حبل الله
مَقولة “القرآن حمَّالُ أوجه” وتأثيرها على الأحكام الفقهية : الأضحية كمثال

مَقولة “القرآن حمَّالُ أوجه” وتأثيرها على الأحكام الفقهية : الأضحية كمثال

يُروى عن عليٍّ رضي اللهُ عنه‏ أنه قال لابن عبَّاس ‏:‏ “لا تُجادلهم بالقرآن‏ فإنَّه حمَّالُ أوجه وخُذْهم بالسُّنَن‏”[1] ويُقالُ إنَّ عليَّاً وجَّهَ ابنَ عبَّاس بهذه الكلمات بخصوص مُجادلة الخوارج، والبعضُ ينسبُ هذه المقولةَ لعمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، وعلى الرَّغم من اشتهار هذه المقولة ‏، إلَّا أنَّه لم تصحَّ نسبتُها الى عليٍ أو غيره من الصَّحابة، عدا عن كون متنها منكراً لا يحتمل الصَّحَّة أصلاً.

والعجيبُ أنَّ هذه العبارة اتُّخذتْ دليلاً من قبل فريقين متناقضين :

الأوَّل : فريقُ اللادينيين حيثُ يحتجُّون بهذه العبارة على أنَّه يجوزُ تفسيرُ القرآن بما تشتهيه الأنفسُ وبما يُناسب ذوقَ المفسِّر، ومقصودُهم الخروجُ عن أحكامه إلى أحكام البشر.

الثاني : فريقُ الرِّوائيِّين الذين يُقدِّسون الرِّوايات المنسوبةِ للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم والصِّحابةِ دون تقييدها بنصوص الكتاب العزيز.

وبالرَّغم من إقرار الروائييِّن بضعف سند هذه المقولة إلَّا أنَّ بعضَهم يُصرُّ على الأخذ بها لإسنادِ دعواهم بإمكانيَّة الاعتماد على السُّنَّة بمعزلٍ عن القرآن الكريم.

هذا الفريقُ يدَّعي أنَّه لا يأخذ بالسُّنَّة مجرَّدةً عن القرآن لقولهم انها المصدر الثاني للتشريع. وقولهم هذا لا يصمد أمام حقيقة ترجيحهم الرواية على كتاب الله في معظم الأحيان حتى ظهر من بين العلماء من يقول أنَّ السُّنَّةَ قاضيةً على كتاب الله، وأنَّ القرآنَ لا يُفهم إلَّا بها ومن خلالها، ولهذا يقبلون _ضمناً_ ما نُسب إلى عليِّ من أنَّ القرآنَ حمَّالُ أوجهٍ وهذا يعني ‏أنَّ القرآنَ يحتملُ تفسيراتٍ مختلفةٍ‏ وأفهاماً متباينةً‏ بحيث يمكن أن يُحتجَّ به على الشَّيء وضدِّه.

إنَّ هذه الدَّعوى باطلةٌ على ضوء القرآن وببيانه الفَصْل :

فقد وصفَ اللهُ تعالى القرآنَ بأنَّه نورٌ وكتابٌ مُبين‏[2]، وأنَّه‏ الهدى[3] والفُرقان[4] والكلمةُ الفصل[5] وأنَّه كتابٌ عزيز[6] (لا يحتاج إلى غيره)، فكيف يمكن أن يُقال أنَّه حمَّالُ أوجه بعد كل هذه الأوصاف ؟ ! أم أنَّ الله تعالى يصف كتابَه بما ليس فيه ؟ !

وقد كان لهذه العبارة وغيرها مما يؤيِّدها تأثيرٌ كبيرٌ على طريقة استنباط الأحكام الشَّرعيَّة، حيث امتدَّ أثرُها لتطال غالبيَّة الأحكام ومنها ما يتعلَّق مثلاً بأضحية العيد، فالمُتتبِّعُ لأقوال الفقهاء  كما وردتْ في مصادرهم الفقهيَّة يجدُهم مختلفين في حكمها إلى فريقين، وكلا الفريقين لم يأخذ بآيات الكتاب دليلاً على ما ذهب إليه :

الفريق الأوَّل : يرى الأُضحيةَ واجبةً ويستدلُّون بقوله – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ وَجَدَ سَعةً ولم يُضحِّ فلا يقربنْ مُصلَّانا» أخرجه ابن ماجه. وفي روايةٍ أخرى «مَنْ كان له سَعةٌ ولم يُضحِّ فلا يقربنْ مُصلَّانا» رواه أحمد وابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه وأبو يعلى الموصلي في ” مسانيدهم “، والدَّارقطني في ” سننه ” والحاكم في ” المستدرك ” وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

قال ابن الجوزي في ” التَّحقيق “: وهذا الحديثُ لا يدلُّ على الوجوب كما في حديث: «مَنْ أكَلَ الثُّوم فلا يقربنْ مُصلَّانا» . قوله : سعةً بفتحتين أي غِنى ويسار، وقيل : ممَّا يدلُّ على الوجوب حديثٌ أخرجه البخاري ومسلم عن البراء بن عازب عن أبي بردة بن يسار «قال : يا رسول الله – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إنَّ عندي جذعةً ؟ قال: ” اذبحْها ولن تُجزئ عن أحدٍ بعدك “.» ومثل هذا لا يُستعمل إلَّا في الواجب.

وأخرجَ الدَّارقطني عن ابن المسيِّب بن شريك حدَّثَنا عبد الملك بن شعبة عن مسروق عن علي عن النبيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «نَسَخَ الأضحى كلَّ ذبح ورمضانُ كلَّ صومٍ» وقال البيهقي: إسنادُه ضعيف بمرة، والمسيَّب بن شريك متروك[7].

الفريق الثاني : ذهبوا الى أنَّ الأضحيةَ سُنَّةٌ لما روى أنسُ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم كان يُضحِّي بكبشين قال أنس : وأنا أُضحِّي بهما، وليستْ بواجبةٍ لما رُوي أنَّ أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا لا يُضحيان مخافةَ أن يُرى ذلك واجباً[8].

كما ترى فإنَّ كلا الفريقين لم يأخذْ بالقرآن دليلاً على حُكم الأضحية بالرغم من بيان القرآن الكريم لحكمها كما يلي :

جاء في سورة الكوثر وهي من أوائل السُّور المكيَّة أمرُ الله تعال نبيَّه بالنَّحر بقوله {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} (الكوثر، 2) ولم يُروَ عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه ضحَّى في مكَّة، والسَّبب أنَّ الآيةَ مُحكمةٌ وتحتاج إلى تفصيل بحسب المنهج الذي بيَّنه اللهُ تعالى في سورة هود بقوله {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ. أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} (هود، 1_2)

ولم يكنِ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم ليشرع في تنفيذ أمر الله تعالى إلا بتمام الآيات المُتعلِّقة بالموضوع التزاماً بأمر ربه إيَّاه بقوله {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} (طه، 114)

ولقد جاء تفصيلُ أمر الله تعالى بالنَّحر الوارد في سورة الكوثر المكِّيَّة في موضعين من سورة الحجِّ المدنيَّة :

قال الله تعالى {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} (الحج، 27_28)

هذه الأيةُ تُبيِّنُ أنَّ ما يُنحر هو الأنعام، ويكون ذلك في الأيَّام المعلومات، وهي أيَّام عيد الأضحى، ثم بيَّنت وجوبَ التَّسمية والتَّكبير عند الذَّبح.

ثم بيَّن تعالى هيئةَ الأنعام التي تُذبح وسِنَّها وكيفيَّةَ التصرُّف في اللَّحم بقوله تعالى :

{وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (الحج، 36)

والبُدْنُ، هي ما اكتملَ سِنُّها من الأنعام وكانت سمينةً[9] ، لذا جاء بيانُ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه لا يصحُّ أن يُذبحَ من الأنعام إلَّا المُسنَّةُ والتي لا عيبَ فيها بقوله : “لا تذبحوا إلَّا مُسنَّةً، إلَّا أن تَعسُر عليكم، فتذبحوا جَذعةً من الضَّأن “[10]

ولا يُطلق على الأنعام كلمةُ البدن إلَّا أن تكون كاملةَ السِّنِّ واللَّحم ولا عيب فيها. ولأنَّ الله تعالى طيِّبٌ لا يقبل إلَّا طيِّباً وَرَدَ نهيُ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن ذبح ما يخلُّ بكونها مكتملةَ الأوصاف (بَدَنَة) بقوله : (أربعٌ لا تجوز في الأضاحي: العوراء البيِّن عورُها، والمريضة البيِّن مرضُها، والعرجاء البيِّن ضلعُها، والعجفاء- يعني الهزيلة- التي لا تنقى)[11].

الأضحية فرض كفاية

لم يأمرِ النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم كلَّ مسلمٍ بالأضحية لأنَّها فرضُ كفاية لا فرضَ عين، فهي واجبٌ على الأُمَّة إن قام بها البعضُ سَقَطَ الإثمُ عن الباقين وهذا مفهومُ قولِه تعالى {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} (الحج، 34).

وقد وَجَدنا النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُضحِّي عن نفسه وأهل بيته وعمَّنْ لم يضحِّ من أمَّتِه.

فعن جابر بن عبد الله، قال: شَهِدتُ مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الأضحى بالمُصلَّى، فلمَّا قضى خطبتَه نزلَ من منبره، وأتى بكبشٍ فذبَحَه رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بيده، وقال: “بسم الله والله أكبر، هذا عنِّي، وعمَّنْ لم يُضحِّ من أمَّتي” [12]

كما ترى فإنَّ الأحكام التي أوردها القرآنُ في الأضحية هي غايةٌ في الوضوح والبيان، وما فعلَه النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم هو ما أمرتْ به الآياتُ، فكانتْ أفعالُه وأقوالُه صلَّى الله عليه وسلَّم الحكمة المستقاة من الكتاب.

ذلك هو المنهجُ الذي سعِدتْ به الأُمَّةُ في بداية عهدها، ولن تسعَدَ من جديدٍ إلَّا باتباع النهج ذاته، الذي يُحتِّم علينا تركَ كلَّ قولٍ أو رأيٍ أو روايةٍ تُنقِصُ من شأن القرآن عمداً أو سهواً، بطريقةٍ مباشرةٍ أو غيرِ مباشرة.

وصَدَقَ اللهُ إذ يقول: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} (الإسراء، 9)

وقف السليمانية/ مركز بحوث الدين والفطرة

الموقع حبل الله www.hablullah.com

جمال احمد نجم

 


[1]  هذه المقولةُ وردتْ عن عليٍّ رضِي الله عنْه قالها لعبد الله بن عبَّاس، لمَّا بعثه للاحتِجاج على الخوارج، قال له: “لا تُخاصِمْهم بالقُرآن؛ فإنَّ القُرْآن حمَّالُ أوجُه، ذو وجوه، تقول ويقولون، ولكنْ حاجِجْهم بالسنَّة؛ فإنَّهم لن يَجدوا عنْها مَحيصًا”. ومنْها قولُ ابن عبَّاس: “القُرآن ذو وجوه؛ فاحْمِلوه على أحسنِ وجوهِه” أخرجه أبو نعيم. وقد روي عن ابن عباس مرفوعًا بلفظ: “القُرآن ذلولٌ ذو وجوه، فاحمِلوه على أحسنِ وجوهِه”، قال الألباني في: السلسلة الضعيفة والموضوعة: (3/ 127)، رواه الدَّارقطني: (ص 485) عن زكريَّا بن عطيَّة: أخبرنا سعيد بن خالد، حدَّثني محمَّد بن عُثْمان، عن عمْرِو بن دينار، عن ابن عبَّاس مرْفوعًا. وهذا سندٌ ضعيفٌ جدًّا لجهالة بعض رواته والنكارة على بعضهم.

[2] انظر المائدة، 15_16

[3]  انظر البقرة، 2

[4]  انظر الفرقان، 1

[5]  انظر الطارق، 13

[6]  انظر فصلت، 41_42

[7]  انظر البناية شرح الهداية المؤلف، بدر الدين العينى (المتوفى: 855هـ) 12/6_7

[8]  المهذب في فقة الإمام الشافعي، أبو اسحاق الشيرازي (المتوفى: 476هـ) 1/432

[9]  اتظر لسان العرب مادة بدن

[10]  مسند أحمد (14348) (15280) وأخرجه مسلم (1963) ، وأبو داود (2797) ، وابن ماجه (3141) ، والنسائي 7/218، وابن الجارود (904) ، وأبو يعلى (2324)

 [11] أخرجه الإمام أحمد (4/284، 289، 300) وأبو داود، كتاب الأضاحي، باب ما يكره من الضحايا (رقم 2802) ، والترمذي، كتاب الأضاحي، باب ما لا يجوز من الأضاحي (رقم 1497)

[12]  أخرجه أحمد (14895) (14837) وأخرجه أبو داود (2810) ، والترمذي (1521) وهو حديث صحيح وله طرق وألفاظ كثيرة بنفس المعنى

أضف تعليقا

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.