حبل الله
الباب الأول: الدين

الباب الأول: الدين

الباب الأول: الدين

يزعم الكثيرون ممن يتهربون من استحقاق الإيمان أنّ مجرد الإيمان بوجود الله ووحدانيته كافٍ للوصول إلى مرضاة الله تعالى، مع العلم أنه لا أحد في هذا الوجود ينكر وجود الله تعالى ووحدانيته حقيقة، إذ أنّ الإيمان بوجوده تعالى هو من صميم الفطرة التي خلق الله الناس عليها. يقول الله تعالى: «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ. أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ. وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ» (الأعراف، 7 /174).

وما يعرف عند الناس؛ بـ«الميثاق» أو «ألست بربكم» أو “قالوا بلى”. هي مسألة قبول الناس بشكل واضح بوجود الله ووحدانيته.  وقد دلت الآية على أن أخذ الميثاق هذا قد تمّ حين أخذ الله تعالى الذرية من صلب بني آدم، والمتمثل في أخذ تلك البذرة التي يدوم بها النسل والبشرية، كما أنّها العلامة على وصول الإنسان إلى سن البلوغ، وهو السن الذي يمكن للإنسان أن يصبح فيه أباً.

 ويبدأ الإنسان منذ طفولته بقراءة آيات الله تعالى؛ تلك الآيات المسطورة في صفحة هذا الكون الممتد الفسيح والموجودة في كل مفرداته، في السماء والأرض والجبال والشجر والدواب وفي نفسه… كما قال الله تعالى: «سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ » (فصلت، 41 / 53).

والآيات التي يقرؤها الإنسان في الآفاق والأنفس تخبره بوجود خالق يتصف بالوحدانية؛ نظرا لذلك الإنسجام العجيب والتناسق التام الذي يحكم حركة هذا الكون، والذي لا يمكن لآلهة متعددة مختلفة الإرادات أن يصدر عنها هذا النظام المحكم البديع، لذا يبدأ الإنسان منذ طفولته يبحث عن الله تعالى ويوجه لمن حوله أسئلة كثيرة، وبعد أن يشاهد الأدلة والبراهين، يتبين له وجود الله ووحدانيته.  كأن الله سبحانه وتعالى يسأله «ألست بربكم» فيجيب الإنسان بكل ثبات وقرار «بلى أنت ربي وأنا أشهد على ذلك». وهذا الموقف يتكرر في كل لحظة من لحظات الحياة. فكلما يرى الإنسان آيات الله في الآفاق والأنفس يزداد إيمانا وتصديقا بالله. وعلى ذلك يمكننا القول بأن كل إنسان يؤمن بوجود الله ووحدانيته وبأنه خالق كل شيء.

والمشرك هو من أشرك بالله تعالى، ويكون الشرك بين اثنين على الأقل، أحدهما يكون دائما هو الله الإله الحق، والثاني يختلف أي: ما يتخذ إلها من دون الله. ومن عرف وجود الله وواحدانيته، لا يبقى له مبرر في زعمه أن يقول يوم القيامة: «… إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ» (الأعراف، 7/173).

وسن البلوغ له أهمية خاصة، لأن المسؤولية تبدأ به. والإنسان في هذا السن يشهد لله بالوجود والوحدانية المطلقة وبأنه ربه ورب كل شيء، ولو خالف ذلك ما وجد عليه آباءه ومن حوله. ولكن البعض يعترف بذلك، والبعض الآخر لا يعترف إلا عند حدوث واقعة مهلكة فحينئذ يتضرع إلى الله وحده.

والملاحدة هم الذين يُقال عنهم بأنهم لا يعترفون بإله خالق. وهم يكذبون في ذلك وفي حقيقة الأمر هم يعرفون وجود إله خالق، إلا أنهم لا يريدون الإعتراف بغية دفع استحقاق الإيمان عن كواهلهم، فهم لا يريدون أن يتدخل ذلك الإله الخالق في شؤون حياتهم. وهم بهذا يؤَلّهون أنفسهم ويشرعون لأنفسهم شرعا يوافق هواهم. أما المشركون فيتخذون مع الله آلهةً أخرى، ويجعلونها ندا لله، والكل يعرف بأنه لا ند لله ولا شريك له، وينقضون العهد من بعد ميثاقه، قال تعالى «الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ» (البقرة، 27). لأن من جعل مع الله إلها آخر فقد قطع الصلة بينه وبين الله.

ترد في القرآن الكريم كلمات مشتقة من الذكر. و”الذكر”  هو هيئة للنفس بها يمكن للإنسان أن يحفظ ما يقتنيه من المعرفة، وهو كالحفظ إلا أن الحفظ يقال اعتبارًا بإحرازه، والذكر يقال اعتبارًا باستحضاره.[1] ومنذ أن ولد الإنسان وفتح عينيه على العالم، فهو يرى آيات الله. وآيات الله ليست محدودة بما أنزل الله في الكتاب، بل إن لله آيات كثيرة في الآفاق والأنفس. وبمطالعتها يحصل الإنسان على معارف كثيرة. فهي معرفة تدل على القوانين الطبيعية والمبادئ الشمولية للأخلاق. والذكر اسم مشترك للكتب الإلهية مثل التوراة والإنجيل والقرآن.[2] قال الله تعالى: «سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ » (فصلت، 41 / 53).

ومن أجل ذلك دعى الرسل الناس إلى التذكر، أي أنهم دعوهم إلى الإستفادة مما هو موجود في ذاكرتهم من المعارف. لذا قال الله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام حين: «أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ » (الأنعام، 6 / 80). أي “ألا تتذكروا المعارف التي حصلتم عليها منذ طفولتكم فتقارنوها بما قلته  لكم فتعرفوا أنكم على خطأ”.

ومن المعلوم أنّ قوم إبراهيم كانوا يؤمنون بأن الله هو خالق السموات والأرض ولكنهم كانوا يزعمون أنّ الله تعالى ترك إدارتها (ملكوتها) للشمس والقمر والنجوم. وهم يرون هذه المخلوقات كحاكم محلي، ومنحوا لكل واحدة منها قوة روحية ومعنوية. ولهذا السبب يدعونها، ويبنون علاقتهم مع الله بواسطتها، وينصبون تماثيلها فيقدمون لها قرابين ويسجدون أمامها تعظيما لها. وهم بهذا العمل يشركون بالله. كما أنهم أقاموا عِقدهم الإجتماعي على هذا تلك المفاهيم. وقد أصبح إبراهيم يشكل خطرا عليهم حين بدأ ينادي بأن ليس لتلك المخلوقات نصيب في تصرفات الكون (في ملكوت السموات والأرض). كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: «وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ. فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ. فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ. فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ» (الأنعام، 6 / 75-80).

ويعني إبراهيم عليه السلام بقوله: «أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ» ألا ترون ما رأيته أنا بأن ليس لتلك المخلوقات نصيب في ملكوت السموات والأرض؟ وحينما قال لهم إبراهيم عليه السلام: « إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» ولم يسأل أي واحد منهم من هو خالق السموات والأرض؟ لأنهم كانوا يعرفون ذلك يقينا. ثم قال لهم: « وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» (الأنعام، 6 / 81).

والمشرك يتخذ إلهين إثنين على الأقل. أحدهما يكون دائما الله والآخر ما يؤمن بكونه وسيطا بينه وبين الله من الآلهة المزعومة، وحجته التي يعتمد عليها هو ما ألفى عليه آباءه الأقدمين دونما استعمال لعقله وتفكيره. قال الله تعالى: « وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ» (المائدة، 5 / 104). «وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ» (يونس، 10 / 100).

وعندما يُعمل الإنسان عقله ويحرره من الموروث الساذج يدرك ويلاحظ دونما جهد وجود الله ووحدانيته، ولذلك عندما نقول “أشهد أن لا إله إلا الله”  فإننا نقولها من صميم قلوبنا وليس مجرد نقل وسماع من رسول؛ وإلا لقلنا لا إله إلا الله على ما علمني هذا الرسول” بدلا من أن نقول  “أشهد أن لا إله إلا الله”. وهذا ما تعنيه كلمة ( أشهد) فهي إقرار منك بما رأيت وبما أدركت، ولا يصح أن يشهد الإنسان إلا بما رأى ووعى.

 لم يقم أي من الرسل بإثبات وجود الله ووحدانيته. بل قام كل رسول بدعوة أن لا إله إلا الله وأنه وحده المستحق للعبادة. وهو أمر يعرفه كل ذي عقل سليم. وقد أعرض الناس عن دعوة الرسل خوفا على نظامهم المبني على المعتقدات الخاطئة.

وهناك من يجعل كتاب الله تابعا لأهوائه ويتجاهل كثيرا من آياته، ويريد بذلك إقامة حياة إجتماعية بعيدة عن الوحي المنزل بالرغم من أنه يؤمن بالرسل والكتب المنزلة إليهم. ويمكن أن يندرج تحت هذه المجموعة اليهود والنصارى وبعض المسلمين.

أ‌.                       الغرور بالله

قال الله تعالى: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ. وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ. يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ. إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ. الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ» (فاطر، 35 / 3-7). وقال أيضا: « قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا» (فاطر، 35 / 40).

وقال أيضا: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ» (لقمان، 31 / 33).

1.                    التفريق بين الله ورسوله

وقد قلنا سابقا إنه ما من أحد في هذا الوجود إلا ويؤمن بوجود الله ويظهر إيمانه هذا في حياته اليومية.

 فكل إنسان يؤمن بالله ويعبر عن إيمانه هذا بطريقة ما، حتى من نسميهم بالملاحدة فهم يؤمنون بوجود الخالق سواء سمّوه بـ “الله” أو “الطبيعة” أو “إله السماء” أو أي شيء آخر. والملحد كمن ينكر أباه، فالدافع لإنكار الأب يكمن في الهروب من المسؤولية تجاهه والتحرر من حقه عليه، كذلك الحال فيمن أنكر وجود الخالق الواحد وهو الله، وعلة الإنكار تكمن في التهرب من الإحتكام إلى شرعه، وهي العلة نفسها عند من يدعي الإيمان بوجود الله مع تكذيبه لرسله، فهؤلاء يعلمون أنّ الرسل تحمل البلاغ عن الله وهم لا يريدون الإلتزام بحكم الله لتعارضه مع شهواتهم الجامحة ورغاباتهم المنحرفة. قال الله تعالى متحدثا عن المفرقين بين الله ورسله: « إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا. أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا. وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا» (النساء، 4 / 150-152).

وهنا أود أن أنقل حوارا جرى بيني وبين شخص ينكر النبي، وهو كالتالي:

الذي ينكر الرسول والنبي: إيماني بالله في غاية الكمال لا يعتريه شك.

بايندر: كل إنسان يؤمن بالله.

الذي ينكر الرسول والنبي: أنا أحيانا ألتجئ إليه وأطلب عونه ومساندته، وهذا العمل يريحني ويسعدني كثيرا.

بايندر: وهذا كذلك عمل يقوم به كل الناس.ولكن المهم اتباع الرسول والنبي. ولكنك تتبع هواك بدلا من أن تتبع الرسول والنبي، وتعيش في الدنيا حسب هواك. أليس كذلك؟

الذي ينكر الرسول والنبي: طبعا، الحياة هي حياتي، أعيش كما أريد، ومن يتدخل في حياتي؟

بايندر: ألا يتدخل في حياتك من أعطاها لك؟ فالرسل والأنبياء يبلغون عن الله فيما يتعلق بحياتك.

الذي ينكر الرسول والنبي: ولكني أسمع فيه أشياء كثيرة متعارضة، ومعظمها تتكون من الخرافات التي ظهرت في وقت لاحق.

بايندر: أولا يجب أن تعرف الدين من مصدره الصحيح وهو القرآن الكريم حتى يكون قرارك صحيحا. لذا عليك أن تقرأ القرآن وتفهمه فهما صحيحا. فإذا عرفت أنه كتاب الله فستؤمن بأن محمدا رسول الله.

واحد آخر كان منكرا للرسول والنبي: أنا كنت ملحدا، ولو بقيت أسمع مايقوله الناس باسم الدين لبقيت ملحدا. في يوم من الأيام أخذت القرآن ودرسته، وكنت أقصد بدراسته معرفة أنه كتاب الله أم لا، وأثناء دراستي وجدت فيه معلومات متعلقة بالطب لم يكن ممكنا معرفتها في وقت نزوله. ولا سيما في خلق الجنين والأطوار التي يمر بها في بطن أمّه. كما وجدت فيه معلومات أخر فأيقنت أنه تنزيل من الله العزيز العليم. فعندئذ أصبحت مسلما حقا.

بايندر: هذه هي الطريقة التي ينبغي القيام بها. وحتى يكون الإنسان موضوعيا فلا ينبغي له أن يصدر قرارا إلا بعد دراسة وتحقيق بعيدا عن التقليد والمؤثرات الخارجية. لذا لا بد من فهم القرآن ودراسته.

2.                     إرادة الله وقدره

  كثير من الناس يرتكبون الأخطاء ثم يقولون هي بإرادة الله، فيجعلونه_سبحانه_ مسؤولا عما يرتكبون من الأخطاء. وقد أخبر الله تعالى أنهم كاذبون في قولهم هذا فقال: «سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ. قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ» (الأنعام، 6 /149).

إرادة الله تنقسم إلى قسمين؛ إحدامهما تشريعية والأخرى تكوينية. والإرادة التكوينية هي إرادة الله في خلق شيء، وهي قوله تعالى “كن” إذا أراد خلق شيء. قال الله تعالى: «إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (يس، 36 / 82).

أما الإرادة التشريعية فهي إرادة الله المتعلقة بأفعال العباد، وهو _سبحانه_ يريد من العباد امتثال أوامره واجتناب نواهيه، ولكنه _تعالى_ لا يُجبِرُ أحدا على ذلك، أي أنّ هذه الإرادة مرتبطة بأفعال العباد. قال الله تعالى: « وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا» (18 / 29).

والله تعالى لا يُكره أحدا في الدين ولا يأذن لأحد أن يكره أحدا فيه. وقد قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: « وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ» (يونس، 10 / 99). « وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ» (الأنعام، 6 / 35).

والله تعالى لا يهدي من لا يريد الهداية. كما دل على ذلك الآيات التالية:

«يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ» (المائدة، 5 / 67).

«… وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (التوبة، 9 / 19). «…وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ» (التوبة، 9 / 24). «.. وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» (التوبة، 9 / 109).

والله تعالى يهدي من يريد الهداية. قال الله تعالى: «وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ[3] وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» (إبراهيم، 14 / 4).

ينبغي على الإنسان أن ينيب إلى الله لينال الهداية. قال الله تعالى: «وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ» (الرعد، 13 / 27).

والله لا يضل من هداه دون سابق تحذير له. قال الله تعالى: « وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ» (التوبة، 9 / 115).

وأما الذين ضلوا فهم لم يلتفتوا للتحذيرات الواضحة؛ فيستدرجهم الله تعالى من حيث لا يعلمون. قال الله تعالى: «فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ» (الأنعام، 6 / 44).

ولا يهلك الله قوما إلا بعد إنذارهم. قال الله تعالى: «مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا» (الإسراء، 17 / 15).

3.                    مفهوم خاطئ للتوكل

والتوكل إظهار العجز والإعتماد على الغير، فهو اعتراف بالعجز في إنجاز أمر ما، وإحالته إلى شخص آخر له صلاحية وقدرة على إنجازه، أَنشد ابن بري لراجز: لمَّا رأَيت أَنَّني راعِي غَنَمْ، وإِنَّما وكْلٌ على بعضِ الخَدَمْ، عَجْزٌ وتَعْذِيرٌ إِذا الأَمرُ أَزَمْ. أَراد أَنَّ التوكُّل على بعض الخدَم عَجْزٌ .[4] وحقيقة التوكل على الله، هو تفويض الأمر إليه مع الأخذ بالأسباب. ومع مرور الوقت أصبح التوكل يقصد به ترك الأمر على الله كليا بدون القيام بما يلزم من الأسباب، وقد فسرت بعض الآيات المتعلقة بالتوكل على هذا الأساس، مع أن التوكل الصحيح يستلزم من صاحبه أن يُعْمِلَ الأسباب. كما قال الله تعالى: «وَاتَّقُواْ اللّهَ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ» (المائدة، 9/11). وهي شاملة للأسباب الواجب القيام بها، فالتوكل بدون القيام بالأسباب المأمور بها عجزٌ، فلا ينبغي للعبد أن يجعل توكله عجزاً ولا عجزه توكلاً، بل يجعل توكله من جملة الأسباب التي لا يحصل المقصود إلا بها. قال الله تعالى: « وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى» (النجم، 53 / 39). «فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ» (البقرة، 2 / 200-202).

وهذا يعني أن من يريد الدنيا يجب عليه أن يعمل. وكذلك من يريد الدنيا والآخرة فلا بد له أن يعمل، وإلا خسر الدنيا والآخرة. وللنجاح شرطان؛ أحدهما؛ المشيئة أي الطلب، والآخر هو الحصول على الطاقة اللازمة. كما قال الله تعالى: «إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا» (الإسراء، 17 / 30).

لا يوجد في الأرض جبن وخبز ، وما إلى ذلك من الأطعمة الجاهزة في متناول الجميع، وما من أحد يتصور الحصول عليها دون طرق الأسباب لذلك، فالله تعالى قد خلق طريقا (أي سببا) يمكن به الحصول عليها. ومن لا يسلك هذا الطريق لا يمكنه الحصول عليها. قال الله تعالى: «وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ» (فصلت، 41 / 10). فمن قام بما يلزم من الأعمال حصل عليها، في حدود ما خلق الله تعالى في البيئة التي نعيش فيها من الإمكان والنعم. وقد أمرنا الله تعالى أن ندعوه بقوله: «تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ» (آل عمران، 3 / 27).

بالإضافة إلى توافر الفرص والإمكانيات فلا بد من وجود القوة اللازمة لدينا ، ولا يكفي مجرد وجودها بل لا بد من بذل الجهد اللازم للحصول على النعم. لذا يجب الحصول على الطاقة اللازمة والقيام بالعمل لتحقيق النجاح. أما الكوارث الطبيعية مثل الجفاف والفياضانات والزلزال فإنها  أمور ليس في وسعنا منعها فما علينا إلا أن نتوكل على الله بعد إتخاذ كافة التدابير.

وقد فشى معنى خاطئ للتوكل بترجمة الآيات المتعلقة بها بما يخالف المعنى المقصود منها. وعلى سبيل المثال: قيل في ترجمة قوله تعالى: «إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا» (الإسراء، 17 / 30). “إن ربك أيها الرسول يبسط الرزق لمن يشاء، ويوسع عليه، ويقتر على من يشاء ويضيق عليه، لما له من الحكمة في ذلك، وهو خبير بعباده، فيعرف من يصلحه الغنى فيغنيه، ومن يصلحه الفقر”. ومنشأ الخطأ فيه هو إعادة الضمير في «يشاء» و «يقدر» إلى لفظ الجلالة. ولكن الحقيقة يجب إعادة الضمير فيهما إلى «من» القريب لأن عودة الضمير إلى القريب هو الأساس في قواعد اللغة العربية إلا أن يكون هناك قرينة تتطلب عودته إلى البعيد. فالتفسير الصحيح للآية: إن ربك يبسط الرزق لمن يطلبه ويريده وعنده الطاقة اللازمة للكسب فيبذل جهده في طريق الحصول عليه.

4.                    الغرور مع عفو الله تعالى

 كثير مِن الناس مَن يغرر بنفسه بمثل هذه الأقوال: لماذا يعاقبنا الله.؟ هل من المعقول أن يعاقب عبده الذي خلقه وأنعم عليه؟. كما يظن البعض أن الأعمال الصالحات التي قام بها تكون سببا في فلاحه. وقد ألقى المسلمون اللوم على العباس عمّ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه – وهم ممن أسروا يوم بدر- بسبب بقائهم على الشرك. فقال العباس: لئن كنتم سقبتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد فقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحجاج. فأنزل الله تعالى: « أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» (التوبة، 9 / 19).

ويقول الله تعالى فيمن يخدعون أنفسهم بعفوه تعالى: « وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ» (الزمر، 39 / 47).

ويمتحن الله تعالى المؤمنين بأنواع من البلايا. كما أخبر الله تعالى عن ذلك بقوله: « الم. أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ. أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ. مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ» (العنكبوت، 29 / 7).

5.                    الغرور بقدرة الله

وبعض الناس يقولون على الله ما لا يعلمون، مستدلين بقدرة الله تعالى، من باب الإستدلال بما هو صحيح على ما هو غير صحيح، حيث يقولون ألا يقدر الله تعالى على فعل كذا وكذا؟. وقد جرى بيني وبين أحد الشيوخ المتصوفة حوار أود أن أورده. وهو على النحو التالي:

بايندر: كنا في المدينة المنورة قلت أثناء الحوار مع الحجاج؛ أنه لا يعلم الغيب إلا الله..قالت إحدى المريدات من مريداتك: “ولكن أنا على يقين أن شيخي يعلم كم مرة تقلبت في فراشي ليلا يمينا وشمالا”.

الشيخ: ألا يعلم إذ علمه الله تعالى؟ ألا يقدر الله على ذلك؟

بايندر: وهل هناك أحد يشك أن الله قادر على كل شيء؟ ولكن لا يجوز أن  يستدل بقدرته على هذا النحو. لو شاء الله لوضع رسوله محمد صلى الله عليه وسلم في جهنم. والشيطان في الجنة. أليس الله قادرا أن يفعل ذلك؟

الشيخ: طبعا؛ والله قادر على كل شيء.

بايندر: ولكنه وعد أن يدخل الشيطان جهنم، ومحمداً صلى الله عليه وسلم الجنة بل وأعلى المقام فيها.[5]  فلا يجوز أن يقال مثل هذا الكلام كدليل على قدرة الله تعالى. قال الله تعالى: « مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ» (آل عمران، 3 / 179). ولا يمكن لأحد بعد هذه الآية أن يدعي أن شيخا يعلم الغيب مستدلا بقدرة الله تعالى.

ب‌.                  الإيمان

الإيمانُ من الأمن. ويعني التخلص من الخوف والشعور بالطمأنينة. والإيمان هو الدخول في الأمن، أي التخلص من الخوف تجاه أمر ما والإحساس بالثقة فيه، لذا يعتمد الإيمان على المعلومات القاطعة. وقد بينا سابقا أن الإنسان يصل إلى معلومات قاطعة بملاحظته البيئة التي يعيش فيها سواء كانت بعيدة أو قريبة. وهذا هو سبب عدم وجود آية في القرآن الكريم تثبت وجود الله تعالى؛ كما لم يقم بذلك أي من الأنبياء والرسل.

وقد بعث الله الأنبياء لتبليغ رسالته. وأيد كل نبي بمعجزة تدل على صدق نبوته. ومعجزة خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم. ومن يتدبر القرآن الكريم يعلم يقينا أنه كتاب الله، وبالتالي يؤمن أن من جاء به نبي من أنبياء الله تعالى. فلا بد أن يؤمن بهذا النبي كلُّ من يؤمن بالله تعالى.

ومعرفة الله لا تستدعي بالضرورة الإيمان بالله. تقول عمن تعرفه لا أثق به. وهذا يدل على أنك لا تؤمن له أي لا تصدقه. والإيمان بالله يستلزم الثقة به، وإمتثال أوامره واجتناب نواهيه. وأي خلل في الثقة والتصديق في أي أمر من الأمور يدل على ضعف الإيمان. يقول الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا» (النساء، 4 / 136). «يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا» (النساء، 4 / 171).

ت‌.                  الشرك والكفر

الشرك؛ هو الإعتقاد بأن شخصا ما يملك صفة من الصفات الخاصة بالله تعالى وبالتالي تأليه هذا الشخص، كما قلنا هذا من قبل. وسنقف عليه في الصفحات التالية بالتفصيل إن شاء الله.

الكفر، هو ضد الإيمان. والكفر في اللغة هو الستر والتغطية، ومنه قيل لليل: كافر، لأنه يستر الأشياء بظلمته وسمي الزارع كافراً، لأنه يستر الحبَّ بالتراب. أو هو رد الحق بعد معرفته والتعامي عنه. كما يقال على من تجاهل الإحسان ولم يشكر كافرا. يتجاهل الكثير من الناس وجود الله تعالى ويستمرون في حياتهم اليومية بدون إعتبار وجوده _جلّ وعلا_ بالرغم من أنه حقيقة واضحة. وكذلك الذين يعترفون بوجود الله تعالى نراهم يجعلون بينهم وبينه سبحانه وسطاء، فالإعتبار عندهم هو للوسطاء والشركاء أولا. ويقال لهؤلاء مشركون. فالكفر والشرك وجهان لعملة واحدة. أي أن كلَّ كافر مشرك و كل مشرك كافر. قال الله تعالى: «لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ. رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً. فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ» (البينة، 96 / 1-3).

جاءت كلمة “المشركين” في الآية معرفة بـ “ال”. لتدل على مشركين معينين، وهم مشركوا مكة وما حولها أي المشركين من غير أهل الكتاب. لأن الكلمة إذا اطلقت شملت أهل الكتاب وغيرهم من الكافرين، فهناك آيات تدل على أن أهل الكتاب هم مشركون. منها قوله تعالى: «اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ» (التوبة، 9 / 31).

وما من أمة إلا خلا فيها نبي. قال الله تعالى: «إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ» (الفاطر، 35 / 24). كما كانت مكة بلد التوحيد، ومنطلق الإيمان أيام إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، اللذان بعثا قبل بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بأربعة آلاف سنة تقريباً. وكان أهل مكة يفتخرون بأنهم من نسل إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.[6] وكانوا يؤدون مناسك الحج والعمرة على أنهما من سنن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. ولعدم وجود كتاب منزل من الله تعالى لديهم لم يطلق عليهم اسم أهل الكتاب. لقد بعث الأنبياء إلى اليهود منهم موسى عليه السلام وأنزل عليه التوراة وإلى النصارى عيسى عليه السلام وأنزل عليه الإنجيل. لذا أطلق عليهم اسم أهل الكتاب. ولكن التوراة والإنجيل لم يُحْفَظا كما أنزلهما الله تعالى، بل اعترى عليهما التحريف والتبديل مع بقاء بعض الأحكام الأصلية التي تتطابق مع ما أنزل في القرآن الكريم من الأحكام. فدعاهم القرآن إلى تلك الأحكام الأصلية. كما أخبر الله تعالى عن ذلك بقوله: «قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ» (آل عمران، 3 / 64).

أما أهل مكة وغيرهم ممن لا يوجد لديهم كتاب منزل من الله تعالى فدعاهم إلى استعمال العقل بالتفكر والتذكر؛ قال الله تعالى: «وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ» (الأنعام، 6 / 126). وقال تعالى: «وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا» (النساء، 4 / 115).

وقد وقع  اليهود والنصارى في الشرك مع وجود التوراة والإنجيل بين أيديهم. وهذا إن دل على شيء فإنّما يدل على أن مجرد وجود كتاب إلهي لا يعني شيئا دون العمل بموجبه، أي أنّ مجرد وجود الكتاب لا يعني بالضروة اهتداء الناس الى الحق، وكذلك الحال فيمن قرأ وحفظ ولم يتدبر معانيه وأحكامه، أولم يستحضر في نفسه عظمة مُنزل هذا الكتاب، كما نرى كثيرا من المسلمين الذين يحفظون القرآن الكريم في صدورهم ويقومون بتدريسه ونشره ومع ذلك نراهم قد وقعوا في الشرك. ولتحقيق الإيمان في النفوس فلا بد من الثقة التامة والطاعة المطلقة لله سبحانه.

وهناك كثير من الناس يطيعون الله بشروط معينة، وهذا الصنف من الناس ينقسم إلى قسمين: قسم يأتون بالشروط بأنفسهم، وقسم آخر يأخذون الشروط الموجودة في الديانات المحرفة أو المذاهب والجماعات المنحرفة كالطرق الصوفية.  ومن يرى نفسه أو غيره في مرتبة الإتيان بالشروط في طاعة الله تعالى، فقد وقع في الشرك لا محالة وإن ادعى خلاف ذلك.

  والمشركون على اختلاف مشاربهم وأفكارهم يجمعهم التوجه الخالص لله وحده إذا وقعوا في مأزق يشارفهم على الهلاك، فينسون الشركاء ويدعون الله مخلصين؛ كما أخبرنا الله تعالى عن ذلك بقوله: « وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا» (الإسراء، 17 / 67).

والمشركون على أنواع منهم:

1.                     من يؤله نفسه

 كل من يقول أنه لا يؤمن بالله فهو مشرك، وكل مشرك يعرف وجود الله ووحدانيته. قال الله تعالى: « وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ. اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ» (العنكبوت، 29 / 61- 63). « قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ. فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ» (يونس، 10 / 31 – 32).

وحين أمر الله تعالى إبليس أن يسجد لآدم أبى واستكبر؛ لأن السجود لآدم لا يوافق ما عنده من الشروط للطاعة. كما أخبر الله تعالى عن ذلك بقوله: « وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ. فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ. قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ. قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ. قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ» (الحجر، 15 / 28 – 34). «وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ» (البقرة، 2 / 34).

وقد تظاهر إبليس أنه خالف آدم ولكنه في الحقيقة قد خالف أمر الله تعالى بالسجود لآدم؛ لذا «قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ» (الأعراف، 7 / 13).ولم ينكر إبليس وجود الله ولا وحدانيته. وقد قال بعد عصيانه: «… إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ» (الأنفال، 8 / 48). كما كان إبليس يؤمن بالآخرة؛ فهو القائل حين طُرِد: «رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ» (الحجر، 15 / 36).

ومن المعلوم أن من استكمل أركان الإيمان، فآمن بالله وملائكته واليوم الآخر فإنّه يعدُّ  “مسلما صالحا”، ومن الجدير ذكره أنّه لم يكن أنبياء قد أرسلوا أو كتبا قد نزلت حتى يؤمن بها إبليس. وقد بدأ كفره بعدم إطاعة أمر واحد من أوامر الله تعالى. وكذلك الملاحدة، فإنّهم يقبلون من أمر الله ما توافق مع هواهم وينكرون غيره. وإذا مستهم البأساء والضراء يدعون الله مخلصين له الدين. فأهواؤهم هي الإله الأول عندهم، أما الله تعالى فيضعونه في المرتبة الثانية وهذا هو عين الشرك، تعالى الله عمّا يشركون. لذا قلنا كل كافر مشرك وكل مشرك كافر، قال الله تعالى: «أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا. أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا» (الفرقان، 25 /43 – 44). «أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ» (الجاثية، 45 / 23).

كل شخص لديه حس الخلود، وهذا الحسّ يترجمه صاحبه بعمل دؤوب وكأنه لا يموت، وكلما نجح الإنسان في عمله ازدادت رغبته بالحياة، لكن يقف الموت والإنقطاع عن الحياة حائلا دون اكتمال فرحه بإنجازه، وهنا يأتي دور الإيمان؛    فالإيمان بالآخرة يرضي هذا الحس ويملأ نفسه شوقا لما هو آت بدل الخوف من الموت. ومن لا يؤمن بالآخرة ممن يؤلهون أنفسهم فإنّهم حتما سيبحثون عن أفكار يؤمنون بها لإرضاء هذا الحس كإيمان الكثيرين منهم بعقيدة تكرار الموت أو تناسخ الأرواح. أي الموت ثم الإحياء بجسد جديد. قال الله تعالى: «وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ» (الجاثية، 45 / 24).

ويذهب البعض الآخر لإخماد ذلك الحس بالقول بانتهاء كل شيء بالموت ولذا ينكرون يوم الدين، وكما هو ملاحظ فإنّ هذا الإنكار للبعث والحساب كان مخالفا للفطرة التي فطر الله الناس عليها، والله تعالى يصف هؤلاء المنكرين بالمعتدين الآثمين؛ لتعدّي هؤلاء على الفطرة، وهم آثمون بما اقترفوه بحق أنفسهم وغيرهم من الخروج على منطق الحق والإيمان وبالتالي دخول جهنم. قال الله تعالى: «وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ. الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ. وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ. إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ. كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ. كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ. ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ. ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ. كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ» (المطففين، 83 / 10- 18).

2.                     المشركون

من الناس من يتمسك بما يزعم أنه شفيع عند الله، مع أن الله تعالى أمرنا أن نعبده مخلصين له الدين. قال الله تعالى: «إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ» (الزمر، 39 / 2).

وإخلاص الدين لله لا يتحقق إلا باتباع القرآن الكريم، كما ينبغي عدم استخدام الدين لنيل المنافع الدنيوية، وعلى كل مسلم عامل لهذا الدين أن يتذكر قول الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: «لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ» (الأنعام، 5 / 90).

 ومن الناس من يتستر بالدين إذ وجدوه مهنة سهلة ومربحة، ولا شك أنّ هؤلاء لا يتبعون الحق بل يريدون أن يتبع الحق أهواءهم. ولا يقوم بهذا الدور على أحسن وجه إلا من يعرف الدين جيدا، ويهدف هؤلاء إلى إضلال من هم على الطريق الصحيح، وأصحابُ الصراط السّويّ يقعد لهم المتربصون بكل مرصد، ولا شكّ أنّهم بشر لهم من المخاوف والأماني ما يجعلهم ينكصون _أحيانا_ عن مواجهة قوى الإنحراف . وهنا يأتي دور المضلين لِيُخرجوا الناس من النّور إلى الظلمات، فيروجون لأفكارهم ومعتقداتهم والتي ما انفكت تفتك بعقيدة الإسلام كالدعوة إلى اتباع الشيوخ، ولكي يُغَرَّرَ بالناس كما يحلو لهم فإنّهم يطلقون على بعض الشيوخ من الأوصاف والصفات التي لا تنبغي إلا لله تعالى، ويدّعون أنّهم يتوسطون بينهم وبين الله في قبول دعائهم ، كما يشفعون لهم عند الله يوم القيامة. ويشرحون لهم كتاب الله حسب هواهم، ويؤولون الآيات على غير مقصدها.

ويدّعي كلُّ واحد من الشيوخ الموجودين بأنّه يمثل من مات قبله، ولكي يثبت ذلك فإنّه يحرص على الظهور بزي مختلف، كما يغيِّر من أساليب حديثه وخطابه ليثبت أنّه جدير بكونه ممثلا لمن مات قبله من الشيوخ، ولتأييد مقامه فإنّه يقصُّ على الناس ما علم من الخوارق المنسوبة لكبار الشيوخ.

وكل من يفكر بعقل سليم يعرف يقينا حماقة هؤلاء وتجنيهم على الله، ويعرف_لا محالة_ ألاعيبهم المُضِلَّة. ولكن الكثير من الناس يتأثر بها بسبب غلبة العاطفة وانخداعهم بمظاهر هؤلاء الشيوخ. مثل هؤلاء الناس يعيشون في البداية صراعا بين المشاعر والعقل. وبمرور الوقت تفوق المشاعرُ على العقل ويقع الكثير منهم في حبائل هؤلاء الأدعياء، حتى يصل إلى درجة أنه إذا رأى من شيخه شيئا بسيطا من قبيل المصادفة يعده معجزة ويكون له عبدا من دون الله.

وهم يتعاضدون فيما بينهم كعصابة إجرامية، فكلهم يدركون أنهم بعيدون عن منهج الله سبحانه. وكل من يسلك طريقا إلى الله يُواجَه بمثل هؤلاء، وما أشد عاطفة الباحثين عن الحق وما أكثر تأثرهم بمن يظنون أنهم سبقوهم إلى الهداية، وهنا يكمن الخطر حين تتأثر عواطفهم بالخرافات الموجودة حولهم فيختلط في أذهانهم الحق بالباطل مما يسهل وقوعهم في حبائل المبتدعين. والحقيقة التي لا يماري فيها أحد أنّ زيادة البدع في الدين _جيلا بعد جيل_ كانت سببا في ظهور جماعات بعيدة عن دين الله، وهذه الجماعات ما برحت تتخذ من الدين وسيلة للوصول إلى أهدافهم السيئة. والآن تعالوا نعرف المشركين من قريب:

المشرك لا ينكر وجود الله تعالى

المشرك هو من أشرك مع الله غيره، والشرك يكون بين شيئين على الأقل. وأحد الشريكين للمشرك هو دائما الله تعالى. وسُمّي المشرك مشركا لجعله شيئا من الموجودات شريكا لله تعالى سواء كان الإشراك في ذات الله تعالى أو في صفاته أو أفعاله مما يختص  بالله سبحانه وتعالى. ولا يستند المشرك على أي دليل في شركه، ومع ذلك يجتمع الناس حول من يزعم أنه قريب من الله وله قدرة روحية في إغاثة الملهوف فتتكون جماعة حول ذلك الشخص أو الولي المزعوم متوقعين بعض المنافع الدنيوية، وتلك المنافع هي التي تربطهم. كما دلّ على ذلك قوله تعالى: « وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ» (العنكبوت، 29 / 25). وهم يدركون جيدا أنهم قد انضموا إلى جماعة منظمة تقوم على المصالح الدنيوية باسم الدين. لذا لا يستطيعون أن يقولوا يوم القيامة: «أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ» (الأعراف، 7 / 173). لأن المشركين هم «الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ (بجعل وسيط بينهم وبين الله) وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ» (البقرة، 2 / 27). وقد غرهم بالله الغرور، لأنّهم يدّعون أن ذلك الوسيط يقربهم إلى الله زلفى. كما قال الله تعالى: «أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ» (الزمر، 39 / 3). ولكن لا دليل لهم على ذلك.

المشرك يقوم بعبادة الله

وقد بدأ الحج والعمرة بإبراهيم عليه الصلاة والسلام. وكان أهل مكة في الجاهلية يؤدون الحج والعمرة، وبقي الأمر كذلك إلى أن قرأ علي رضي الله عنه في السنة التاسعة للهجرة: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» (التوبة، 9 / 28).

والوقوف بعرفة ركن أساسي في الحج. ولكنّ مشركي مكة كانوا لا يذهبون إلى عرفة للوقوف فيها. ويقولون: نحن بنو إبراهيم وأهل الحرمة، وولاة البيت، وقطان مكة وساكنوها، فليس من العرب مثل حقنا , ولا مثل منزلتنا، تعرف له العرب مثل ما تعرف لنا، فلا تعظموا شيئاً من الحل كما تعظموا الحرم، فإنكم إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرمتكم، وقالوا: قد عظموا من الحل مثل ما عظموا من الحرم، فتركوا الوقوف بعرفة، والإفاضة منها، وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم، ويرون لسائر العرب أن يقفوا عليها وأن يفيضوا منها، إلا أنهم قالوا: نحن أهل الحرم فليس ينبغي لنا أن نخرج من الحرمة ولا أن نعظم غيرها كما نعظمها.[7] وقد حرم الله هذه البدعة وقال «وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ» (البقرة، 2 / 197). وقال في بيان أشهر الحج وعدم تغييرها: «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ» (البقرة، 2 / 197). وكان أهل مكة يفخرون بسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام. كما أخبرنا الله تعالى عن ذلك بقوله: «أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ» (التوبة، 9 / 19).

المشرك يؤمن بوجود شريك لله

المشرك يزعم أن الله تعالى بعيد عنه كبعد ملوك الأرض عن آحاد الرعية، فلا يمكن الوصول إليه _سبحانه_  إلا بوسيلة أحد من المقربين إليه، شانه كشأن أي واحد من ملوك الأرض؛ لذا كان أهل مكة يعتقدون أن بنات الله وأرواح الأولياء العظام يقربونهم من الله ويشفعون لهم عنده، وهذا كزعم النصارى أن عيسى بن مريم هو ابن الله يشفع لهم عنده. تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.

ويزعم المشرك أن من يتوسل به إلى الله يملك قوة معنوية، فيقدم له القرابين وينحني أمامه تعظيما له. ويداوم على العلاقة به لتدوم بذلك علاقته مع الله. قال الله تعالى: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ» (البقرة، 2 / 165).

الأنداد جمع ند بالكسر وهو مثل الشيء الذي يضاده في أموره و ينادّه أي يخالفه ويريد بها ما كانوا يتخذونه آلهة من دون الله تعالى.[8]  ويزعم المشرك الذي يتخذ من دون الله أندادا؛ أن الله لا يرد للأنداد طلبا ، وإذا لزم الأمر فإنّه يمكن لهؤلاء الأنداد أن يحصلوا من الله على ما يريدون دون مشيئته سبحانه، وهم يزعمون أن هذه الخاصية إنّما أخذوها من الله تعالى. كما يزعم المشرك أنهم شفعاء لهم عند الله. قال الله تعالى: «فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ. وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ» (يونس، 10 / 17 – 18).

وقد دعا الأنبياء الناس إلى عبادة الله وحده، وتوحيد العبادة  لله يعني أن تكون الإستعانة به وحده كذلك. ولتأكيد هذا المعنى في قلب المسلم فإنّه يقرأ في كل صلاة قوله تعالى: «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» (الفاتحة، 1 / 5). وقال تعالى: « قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ. مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ. أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ. أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ. أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ. وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ. أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ. وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ. وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ. وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ» (المؤمنون، 40 / 66 – 76).

عقيدة الوساطة موجودة في الأديان كلِّها غير الإسلام، ولا نقصد بالأديان كما أنزلها الله على رسله وإنّما على ما هي عليه اليوم، وهذه الأديان تختلف أسماؤها باختلاف اسم الوسيط، فاليهودية نسبة ليهوذا والمسيحية نسبة للمسيح والبوذية نسبة لبوذا وهكذا. وعقيدة الوساطة عقيدة باطلة بأصلها ووصفها؛ لأن الله أقرب إلى الإنسان من نفسه، كما أخبر تعالى عن ذلك بقوله: «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ» (ق، 50 / 16).

ث‌.                  المشرك يؤمن بأن الوسطاء يشفعون له

قال الله تعالى: «وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ» (يونس، 10 / 18).

المشرك ينكر إشراكه بالله

يدعي المشرك أنّ هدفه الأساسي هو التقرب إلى الله تعالى. فلذلك يجعل مِن بعض مَن يظن أنهم مقربون من الله شفعاء ووسطاء للفوز برضى الله تعالى، لذا يزعم أنه ليس بمشرك. وإن لم يكن هذا شركا، فما الشرك إذن؟! قال الله تعالى: « وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ. ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ. انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ» (الأنعام، 6 / 22 – 24).

إن الإستمرار على عقيدة الشرك يحتاج إلى التجرد عن المنطق السليم، واللجوء إلى اللجاج وخداع الذات وليِّ ذراع الحقائق، والمشركون كذلك في كل زمان ومكان، فهاهم مشركوا مكة يقفون هذا الموقف المراوغ. ونرى موقفهم هذا فيما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: “كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك، قال، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويلكم قدٍ قدٍ، فيقولون: إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك، يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت”.[9]

 أذهان المشركين معقدة للغاية، ففي الوقت الذي يتخذون فيه أندادا من دون الله تعالى فإنهم يزعمون أن الله تعالى هو المتصرف المطلق على الشركاء المزعومين. وكذلك أصحاب الطرق الصوفية يزعمون أنّ مَن يسمّونهم بـ “القطب والغوث والأوتاد…” وغيرها من الآلهات المزعومة هم أصحاب التصرف، ويدَّعون أن الله هو الذي أعطاهم هذا التصرف، ويزعمون أنهم بهذا القدر من الإيمان مهتدون. وقد أخبر الله تعالى عن بطلان زعمهم بقوله: «فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ» (الأعراف، 7 / 30). وقال: « وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ. وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ» (الزخرف، 43 / 37). «وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ» (الأحقاف، 46 / 6). «وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ» (الروم، 30 / 12-13).

المشركون وآلهتهم المزعومة

من عبد غير الله من الشركاء والوسطاء إنّما عبد ما لا تليق به العبادة، وهؤلاء الشركاء يتبرؤون من عُبَّادهم، وتظهر العداوة بينهم، وتنقلب المودة إلى بغض مقيت.  قال الله تعالى: «وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ. فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (يونس، 10 / 28 – 29). وقال تعالى: «وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا. كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا« (مريم، 19 / 81- 82).

العقل يرفض الشرك

كل من له عقل سليم لا يقبل الشرك. فلا دليل للشرك إلا التقاليد العمياء والتعصب لدين الآباء. لذا دعا القرآن الكريم الناس إلى التعقل، واعتبر أن عدم إعمال العقل، والإعتماد على التقاليد إنّما هو البقاء على الشرك. قال الله تعالى: «وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ» (يونس، 10 / 100). وكذلك أمر القرآن الكريم عدم تقليد الجهال واتباعهم في أباطيلهم. قال الله تعالى: «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ» (المائدة، 5 / 104)

الشرك كذب وإفتراء؛ قال الله تعالى: « أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ» (يونس، 10 / 66).

وقد حذر الله نبيه صلى الله عليه وسلم من سوء عاقبة الشرك بقوله تعال: « وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» (القصص، 28 / 88).

وحذر الله من الشرك كل من لديه معرفة: قال الله تعال: «فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ. وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ» (هود، 11 / 16 – 117). وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ» (الأنعام، 6 / 51). «وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ. أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ» (المائدة، 5 / 49 – 50). «أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ» (الحديد، 57 / 16).



3 ‏مفردات ألفاظ القرآن للراغب الاصفهاني، تحقيق صفوان عدنان داودي، بيروت. 1412/1992 مادة: ذكر.

[2]   انظر. آل عمران، 3/58. الأعراف، 7/63. الحجر، 15/6،9. النحل، 16/44. الأنبياء، 21/2،50. الفرقان، 25/18. يس، 36/11. صـ، 38/8. القمر، 54/25.

[3]    قيل في تفسير الآية؛ “يضل الله من يشاء عن وجه الحق والهدى ، ويهدي من يشاء إلى صراطه المستقيم” بإعادة الضمير إلى لفظ الجلالة “الله” ولكن لا بد من إعادة ضمير «شاء» على «من» وليس على لفظ الجلالة. لأن لفظ «من» في “من يشاء” قريب من الضمير ولفظ الجلالة «الله» بعيد. لذا لا بد من قرينة ليعود الضمير إلى لفظ الجلالة «الله». ولا توجد القرينة هنا فلم يبق إلا أن يعود الضمير إلى لفظ «من» القريب. فيكون معنى الآية كالتالي: أنه يرسل إليهم رسلا منهم بلغاتهم ليفهموا عنهم ما يريدون وما أرسلوا به إليهم، «فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ» أي: بعد البيان وإقامة الحجة عليهم فيَضِلُّ من يختار الضلالة، ويهتدي من يختار الهداية، وهو العزيز الحكيم.

[4]   لسان العرب بتصرف، مادة: (وكل).

[5]    قال الله تعالى: «وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا» (الإسراء، 17 / 79).

[6]    السيرة النبوية لابن هشام،  تحقيق. م. محي الدين عبد الحميد، بيروت 1401 / 1981. جـ. 1 / صـ 216.

[7]    سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لأبي محمد عبد الملك ابن هشام، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، دار الفكر،   جـ . 1 / صـ . 216.

[8]    لسان العرب لابن المنظور، مادة: (ندد).

[9]    صحيح مسلم، جـ. 6 / صـ . 124، رقم الحديث: 2032.

تعليق واحد

  • لك مني اخى كل حب و كل تقدير انا أفهم جيدا أبعاد ماتقوله لذا أنا مممتن لله عز و جل على أن جعلني من محبيك أعتبر ما تطرحه من فهم عميق للإسلام بداية لطرح تجديدي ينفي عن الإسلام تحريف المبطلين و تاويل الغالين وفقك الله معلمي لكل خير ونحن معك على الدرب سائرون لانخشى في الله لومة لائم

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.