. أوَّلُها عدم تتبُّع فلول المشركين حتى دخول مكَّة، وثانيها أخذهم الأسرى قبل الإثخان. لهذا السَّبب لم يُصدر الله تعالى أمرَه لفتح مكَّة لعدم تحقيق المسلمين شروط الفتح. ولو تحقَّقت إرادةُ الله تعالى لانتهت شأفة مشركي مكَّة يومها. ولـمَّا كان هناك معارك كأُحُد والخندق، ولم يكن ليتبقَّى أيُّ حاجة لصلح الحُديبية.

وهنا لا بدَّ من عرض التّحريف الذي لحق بمصطلح إرادة الله تعالى، وفيما يتعلَّق بهذا الموضوع يقول عمر نصوحي بيلمان:

إرادة الله تعالى أزلية. يخلق الله ما أراده بهذه القدرة من الإرادة وفقًا لحكمته، وكلُّ ما يريده يحصل[18].

وهذا الفهم مخالف للقرآن؛ لأنَّ إرادة الله لا تتحقَّق إلا إذا أصدر الأمر بقوله “كن”. يقول الله تعالى:

﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس 36/ 82)

إرادة الله تتحقَّ عند تحقُّق المقادير اللازمة، فإن اكتملت صورة المقادير تنفذْ إرادة الله، وإن لم تتحقَّق لا تنفذ. وهذا هو القانون الذي أنشأه الله بعلمه وحكمته.

بالرُّغم من الخطأ الجسيم الذي ارتكبه المسلمون في معركة بدر، إلا أنَّ الله تعالى أوفى بوعده الذي قطعه في الآيات الأُوَل من سورة الرُّوم، فنصرهم على عدوِّهم. علمْنا ذلك من الآية التَّالية:

﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ[19] مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (الأنفال 8/ 68)

يرِد التَّعبير “عَذَابٌ عَظِيمٌ” في 14 آية قرآنيَّة، وقد جاء سبعةٌ منها بحقِّ الكافرين، واثنتان بحقِّ المنافقين، وخمسٌ بحقِّ مرتكبي الذُّنوب الكبيرة من المؤمنين[20]. والآية السَّابقة هي واحدة من الخمس الأخيرة.

وقد أنزل الله تعالى ما يُفْرح المسلمين بعد طول العتاب لهم، وتمثَّل بإذنه في أخذ الفدية من الأسرى، وذلك في الآية التَّالية:

﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا، وَاتَّقُوا اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الأنفال 8/ 69)

كما يُرى فإنَّ كسب الحرب لا يعني بالضَّرورة النَّجاح في الامتحان. والشيء الذي يضمن النَّجاح في امتحان الدُّنيا هو الثَّبات على الحقِّ وبذل كامل الوسع في تنفيذ أوامر الله تعالى.

د_ التَّطوُّرات الحاصلة بعد معركة بدر

كان على المسلمين أن يتوبوا إلى الله تعالى من ذنبين؛ الأوَّل عدم ملاحقة فلول المشركين، والثَّاني اتِّخاذهم الأسرى قبل الإثخان. والتَّوبة تقتضي ترك الذَّنب، والعزم على عدم العودة إليه، وبذل الوسع في تصحيح ما ترتَّب على ذلك الذَّنب. يقول الله تعالى:

﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ، أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الأنعام 6/ 54)

﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ[21] ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا، إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (النحل 16/ 119)

وعلى ضوء هذه الآيات التي تفتح بابا للتَّوبة كان لا بدَّ من شعور المسلمين وعلى رأسهم النَّبيُّ بالنَّدم على ما فعلوا، وأن يعزموا على عدم تكرار هذا الفعل، وأن يبدؤوا بالعمل الجادِّ لتصحيح الخطأ؛ وذلك بفعل ما بوسعهم لفتح مكَّة.

لا يمكن تصوُّر أنَّ الآيات التي تُظهر فشل المسلمين في امتحان بدر لم تصل مشركي مكَّة، خاصَّة أنَّ العدو يحاول معرفة كلِّ شيء عن عدوِّه.

1_ معركة أُحد

بعد معركة بدر أخلَّت إحدى القبائل اليهوديَّة بالمعاهدة المبرمة مع النَّبيِّ، وقد تفاعلت الأحداث إلى أن تمَّ نفي تلك القبيلة عن المدينة، وقد قام مشركو مكَّة باستغلال تلك الفرصة لإلحاق الأذى بالمسلمين، فالتقوا كعب بن الأشرف وهو زعيم تلك القبيلة، وحصلوا منه على وعدٍ بالمساعدة. بعدها بسنة (7 شوال 3 هـ، الموافق 32/ 3/ 625 م) جاء مشركو مكَّة بثلاثة آلاف مقاتل لغزو المدينة. لكن النَّبيِّ خرج لملاقاتهم في أُحد على بعد 5 كم من المدينة، وقد التقى الجمعان، ودرات رحى الحرب التي انتهت بانتصار المسلمين بتأييد الله تعالى ونصره، وهرب المشركون صوب مكَّة، لكنَّ المسلمين لم يتعلَّموا بعدُ من درس بدر، ووقع الاختلاف بينهم فلم يلحقوا بفلول المشركين، وانشغل فريقٌ منهم بجمع الغنائم. وبسبب الآيات النَّازلة في بدر علم المشركون أنَّهم سوف يتسبَّبون في حلول غضب الله على المسلمين، لذا عادوا من جديد ووجَّهوا ضربة قويَّة للمسلمين. علمْنا ذلك من قوله تعالى:

﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ (بالنَّصر) إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ، حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ (ملاحقة فلول المشركين) وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ (النصر)، مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا، وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ، ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ، وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ، وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران 3/ 152)

لـمَّا عاد المشركون لأرض المعركة كانت صفوف المسلمين مبعثرة فلم يلبثوا إلى أن فرُّوا باتجاه الجبل وتركوا النَّبيِّ وحيدا في الميدان، لكنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم ثبت ولم ينكص، وبدأ ينادي بالمسلمين أن اتَّبعِوا أمرَ الله تعالى بالثَّبات. يقول الله تعالى:

﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ، وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ، فَأَثَابَكُمْ غُمَّاً بِغَمٍّ، لِّكَيْلاَ تَحْزَنُواْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ مَا أَصَابَكُمْ، وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (آل عمران 3/ 153).

لقد نادى الفارِّين بصفته رسولا، بدليل أنَّه قرأ عليهم الآيات التي تدعو إلى الثَّبات، ومعلومٌ أنَّ تبليغ الآيات وظيفة الرَّسول (المائدة 5/ 99). لقد اتبع النَّبيُّ أمرَ الله تعالى، لذا لم يفرّ من الميدان بالرُّغم من بقائه وحيدا، وقد قرأ الآيات التَّالية بصوتٍ عالٍ حاثَّاً القوم على اتِّباع أمر الله تعالى:

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ. وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ، وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (الأنفال 8/ 15- 16)

ما أنْ سمع المسلمون هذه الآيات حتى عادوا مرَّة أُخرى، لأنَّ سببَ فوات فرصة دخولهم مكَّة في بدر هو عدم اتِّباع أوامر الله تعالى. وقد علموا أنَّهم إنْ خالفوا هذه المرَّة أيضا فسيضيعُ منهم كلَّ شيء. لـمَّا رأى المكِّيُّون عودتَهم السَّريعة سُرعان ما تشتت جمعهم، وتراجعوا عن القتال. أمَّا العائدون لأمر الله تعالى فقد شعروا بالطَّمأنينة. علمْنا ذلك من خلال الآية التَّالية:

﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ، وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ، قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ، يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا، قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ، وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (آل عمران 3/ 154)

وقوله تعالى “قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ” تُبيِّن القدرَ الحقيقيَّ، لأنَّ الأجل يُكتب للإنسان عندما تُلقَّحُ البُوَيْضةُ في رحم الأمِّ (الأنعام 6/ 2) وإذا جاء الأجل فلا احتمال للتَّأخير (النحل 16/ 61)

المسلمون الذين اتَّبعوا أوامر الله تعالى وأمضوا ليلة هانئة، تابعوا العدوَّ بعد الرَّاحة فانتصروا بعدما هُزموا. نتعلَّم هذا من الآيات التَّالية:

﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ، لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ. الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ[22] فَاخْشَوْهُمْ، فَزَادَهُمْ إِيمَانًا، وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ، وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ، وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ. إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ، فَلَا تَخَافُوهُمْ، وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران 3/ 172- 175)

في الرِّويات حول معركة أحد، هناك مزاعم بأنَّ نبيَّنا قد جُرِح بضربة سيف، وانقسمت خُوذته إلى قِسمين، ودَخلت حلقات المغفر في وجهه، وكُسرت ثنيَّتاه، وانقسمت شفَّته السُّفليَّة بحجرٍ أُلقي عليه، وأصيب أيضًا في جبهته وركبته.

ويتم إخفاء الحقائق الواردة في الآيات بإيراد الرِّوايات التي تُفيد بأنَّ مجموعةً من الصَّحابة منهم أبو بكر وعمر وعليّ قد شكَّلت حلقة من حول النَّبيِّ لحمايته. والحقُّ أنَّه لا احتمال لصحَّة هذه المرْويَّات، لأنَّ القرآن ينصُّ على أنَّ نبيَّنا بقي وحيدا في مواجهة العدو (آل عمران 3/ 153)، وأنَّه استمر في اتباع أمر الله دون الإخلال بثباته. ومن الجدير ذكره في هذا الصَّدد أنَّ الله تعالى تكفَّل بعصمته من النَّاس بقوله:

﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ، وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ (المائدة 5/ 67)

2_ محاصرة بني قريظة على إثر معركة الخندق

النَّجاح الذي لا يمكن وقفه للمسلمين أزعج المحيطَ بأكمله، وخاصَّة المكِّيِّين، الذين عملوا على تشكيل تحالف لغزو المدينة، وفي السَّنة الخامسة للهجرة داهمت قريش وحلفاؤها من يهود خيبر وغطفان وفزارة وبني أسد وبني سُلَيْم وغيرُهم المدينةَ، وقد كان الهدف من هذا التَّحرك القضاءَ المبرمَ على المسلمين. وقد سُمِّيت تلك الحرب بمعركة الخندق، نسبة إلى الخندق الذي حفره المسلمون لإعاقة تقدُّم الجيوش الغازية إلى قلب المدينة.

وقد كان يهود بني قريظة مرتبطين مع النَّبيِّ بمعاهدة دفاع مشترك بحسب وثيقة المدينة[23]، وبدلا من الوقوف إلى جانب المسلمين انقلبوا عليهم ليقدِّموا الدَّعم إلى الأحزاب المهاجمة للمدينة.

لقد انتهى حصار المدينة بعد أن تفرَّق شمل الأحزاب نتيجة لريحٍ ضربت معسكرَهم، وما إن انسحب الأحزاب حتَّى توجَّه نبيُّنا والمسلمون إلى مضارب بني قريظة وضربوا الحصارَ عليهم. نتعلَّم ما حدث في تلك الأثناء من الآيات التَّالية:

﴿وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ، وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا. وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَؤُوهَا، وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ (الأحزاب 33/ 26-27)

بحسب الآية الرابعة من سورة محمد فإنَّه يتحتَّم إطلاقُ سراح أسرى بني قريظة بعد انتهاء الحرب بالفدية أو المنِّ. ولأنَّه لمْ يعد هناك أيُّ مالٍ بين أيديهم فلا بدَّ أنَّه أُطلق سراحُهم منَّا، أي دون مقابل. وقد أُدينَ نبيُّنا بشدَّة في معركة بدر لعدم اتِّباعه الآيات التَّالية (الأنفال 8/ 67- 68). ولو خالف الآيات مرَّة أُخرى في أسرى بني قريظة لكانت الإدانةُ أشدَّ والعقوبةُ أقسى. وبالرُّغم من وضوح الآيات في هذا الشَّأن إلا أنَّ الرِّوايات المنسوبة إلى نبيِّنا تنصُّ على أنَّه ترك العمل بالآيات، وبدلا من اتِّباعها قام بتعيين سعد بن معاذ زعيم قبيلة الأوس ليحكم في الأسرى، وقد حكم بقتل كلِّ ذكر بالغ وبسبي النَّساء والأطفال وضمِّهم إلى جملة الغنيمة لتقسيمها على المجاهدين، كما تنصُّ الرِّوايات على أنَّ نبيَّنا قد رضي بهذا الحكم ونفذَّه[24]. هذه الرِّوايات كأنَّها تنسب الكفر إلى نبيِّنا وأصحابه، لأنَّ إغماض العين عن آيات الله تعمُّدا عليه نكيرٌ شديد كما تبيِّنه الآيةُ التَّالية:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (البقرة 2/ 174)

ومن المحزن حقا أنَّ المذاهب الفقهيَّة قد أخذت بالرِّوايات المفتراة على نبيِّنا كدليلٍ على جواز قتل كلِّ ذكر بالغ من الأسرى، واتفقوا على ذلك[25]. بل إن بعض الفقهاء يضعون خيار القتل أولا بينما يُبطل آخرون خيار المنِّ من أساسه. وهكذا أكملوا مهمَّة اليهود الذين عملوا مبكرا على تشويه النَّبيِّ وأصحابه. وقد نبَّه الله تعالى النَّبيَّ منهم وطالبه بأنْ يحذر من مثل هذه الأنشطة التي يقومون بها بقوله:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ (آل عمران 3/ 21- 22)

وقتلُ النَّبيِّين الوارد في الآية لا يُفهم منه الإماتة، بل التَّشويه والحطُّ من القدر[26]. وقد كان نبيُّنا أول من التزم أمر الله بتبشيرهم بعذاب أليم. عند نزول هذه الآية لم يكن هناك أيُّ نبيٍّ قد قُتل، كما أنَّ هناك وعدا من الله تعالى له بالحماية والعصمة من النَّاس (المائدة 5/ 67). كلمة القتل لها معنيان؛ أحدهما إزهاق الرُّوح، والثَّاني الإذلال[27] ، وعلى هذا فإنَّ كلمة القتل الواردة في هذه الآية وغيرها من الآيات التي تتحدَّث عن قتل النَّبيِّين لا تأتي إلا بالمعنى الثَّاني، أي الإذلال وتشويه السُّمعة. ويبيِّن القرآن أنَّ هذا دَيْدنُ بني إسرائيل[28]. وتشيرُ الآيات التَّالية أنَّهم بدؤوا عمليات تشويه نبيِّنا حتَّى في حياته:

﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ، وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ، وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ. مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللّهِ، وَلَـكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (آل عمران 3/ 78- 79)

نتيجة للنِّظام القائم على الامتحان الذي وضعه الله تعالى فإنَّه لا يوجد حماية لأيِّ شخص من تأثير شياطين الجنِّ والإنس. لقد حذَّر الله تعالى آدم وحواء من الشَّيطان لكنَّه _سبحانه_ لم يحفظْهُما من تأثيره، ونفسُ الشَّيء يُقال عن حالتنا مع قسمٍ من أهل الكتاب؛ حيث حذَّرنا الله تعالى منهم، لكنَّه لم يحفظْنا من تأثيرهم. جاء تحذيرُ الله منهم كما يلي:

﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاء، وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ (آل عمران 3/ 99- 100)

لقد ترك اليهودُ التوراةَ ودخلوا تحت تأثير شروح علمائهم للتَّوراة المعروفة بالتّلمود. وفقا لهم، فقد أعطى الله تعالى موسى التَّوراة وتفسيرَها (التلمود) جنبا إلى جنب[29]. التَّوراة تُقرأ من أجل العبادة فقط، أمَّا المصدر الوحيد للمعارف والأحكام هو التَّوراة الشَّفوية (أي التّلمود)، وحلول المشاكل لا يُبحث عنها في التَّوراة، بل في التلمود[30]

يُقابل التّلمودَ (التَّوراة الشَّفوية) في تراثنا مصطلحُ الحديث. وقد نهى نبيُّنا الكريم عن كتابة أحاديثه بقوله:

“لَا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ، وَحَدِّثُوا عَنِّي، وَلَا حَرَجَ”[31]

وقد أراد عمر بن الخطاب أن يكتب السُّنن، فاستشار أصحابَ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلم في ذلك، فأشاروا عليه أن يكتبَها، فطفِق يستخيرُ الله فيها شهرا، ثمَّ أصبح يوما وقد عزم الله له، فقال: «إنِّي كنت أريد أن أكتب السُّنن، وإنِّي ذكرتُ قوما كانوا قبلكم كتبوا كُتبا، فأكبُّوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا ألبسُ كتابَ الله بشيء أبدا»[32]

وقد منع عمرُ رضي الله عنه التَّفسيرات الخاطئة للقضاء والقدر. ومثاله: لـمَّا كان متوجها إلى الشَّام سمع أنَّ الطاعون قد ضرب النَّاس فيها، فقرَّر الرُّجوع إلى المدينة. فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفرارا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة – وكان عمر يكره خلافه – نعم، نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كانت لك إبلٌ فهبطت واديا له عُدوتان، إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟، قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف، وكان متغيِّبا في بعض حاجته، فقال: إنَّ عندي من هذا علما، سمعت رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلم يقول: «إذا سمعتم به بأرض، فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا فرارا منه» قال: فحمد اللهَ عمرُ بن الخطاب ثم انصرف[33].

وقد كانت ردَّة فعل عليٍّ رضي الله عنه على الأخطاء المتعلِّقة بموضوع الإيمان بالقدر قويَّة عندما ناظرَه أحدُ أهل الشَّام، حيث قال له:

“ويحك يا أخا أهل الشام! لعلك ظننت قضاءً لازماً وقدراً حتماً ، لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد، والاَمر من الله عز وجل والنهي منه ، وما كان المحسن أولى بثواب الاِحسان من المسيء ، ولا المسيء أولى بعقوبة المذنب من المحسن ، تلك مقالة عبدة الاَوثان وحزب الشيطان وخصماء الرحمن وشهداء الزور وقدرية هذه الاُمّة ومجوسها، إن الله أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلَّف يسيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يُطع مكرهاً، ولم يُعصَ مغلوباً، ولم يكلف عسيراً، ولم يرسل الأنبياء لعباً، ولم ينزل الكتب على العباد عبثا، ً(( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا باطِلاً، ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ))[34].

إنَّ الاعتقاد المبنيِّ على الرِّواية دون أن يكون له أصلٌ في القرآن هو انعكاس لدور التّلمود عند اليهود. ليس هناك شكٌّ في أنَّ أولئك الذين وضعوا التّلمود بدلاً من التَّوراة هم المشركون. وقد كشف الله تعالى لنا أنَّ المشركين سوف ينخرطون في عمليَّة تحريف المفاهيم، كمفهومي القضاء والقدر بقوله:

﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ، كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا، قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا؟، إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ. قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء[35] لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الأنعام 6/ 148- 149)

في هذه الآيات ، يطلب الله تعالى منَّا أن نطرح السُّؤال التَّالي على أولئك الذين يدافعون عن الإيمان الذي يعرّفونه من وجهة نظرهم: “هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا؟” والحقُّ أنَّ ما لديهم لا يعدو كونه خرصا ووهما، “إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ” لذا لا يرغبون بأن يوجَّه لهم مثل هذا السُّؤال.

3_ صلح الحديبية

بناء على رؤيا رآها نبيُّنا بعد معركة الخندق انطلق مع أصحابه نحو مكَّة بقصد الحجِّ، وكان ذلك في ذي القعدة من السَّنة السَّادسة للهجرة، وفي الوقت الذي تشير فيه الرِّوايات أنَّه خرج للعمرة إلا أنَّ القرآن يشير إلى أنَّ خروجه كان للحجِّ. لم يرغب المشركون في دخول المسلمين إلى مكَّة بسبب خوفهم من عدم تمكُّنهم من إخراجهم منها، لذا جهَّزوا 200 فارس بقيادة خالد بن الوليد، حيث التقوا بالمسلمين في الحديبية. لـمَّا علم النَّبيُّ بقدوم عساكر قريش تلَّقى وعدًا من المسلمين بأنَّهم سيقاتلون، وكان ذلك على صيغة بيعة على الموت في سبيل الله، وقد تمَّت تلك البيعة تحت شجرة معروفة. نتعلَّم هذا من الآية التَّالية:

﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (الفتح 48/ 18)

لـمَّا رأى المكِّيُّون عزيمة المسلمين واستعدادهم للتَّضحية تملَّكهم الخوفُ الشَّديد، وكان المسلمون في حالةٍ تمكُّنهم من فتح مكَّة. لكنَّ الله تعالى لم يُرد أن يدخل النَّبيُّ الحرب. والفتحُ المذكور في الآية قد تمَّ تأجيله. نتعلَّم ذلك من خلال قوله تعالى:

﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مكَّة مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا. هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ، وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ[36]، لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ، لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (الفتح 48/ 24- 25)

الرُّؤيا التي رأها نبيُّنا قبل خروجه إلى مكَّة كانت رؤيا صادقة، فإنْ لم تتحقَّق في تلك السَّنة فستتحقَّق بعد ذلك بالتَّأكيد، يقول الله تعالى في هذا الشأن:

﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ، لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ، فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا، فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (الفتح 48/ 27)

الدَّليل على أنَّ خروج النَّبيِّ يوم الحديبية كان للحجِّ وليس للعمرة هو قولُه تعالى في الآية السابقة (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ) فهذا التَّعبير يُستخدم فقط في الحجِّ، فبعد الوقوف بعرفة والإفاضة إلى مزدلفة ورمي الجمرات يحلقُ الحُجاج رؤرسَهم أو يقصِّرون، ثمَّ يأتون ليطوفوا بالبيت، لكنَّ حلق أو تقصير الرَّأس في العمرة يكون بعد إتمام الطَّواف بالبيت والسَّعي بين الصَّفا والمروة، أي أنَّ المعتمرَ لا يكون عند دخوله البيت قد حلق أو قصَّر، لكنَّ الحاج يفعل هذا بعد التَّحلل من الإحرام.

4_ فتح مكَّة هو شرط التَّحلل من الذَّنب

سورة الفتح التي نزلت في طريق العودة من الحديبية تضمَّنت آيةً تفيد بأنَّه لم يبْقَ أيُّ عائق في طريق فتح مكَّة:

﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا[37]. لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا. وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ (الفتح 48/ 1- 3)

الذَّنب المتقدِّم هو عدم تعقُّبه لفلول المشركين يوم بدر (الأنفال 8/ 15- 16) والذَّنب المتأخِّر هو أخذُه الأسرى قبل الإثخان في الأرض (محمد 4/ 47). وقد أنزل الله تعالى سورة النَّصر قُبيل فتح مكَّة مبيِّنة أنَّ غفران الله تعالى لذنب نبيِّه مرتبطٌ بفتح مكَّة:

﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ. وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (النصر 110/ 1- 3)

شكَّلت الأحداث التي عايشها نبيُّنا مثالا حيَّا لمنع التَّفسير الخاطئ للقدر، وكذلك بيَّنت كيفية التَّوبة من الخطايا التي يقع بها المسلمون. كما إنَّها مثالٌ غير مسبوق على المواقف التي يجب على أولي الأمر اتخاذها للوصول إلى أهدافهم. كلُّ هذا من مقتضيات الآية التَّالية:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب 33/ 21)

النَّتيجة

القدر هو المقياس والقانون الذي وضعه الله تعالى لكلِّ شيء. والطريق الوحيد للتَّصرف وفقا لهذه القوانين هو اتباع القرآن الكريم. يقول الله تعالى:

﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ (الأعراف 7/ 3)

وقد وضع الله تعالى نظامه من أجل الامتحان، فوضع المقاييس/ المقادير المتعلِّقة بالبشر متناسبة مع مقتضى ذلك الامتحان. فقال سبحانه:

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (محمد 47/ 31)

الامتحان ليس امتحان معلومات، لكنَّه امتحان الجهاد والصَّبر، لذا فقد أوضح سبحانه في كثير من الآيات أنَّه لا يعلم نتيجة امتحان العباد. لكنَّ أولئك الذين يتركون تعريف الله تعالى للقدر ويختلقون تعريفا آخر وفقًا لهم، فلا يمكننا قبول ذلك منهم. يقول أبو منصور الماتريدي (ت 333 هـ) مؤسس المذهب الماتريدي في تفسيره:

لا احتمال لأن يمتحن الله تعالى الشَّخص؛ لأنَّ اللَّه – عَزَّ وَجَلَّ – عالم في الأَزل بما كان، وبما يكون في أَوقاته أبدًا[38].

ويقول الفخر الرازي (ت 606 هـ) وهو أحد علماء المذهب الأشعري:

الامتحان يكون منَّا على جهة البلوى والتَّجربة والمحنة من حيث لا يعرف ما يكون ممن يأمره، فلـمَّا كثر ذلك في العُرف بيننا جاز أن يصف الله تعالى أمره ونهيه بذلك مجازا، لأنَّه تعالى لا يجوز عليه الاختبار والامتحان، لأنَّه تعالى عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها على سبيل التَّفصيل من الأزل إلى الأبد”[39]

إذا قال الله تعالى أنَّه قد أنشأ نظامه للاختبار وأنَّه لا يعرف النَّتيجة مُسبقًا، فالواجب علينا أن نصدِّقه. أمَّا أولئك الذين يدافعون عن الفهم الخاطئ للقدر لا يعرفون أنَّهم ينسبون الظُّلم إلى الله تعالى عندما يدَّعون علمَ الله المسبق بأفعال العباد. إنَّ الذي شوَّش عقولَهم بهذا الفهم هو تفسيرُهم الخاطئ للآيات التي تنصُّ بأنَّ الله تعالى يعلم كلَّ شيء. ولا شكَّ أنَّ الله تعالى يعلمُ كلَّ شيء، لكنَّ الشيء يعني في العربية الموجودُ فعلا[40]، وهذا يعني أنَّ غير الموجود لا يُسمَّى شيئا.

الامتحان لا يتعلَّق بالعلم، بل بالجهاد والصَّبر. والجهاد يعني الكفاح بكلِّ قوَّة ضدَّ العدوِّ ووساوسِ الشَّيطان ونزعات النَّفس[41]، أمَّا الصَّبر فهو الثَّبات على الحقِّ مهما كانت الظُّروف[42]. وكما يظهر في الآيات المتعلِّقة بمعركة بدر، فلا يمكن معرفة أفعال النَّاس دون الدخول في الاختبار.

يستدلُّ أصحاب الفهم الخاطئ للقدر بهذه الآية:

﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (الحديد 57/ 22)

هذه الآية لا علاقة لها بالفهم التَّقليدي للقدر، ذلك أنَّ الله تعالى إذا أراد خلق شيء فإنَّه يكتبه أولا، ثمَّ يخلقه بقوله “كن”، لذا علَّمنا ربُّنا أن نقول:

﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا، هُوَ مَوْلاَنَا، وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة 9/ 51)

وحتَّى يكون ما يكتبه لنا حسنا علَّمنا الدُّعاء التَّالي:

﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَـذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَـا إِلَيْكَ  (الأعراف 7/ 156)

لو كان القدر بمعنى معرفة الله لكلِّ ما سيفعله النَّاس منذ الأزل كما يدَّعيه القدريُّون، لـمَا كان هناك حاجةٌ لمثل الآية التَّالية:

﴿رَبَّنَا آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (آل عمران 3/ 53)

بحسب الآية فإنَّ الكتابة مترِّتبة على الإيمان والاتِّباع، أي تحصل بعد حصولهما لا قبل الحصول.

الخطأ المتعلِّق بفهم القدر _كغيره من الأخطاء الكثيرة_ ما هو إلا استمرار لفهم الدِّين بدون القرآن، ذلك الفهم الذي بدأه يهود بينما كان نبيُّنا على قيد الحياة، وقد تمَّ تبني هذا المنهج لاحقًا. أمَّا اليوم فهم يواصلون أنشطتهم في المؤسَّسات التَّعليميَّة التي أنشؤوها في جميع أنحاء العالم، ويُرسلون بالشَّباب الذين تلقَّوا العلم الدِّيني المجرَّد من القرآن إلى جامعات المسلمين. أمَّا ما يقع على عاتقنا فهو التَّركيز على تعلُّم دين الله تعالى من كتابه، وأنْ تكون أعمالُنا كلُّها متوافقةً مع أمر الله فيه، وأنْ نجهرَ بأنَّ المصدر الوحيد لفهم الإسلام هو القرآن.

وقف السليمانية/ مركز بحوث الدين والفطرة

الموقع: حبل الله https://www.hablullah.com/

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  مقاييس اللغة، مادة قدر

[2]  مفرادت اللغة للرَّاغب الأصفهاني، مادة جهد

[3]  المفردات، مادة صبر

[4]  انظر البقرة 2/ 153، 155، 249، وآل عمران 3/ 17، 146، والأنفال 8/ 46، 66، والأنبياء 21/ 85، والصافات 37/ 107

[5]  تحريف الشيء: إمالته، وتحريف الكلام: أن تجعله على حرف من الاحتمال يمكن حمله على الوجهين (المفردات، مادة حرف)، والتحريف لا يكون في النص بل في المعنى، لهذا يُصدِّق القرآن النُّصوص الرئيسية للكتب السابقة. ولكن بسبب تحريف كلمة التحريف فقد نُسي أنَّ القرآن صدَّق على الكتب السابقة، كما تم تغطية ما تمّ تحريفه من معاني بعض الآيات القرآنية. وكان معظم التحريفات قد دخلت على الآيات التي أزعجت اليهود. وفي كتب التفسير فإنّ التحريف المذكور في الآية متعلق بالتوراة وليس بالقرآن.

[6]  عمر نصوحي بيلمان، Büyük İslam İlmihali ، ص 30- 31 ، الفقرات 67- 71. اسطنبول 1986

[7]  أحمد صايم قلاووز،  Diyanet İlmihali، 1/ 135

[8]  Diyanet İlmihali، 1/ 133

[9]  صحيح مسلم، الإيمان 1، وسنن أبي داوود، السنة 15، وسنن ابن ماجة، المقدمة 9

[10]  الوعد الوارد في سورة الرُّوم، في الآيات 1- 6

[11]  الطائفتان هما، جيش مكَّة وقافلة أبي سفيان

[12]  غير ذات الشوكة تعني الضَّعيفة، وهي قافلة أبي سفيان.

[13]  يقطع دابر الكافرين بهزيمة جيش مكَّة ودخولها فاتحين.

[14]  كان ذلك في اليوم الذي سيتحقق فيه وعد الله بالنصر الوارد في سورة الرُّوم

[15]  النصر لا يحصل بمعونة الملائكة، وإنما يحصل عليه العاملون له. (انظر آل عمران 13) وكل شيء يحصل وفقا للمقادير/ المقاييس التي وضعها له.

[16] بحسب الآية 10 من سورة الأنفال فإن الله تعالى لم يبعث الملائكة لقتال الكافرين، وإنما لتبشير المؤمنين بالنصر وتثبيت قلوبهم. كان عدد المشركين في بدر أقل من 1000، ولو تدخل الألف ملك لضرب رقاب المشركين وقطع بنانهم لما بقي منهم عين تطرف. لذلك كان الأمر (فاضربوا فوق الأعناق…) موجها للمسلمين وليس إلى الملائكة.

[17]  انظر (الإسراء 17/ 16- 17)

[18]  عمر نصوحي بيلمان، Büyük İslam İlmihali، صفات الله تعالى.

[19]  هو الوعد المكتوب في الآيات الأُول من سورة الرُّوم القاضي بنصر الله للمؤمنين في التزامن مع هزيمة الرُّوم للفرس.

[20]  انظر الأنفال 8/ 68، النحل 16/ 94، النور 24/ 11 و 14 و 23

[21]  كلمة “بجهالة” يفسرها البعض بعدم العلم، والصحيح تفسيرها بالتجاهل، ذلك أن من يعصون الله لا يعصونه لنقص في العلم بل تغافلا عما أمر الله تعالى به ونهى عنه، ويؤيد هذا الفهم ما جاء في سورة يوسف (وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ) (يوسف 12/ 33) أي من المتجاهلين لنهيك عن الاقتراب من الزنا، لأنه خاف أن لا يتمالك نفسه تجاه إغراء امرأة العزيز وصديقاتها. ولأن الله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها فإن الجهالة الواردة في الآية أعلاه لا يمكن أن تُفسر بعدم العلم، لأن عدم العلم يخرج عما في وسع الإنسان.

[22]  بعد هزيمتهم في بدر بدأ المشركون يعدون العدة ويستنفرون القبائل الموالية لهم حتى تجمَّع لهم عدد كبير، وقد نقل جماعة خبر هذا الحشد إلى المسلمين في المدينة وخوَّفوهم من تلك الجموع.

[23]  عند وصول النبي صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجرا، شرع في ترتيب العلاقات الدَّاخلية بين مكوِّنات المجتمع المدني، وكان من ضمن ذلك اتفاقه مع القبائل اليهودية على نظام عمل مشترك، وكان من ذلك الدفاع المشترك عن المدينة في وجه الغزاة، وسُمِّي ذلك بميثاق المدينة.

[24]  للمزيد من التفاصيل حول الروايات الواردة والرد عليها، انظر مقالة جمال نجم (غزوة بني قريظة بين الحقائق والأساطير) على موقع حبل الله https://www.hablullah.com/?p=2100

[25]  من المصادر السنية: المغني لابن قدامة المقدسي 11/ 393- 394 ، ط دار الفكر_ بيروت 1425 هـ. من مصادر الشيعة: الحسن بن يوسف بن المطهر، 9/ 148، تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت_قم الإيرانية 1414 هـ

[26]  انظر مقالة جمال نجم (من قتل النبيين إلى قتل النبوة) على هذا الرابط https://www.hablullah.com/?p=3106

[27]  المفردات، مادة قتل

[28]  البقرة 2/65، آل عمران 3/ 21، 112، 181، 182، النساء 4/ 55

[29]  سليمة ليلى جورقان، التلمود، موسوعة الديانة التركية DİA، 39/ 550

[30]  باقي أدام، التوراة بحسب المصادر اليهودية، ص 169، منشورات PINAR

[31]  صحيح مسلم، باب التثبت في الحديث وحكم كتابته، 72 – (3004)

[32]  جامع معمر بن راشد، باب كتاب العلم، برقم 20484

[33]  صحيح مسلم 32_ باب الطاعون والطيره والكهانة، برقم 98 – (2219)

[34]  ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، 1/ 76 (مكتوبات الشيعة الشاملة)

[35]  كلمة (شاء) الواردة في الآية تأتي بمعنى أوجد (المفردات، مادة شيء) وقد خلق الله تعالى كل شيء بقدر (القمر 54/ 49 ، الرعد 13/ 8) وما يتعلق بالامتحان من الأعمال قسمه إلى الخير والشَّرِّ (الأنبياء 21/ 35) والله تعالى يريد من الناس كلهم أن يسلكوا سبل الخير (النساء 4/ 26) لكنه يوفق ويؤيد من اختار طريق الاستقامة (النور 24/ 46) وهو سبحانه يلهم العبد بأن ما أقدم عليه من فعلٍ هل هو صحيح أم خطأ (الشمس 91/ 7- 10) وفقًا لذلك ، إذا كان فاعل الفعل “شاء” هو الله تعالى ، فهو بمعنى”فعل ما أراد” وإذا كان الفاعل إنسانا ، فهو بمعنى “فعل ما اختاره”.

[36]  جواب لولا محذوف دلَّ عليه السياق، وتقديره: لفتحتم مكَّة

[37]  بمعنى أن الله تعالى قد فتح له الطريق لفتح مكَّة، فلم يُبق أي عقبة أمامه ليحقِّق ذلك.

[38]  أبو منصور الماتريدي، تأويلات القرآن، تفسير الآية 124 من سورة البقرة، 1/ 554، المحقق: مجدي باسلوم، دار الكتب العلمية – بيروت  1426 هـ

[39]  تفسير الرازي، الآية 124 من سورة البقرة، 4/ 31، دار إحياء التراث العربي – بيروت، ط 3 – 1420 هـ

[40]  مفردات الراغب، مادة شيء

[41]  المصدر السابق، مادة جهد

[42]  المصدر السابق، مادة صبر

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.