حبل الله
الحقيقة المحمدية عند الطرق الصوفية

الحقيقة المحمدية عند الطرق الصوفية

الحقيقة المحمدية عند الطرق الصوفية

أ.د عبد العزيز بايندر

الحقيقة المحمدية عند الطرق الصوفية هي مبدأ الوجود. وهي تشكل مع الله تعالى الوجهين الخلفي والأمامي للحقيقة الواحدة. قد وُجدت في الكون كأول موجود حين لم يكن إلا الله. فجميع الموجودات خلق منها ومن أجلها. وهي مصدر يأخذ منه جميع الأنبياء والأولياء علما لدنيا وباطنيا.[1] الحقيقة المحمدية هي كعقيدة ممتزجة من عقيدة المسيحية عند الكاثوليك وعقيدة (تي) عند الطاوية.  يزعم بعض النصارى أن عيسى عليه السلام هو الله. وفي عقيدة الحقيقة المحمدية يقال في حق محمد صلى الله عليه وسلم ما يفهم أنه الله، تعالى الله عما يقولون، وقد بينا ذلك سابقا.

ترى الطرق الصوفية _التي أجرينا الدراسة فيها_ أنّ الإنسان الكامل هو محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن ليس شخصيته التاريخية المعروفة لمعاصريه. إنّما هو محمد الذي كان نبيا حين كان آدم طينا. أي هو الإنسان الكامل، هو الحقيقة المحمدية التي هي غاية الوجود والخلق، والإرادة الإلهية لا تتحقق إلا بها، وما عُرف الله إلا بها. ومرتبة الإنسان الكامل تحتوي جميع المراتب المادية والمعنوية، ويرتبط قلبه مع العرش، وهويته مع الكرسي، ومقامه مع سدرة المنتهى، وعقله مع القلم الأعلى ونفسه مع اللوح المحفوظ، وطبيعته مع العناصر الأربعة.[2]

في اصطلاح الكثير من الناس فإن عبارة “الإنسان الكامل” تدلّ على  الإنسان الناضج المثالي. ولكن الطرق الصوفية تفهم العبارة على شكل مختلف، ما يجعلها تتلاقى مع معتقد الكنيسة الكاثوليكية، فالإنسان الكامل عندهم هو الحقيقة المحمدية التي تحيا كما يحيا عيسى عند الكاثوليكية. وربما ادعاء الحقيقة المحمدية لتسويغ ادعاء القدسية لأنفسهم، وما يعزز هذا التصور أن كل طريقة من الطرق الصوفية تعتقد بأنّ شيخها إنسان كامل. فهم يقولون: “يوجد دائما في العالم إنسان كامل، ولا يكون إلا واحدا، ولا يخفى عليه شيء في الملك ولا في الملكوت ولا في الجبروت، وهو يعرف الأشياء وحكمها كما هي…” ” وهذه الحقيقة تظهر في كل عصر في صورة مختلفة كنبي أو ولي”.[3] وسنقف على هذا الموضوع تحت عنوان “الخصائص الخارقة المنسوبة لسعيد النورسي”.

“التصرف في الملك” يعني استعمال القوة الخاصة بالله تعالى. والملكوت مختص بملك الله تعالى.[4] والجبروت، هو الهيمنة على العالم الروحي والسماوي.[5] وترى الطرق الصوفية أنّ الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: الأول، خواص الخواص وهؤلاء يعرفون جميع الأسرار، الثاني: الخواص وهؤلاء يعرفون بعض الأسرار، الثالث: العوام وهم بقية الناس. والأسرار التي يدعون معرفتها هي عبارة عن الأشياء الخيالية، وهم يحاولون جلب إنتباه الناس إلى ميزاتهم الشخصية بإظهار أنّهم كبار رجال الدين، وأنّ لهم علاقة متينة مع الله تعالى. وقد كذبهم الله تعالى بقوله: « وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ. وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ» (الأنعام، 6 / 93-94).

من حبائل الشيطان التي وقع الكثيرون في شراكها إظهارُه للأنبياء أنّهم في مرتبة تفوق مرتبة الإنس. ولا يصعب على الشيطان هذا، فهناك أتباعه من شياطين الإنس، حيث يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، فأعوانه من الإنس يضلون الناس عن الحق وهم يرفعون من درجة الأنبياء حتى التأليه، وتلك الدعوة تجد لها صدى مدويا لدى العوام؛ لأن تصور عظمة الأنبياء لدرجة الإرتقاء بهم فوق مستوى البشرية قد ضرب في عمق التفكير البشري منذ أن بعث الله الرسل مبشرين ومنذرين، والقرآن الكريم يقص لنا خبر هؤلاء بقوله تعالى: « وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا. قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا» (الإسراء، 17 / 94-95). «وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا» (الفرقان، 25 / 7).

يقع كثير من الناس اليوم في الحيرة تجاه هذه الآية: « قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا» (الكهف، 18 / 110). والسبب في حيرة هؤلاء أنهم يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم كائن فوق البشرية، والآية تنطق بخلاف زعمهم، ورغم ذلك لا يرون بدا من إغماض أعينهم هروبا من اتباع الحق، وقد صدق الله فيهم إذ يقول :”مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ. صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ” (البقرة،1/18)

وقد ألّه النصارى عيسى عليه السلام، فمن معتقدات المذهب الكاثوليكي أنه لولا عيسى لما خلق الله تعالى الكون، فهم يعتقدون بأنّ كل ما في  السموات والأرض ظاهرا وباطنا والسلطة والسيادة والحكم كلها خلق بواسطة عيسى ومن أجله.[6]

ومثل هذه العقيدة الفاسدة قد تسرب إلى عقيدة المسلمين. فقد جاء في حديث موضوع أن الله تعالى قال: “لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك”.[7] يزعم بعض أصحاب الطرق الصوفية أن الحقيقة المحمدية هي مبدأ الخلق، وقد خلقت ولم تكن شيء غير الله. ومنه ومن أجله خلق كل شيء. والحقيقة المحمدية نور فهو مبدأ وأصل الكون. ولا يقال هذا لشخص النبي لأن هذا النور خالد أزلي. وقد وصفت الحقيقة المحمدية بالأزلية والوجود مع أنه لا يوصف بهما إلا الله تعالى. والحقيقة المحمدية هي المصدر الوحيد الذي أخذ منها الأنبياء والأولياء العلم اللدنّي. وهم وسطاء ليصل الإشراق الصادر من تلك الحقيقة إلى الخلق.[8]

يعتقد المذهب الكاثوليكي أن عيسى إله حقا وإنسان حقا. فلذلك هو الوسيط الوحيد بين الله والإنسان.[9] كذلك يعتقد بعض أصحاب الطرق الصوفية بأن الله والحقيقة المحمدية هما الوجهان للحقيقة الواحدة.[10]

وقال البعض في هذا الموضوع شعرا، ونورد معنى هذا الشعر: أحد هو أحمد فالميم بينهما يفرق، فالعالم كله في هذه الميم يغرق. يعني أن “أحد ” هو الله،[11] وأحمد هو اسم النبي صلى الله عليه وسلم الذي ذكر في القرآن الكريم. ما دام أحد هو أحمد، وأحد هو الله فالنتيجة أن الله هو أحد أي محمد.. وعلى رأي قائل هذا الشعر أنه لا فرق بين أحد وأحمد إلا الميم، وهذا الفرق في الكتابة وهو من أجل أحمد. لأن الكون في رأيه محاط بهذه الميم!. لا شك أنه لا علاقة للإسلام بهذه الأفكار المنحرفة والعقائد الباطلة. يقول الله تعالى:

«وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ» (آل عمران، 3/144).

«قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ » (فصلت، 41/6).

«قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً. قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً. إِلَّا بَلَاغاً مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً» (الجن، 72/21-23).

هذه المقالة جزء من كتاب أ.د عبد العزيز بايندر (التوسل والشرك). يمكن تحميل الكتاب كاملا عن موقعنا

http://www.hablullah.com/?page_id=679&did=7



[1]  Mehmet DEMİRCİ, “Hakikati Muhammediye”, DİA, c. XV, s. 179180.

[2] Hasan Kâmil YILMAZ, İnsânı Kâmil, Altınoluk Mecmuası, Temmuz 1996, sayı, 125; s. 31.

[3]  Hasan Kâmil YILMAZ, a.g.e, s. 31.

[4]   المفردات، مادة: ملك.

[5]  Şemseddin Sami, Kâmûsi Türkî, Dersaadet جبر ) , 1317 ) maddesi.

[6]    التعاليم الدينة للكنيسة الكاثوليكية، الفصل. 331.

[7]   كشف الخفاء لإسماعيل بن محمد العجلوني، بيروت، 1988 / 1408، جـ . 2، صـ . 164.

[8]   محمد دميرجي، “الحقيقة المحمدية”، الموسوعة الإسلامية لوقف الديانة، جـ . 15، صـ .179-180.

[9]   التعاليم الدينة للكنيسة الكاثوليكية، الفصل. 480.

[10]  محمد دميرجي، “الحقيقة المحمدية”، الموسوعة الإسلامية لوقف الديانة، جـ . 15، صـ .179-180.

[11] Ali Ramazan DİNÇ, İki Cihan Serveri Peygamberi Zîşânımız, Yeni Dünya Dergisi, 5859 sayılar, AğustosEylül 1998, s. 32.

 

التعليقات

  • شكراً على المجهود.
    لاكن اريد ان ارد عليك في قولك ان الصوفيين يدعون استعمال القوة الخاصة بالله و الاطلاع عن الاسرار و كما قلت ان هذه الا دعاية لجلب الناس و على حسب ضني ان في اعتقادك ان هذا شرك……
    لا كن انا اقول لك سيدنا عيسى الم يحي الموتى و و يخلق من الطين كهيئة طير فيصبح طيرا حقيقيا……. الم تتمعن في سورة الكهف ان سيدنا الخضر كصفته رجل صالح الم يتنبأ بالغيب….. في قتل الفتى
    الم تتمعن في مريم العذراء كونها امراة صالحة الم يوحى اليها ان تهز بجذع النخلة فهزته و نحن نعلم ان جذع النخلة لو اجتمع 10 رجال لما استطاعوا هزه……
    فكل هذه القوات هي قوات خاصة بالله فكيف قام بها هؤلاء بني البشر رضوان الله عليهم.
    فعلم يا اخي الفاضل ان الصوفي ذو المقام عند ربه اذا ادعى القيام بهذه القوات فليس مقصوده الشرك او الاغراء با هي كرامات من عند الله و ما يقوم بها الا باذن و ارادة الله.
    فالقرآن الكريم مليئه بالأدلة حول كرامة الأولياء.
    ارجو منك التمعن جيداً و مراجعة افكارك.
    عذراً يا اخي الفاضل عن تعليقي…

    • قال الله تعالى: «مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ» (آل عمران، 3 / 179).
      وإذا أراد الله تعالى أن يبين شيئا من الغيب فإنّه يبينه على لسان نبيه عن طريق الوحي، ولذلك أصول خاصة. قال الله تعالى: «عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا. إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا. لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (الجن، 72 / 26- 28).
      وقد خرجت تلك المعلومات بالوحي من أن تكون غيبا. وقد جعل الله الملائكة حافظين من أمر الله؛ لئلا يشكّ النبي من كونه وحيا من الله تعالى. كما قال الله تعالى: « وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. » (الحج، 22 / 52).
      وقد جاء في بعض كتب التفسير في سبب نزول سورة الأنعام عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَزَلَتْ سُورَةُ الْأَنْعَامِ وَمَعَهَا مَوْكِبٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَسُدُّ مَا بَيْنَ الْخَافِقَيْنِ، لَهُمْ زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ، وَالْأَرْضُ تَرْتَجُّ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وَسَلَّمَ يَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ». فيطمئن بذلك أن من جاءه هو ملك الوحي، وأنه لا يمكن للشيطان أن يخلط الوحي بشيء من الوسوسة. وقد استدل سعيد النورسي بالآية التي تبين كيفية الوحي إلى النبي على علم الغبيب للأولياء. وهذا زعم باطل ولا يمكن قبوله.
      ولا يعلم أحد غيب الماضي
      يقول سعيد النورسي: “إنّ الأولياء العظام مثل عبد القادر الجيلاني يعرفون أحيانا غيب الماضي كما يعرفونه في الحاضر…”
      كيف يمكن قبول مثل هذا الزعم! والله تعالى يقول: «قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ» (النمل، 27 / 65). وهذه الآية تدلّ بنصّ العبارة أنه لا أحد يعلم الغيب إلا الله، سواء أكان من الإنس أم الجنّ أم الملائكة.
      وبعد أن ذكر الله تعالى قصة نوح عليه الصلاة والسلام، أكدّ سبحانه أنّ ذلك غيب ما كان لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولا لقومه أن يعلموه قبل هذا، فقال جلّ شأنه: « تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ» (هود، 11 / 49). كما أنّ هناك آيات كثيرة في هذا المعنى. منها آل عمران، 3 / 44، والأعراف، 7 / 101، وهود، 11 / 120-123، يوسف، 12 / 202.

      أما الكرامة فهي في اللغة العزة والقوة، وهي ضد الهوان والضعف؛ وقد أعطى الله تعالى هذه الكرامة لبني الإنسان كما قال تعالى: « وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ أالطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا» (الإسراء، 17/70). فقد سخر الله سبحانه وتعالى الحيوان للإنسان ليحمله ومتاعه حيث أراد، ووهب الله للإنسان قوة تمكنه أن يصنع أنواعا مختلفة من وسائل النقل. وكذلك من أنواع الكرامات التي أعطاها الله تعالى للإنسان هي هدايته إلى الإيمان، فالإيمان هو أكبر نعمة من نعم الله تعالى، لأن فيها ضمان الأمن في الدنيا في الحياة الأبدية. قال الله تعالى: «الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ» (الأنعام، 6/82).
      وقد بين الله تعالى من هم أكرم الناس عنده: فقال: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» (الحجرات، 49/13). فأكرم الناس من كثرت عندهم الكرامة. ونفهم من ترتيب الآية الكرامة على التقوى أن الكرامة معللة بالتقوى؛ فحيث كانت التقوى أعظم في نفس المسلم كانت الكرامة أكبر.
      ولكن الكرامة أصبح يقصد بها الأمور الخارقة للعادة، تظهر على يدي ولي من الأولياء المزعومين، حتى استوت الكرامة والمعجزة فقيل: هي أمور خارقة للعادة إذا ظهرت على يد نبي فهي معجزة وإلا فهي كرامة. وقد دخل هذا التحريف لكلمة “اَلْوَلِي” فقيل لأولياء الشياطين أولياء الله زورا وبهتانا. والحقيقة ان كل مؤمن ومسلم هو ولي الله كما قال تعالى: « أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ. لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» (يونس، 10/62-64). وعلى هذه الآية فالكرامة هي عدم الحزن للمؤمنين، فقد أكرمهم الله بها. ومن أنواع الكرامة الخلاص من المصائب قال تعالى: « فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا» (الطلاق، 65/2-3).
      والناصر لعباده المؤمنين هو الله تعالى، ينصرهم بالسنن الكونية التي أودعها الله في هذا الوجود ، كما ينصرهم بخوارق العادات، فإذا نصر الله عبده بالخوارق قيل عنه كرامة لأنه أكرمه بالنصرة. والكرامة نعمة من الله تعالى، وكل نعمة تستحق الشكر عليها. ومن الكرامات ما قد يضل بها الإنسان كالمال والمُلك والمنصِب الشريف والجاه، فعلى الإنسان أن يسعى لإرضاء ربه تعالى، وليس أن يبحث عن الكرامة.
      ونفهم من الآية السابقة أن الله تعالى يكرم عباده المؤمنين في ساعات العسرة بوجه أو بآخر، فعلى الإنسان أن يعلم أن هذا إكرام من عند الله تعالى، وليس من عند نفسه فعليه أن يشكر ربه.
      ولقد نصر الله المؤمنين في غزوة بدر أثناء الضيق، فأرسل إليهم ملائكته وأكد في الآية أن النصر من عنده سبحانه وليس من عند الملائكة، كما أخبر الله تعالى بقوله: « إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ. وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» (الأنفال، 8/9-10).
      ولا يحسبن الذين ظهرت لهم الكرامات بأنهم قد وصلوا إلى هدفهم المنشود، بل عليهم أن يجتهدوا في العبادة ما داموا على قيد الحياة. قال تعالى: « وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ» (الحجر، 15/99).

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.