حبل الله

التَّمييز الإيجابيُّ بحقِّ المرأة بين ما قرَّره القرآن وبين ما توصَّل إليه الغربيُّون

أ.د عبد العزيز بايندر

عندما خرج الغربيِّون عن تأثير المسيحيَّة التي انحرفت عن تعاليم المسيح عليه السَّلام، استطاعوا الوصول في بعض المواضيع إلى حقائق عالميَّة؛ أي الفطرة. وكان ذلك متماشيا مع قرَّره القرآن الكريم في تلك المواضيع. ذلك أنَّ الله تعالى قد وصف دينه بأنَّه الفطرة في الآية التَّالية:

{فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا، لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ، ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الروم 30/ 30)

وهذا يعني أنَّ الدَّين الصَّحيح هو الفطرة، أي القانون العام النَّافذ في جميع المخلوقات، ويمكن تعلُّم هذا القانون من خلال الآيات المنزَّلة والمخلوقة. توجد الآيات المنزلة في كتب الله تعالى التي يمثِّلها القرآن الكريم بوصفه آخر الكتب نزولا والمصدِّق لما سبقه من الكتب والمهيمنُ عليها جميعا. أمّا الآيات المخلوقة فهي جميع المخلوقات حيِّها وجمادها. وهكذا فإنَّ الغربيين استطاعوا الوصول إلى الحقائق في بعض الموضوعات من خلال قراءة آيات الله المخلوقة، ومن ذلك القوانين الخاصة بحماية النِّساء التي تُمثِّل تمييزا إيجابيَّا لها.

وقد سنَّ الله تعالى من التَّشريعات ما يكفل حماية المرأة خاصَّة، حيث شكلت جدارن حماية لها. ويمكن تقديم الآيات التَّالية كأمثلة على تلك التَّشريعات:

{وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ} (النساء 4/ 15)

{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً، وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا، وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (النور 24/ 4)

{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ. وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ. وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ. وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ} (النور 24/ 6-9)

{إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ، لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ، لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ، وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ. لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ. لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ، فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} (النور 24/ 11-13)

كما يُرى ، فإنَّ الله تعالى قد أولى أهميَّة كبيرة لقضيَّة حفظ العِرض والعفَّة، حتى إنَّه لم يكتف بتحريم الزِّنا بل حظر الاقتراب منه (الإسراء 17/ 32) ، كما اشترط إحضار أربعة شهود لإثبات جريمة الزِّنا المدَّعاة على النِّساء، وحَكم على أولئك الذين لا يستطيعون إحضار الشُّهود بأنَّهم قاذفون، ورتَّب على جريمة القذف عقوبةً محدَّدة، وهي الجلد ثمانين جلدة (النور 24/ 4). وذكر أيضًا أنَّه لا ينبغي للمرأة استغلال تلك القوانين لتخرجها عن الهدف الذي شُرعت لأجله في قوله تعالى:

{فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} (النساء 4/ 34)

وفي هذا الموضوع لا يوجد ما ينصُّ على حماية الرَّجل. لكنَّ كتب الفقه قد سحبت جميع الأحكام المتعلِّقة بالمرأة على الرِّجال من باب القياس، وهو قياس مع الفارق كما يظهر.

لقد اكتشف الغربيِّون أنَّ المرأة تستحقُّ حماية إيجابيَّة، ولكنْ نظرًا لكونهم يفضِّلون المصلحة قصيرة الأجل على المصلحة طويلة الأجل، فإنَّهم لم يعتبروا الزِّنا جريمة، وبهذا قد ارتكبوا الشَّرَّ الأكبر بحقِّ المرأة. ولأنَّهم يمزجون بين الخير والشِّر فإننا لم نجد عندهم شيئا يمكننا الأخذ به في هذا الصَّدد.

وما جعل الغربيِّين قادرين على الوصول إلى الحقائق في بعض الموضوعات هو قراءتهم لآيات الله المخلوقة، ولكنْ نظرًا لأنَّهم لم يقرؤوها إلى جانب الكتاب الذي أرسله الله، تجدهم يفقدون قدرتهم على الوجود يوما بعد يوم.

لقد توقَّف المسلمون عن القراءة المتدبِّرة للقرآن منذ زمن بعيد. إلى جانب عدم اهتمامهم بقراءة كتاب الله المخلوق؛ أي عالم الكائنات، وهو ما خلق مشكلات لا حصر لها، وخاصَّة فيما يتعلَّق بالأحكام الخاصَّة بالنِّساء، تلك الأحكام التي صيغت بعيدا عن هدْيِ القرآن الكريم ومقتضى الفطرة، فباتت محنة خطيرة لهنَّ. على سبيل المثال:

إذا تعرضت امرأة للاغتصاب وذهبت إلى المحكمة للشَّكوى، فإنه يُطلب منها إحضار أربعة شهود. وإن لم تستطع إحضارهم يوجَّه إليها تهمة القذف وتُجلد ثمانين جلدة، كما يُحكم بعدم قبول شهادتها. وهكذا فإنَّ المُغتصَبة تواجه الجلد والحرمان من الشِّهادة علاوة على ما تعرَّضت له، حيث لا يمكن أن نتصوَّر وضعا بائسا كهذا. وهذا الحكم كان نتيجة لتقديم المسلمين آراء الفقهاء على نصوص الكتاب والسُّنَّة فانقلبت الأحكام التي هي في صالح المرأة إلى وبال عليها.

الخروج من هذه الحالة يكمن أولا بدراسة كتاب الله المنزل (القرآن) إلى جانب كتاب الله المخلوق (الفطرة) دراسة مباشرة دون تقييد فهم القرآن أو الفطرة بمفاهيم سابقة أو موروثات من أقوال وآراء. وإلا فإنَّه لا يمكن تحسين وضع المرأة بإدخال بعض التَّعديل في الدُّستور والقوانين.

وقف السليمانية/ مركز بحوث الدين والفطرة

الموقع حبل الله www.hablullah.com

أضف تعليقا

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.