حبل الله
الباب الثالث: موافقة المسلمين لأهل الكتاب

الباب الثالث: موافقة المسلمين لأهل الكتاب

الباب الثالث:

موافقة المسلمين لأهل الكتاب

عن أبي سعيد رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:«لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ» ، قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ: اليَهُودَ، وَالنَّصَارَى قَالَ: «فَمَنْ»[1]

يمكننا عقد المقارنة بين بعض الجماعات والطرق الصوفية مع المذهب الكاثوليكي؛ للتشابه بين وسائل وغايات كلا الجماعتين.

أ‌. رد الشرك

يرى المذهب الكاثوليكي أنّ الشرك من أكبر الكبائر؛ حيث كان الأمر الأول قد صدر بتحريم الشرك؛ فالإيمان بوجود آلهة غير الله وتعظيمها حرام. كما يجب رفض الأصنام.[2] وقد جاء في الكتاب المقدس؛ «إِنَّ أَوَّلَ كُلِّ الْوَصَايَا هِيَ: اسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ. الرَّبُّ إِلهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ».[3] وجاء في إنجيل لوقا قول المسيح عليه السلام: «اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! إِنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ».[4]

بالرغم من وجود هذه الآيات وأمثالها في الأناجيل إلا أنّ عقيدة الشرك المتمثلة بعبادة الوسطاء من دون الله بدأت تقتحم إيمان النصارى، حتى بدا هؤلاء عبُّادا للشركاء دون أي احتمال لغير ذلك، وما أن مضى أربعة قرون على وفاة عيسى عليه السلام حتى أضحى الشرك دينا معتمدا لدى أغلب المسيحيين، فقد بيّن مجمع نيقية المنعقد عام 325 م مبادئ الإيمان، كما يلي: (المسيح هو الابن الوحيد لله، وقد ولد من الأب في الأزل، النور الذي تولد من النور، الإله الحقيقي تولد من الإلهي الحقيقي، ليس بمخلوق، وهو والأب من نفس واحدة).[5] يزعم المذهب الكاثوليكي بأن الأب والإبن والروح القدس إله واحد، لكي لا يقال عنهم إنّهم مشركون.[6] وهذا زعم أقلَّ من أن يصدقه مدَّعوه، وهم يعرفون _تماما_ بطلان زعمهم هذا، ويظهر بطلان زعمهم عندما يعرِّفون الأقانيم الثلاثة فيقولون:  الأقانيم الثلاثة في الإله يختلف بعضها عن بعض؛ لأن الابن ليس هو الأب، وكذلك ليس الأب هو الابن. كما أن الروح القدس ليس هو الأب ولا الابن. لا يشبه بعضها ببعضا بعلاقة موجودة في أصلها.[7] قال الله تعالى: « لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ. لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» (المائدة، 5 / 72 – 73).

وكذلك فإنّ الجماعات الإسلامية والطرق الصوفية ترى أن الشرك من أكبر الكبائر.  لقوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا» (النساء، 4 / 48). ورغم وجود آيات كثيرة في القرآن الكريم تحذر من الشرك، إلا أنّنا لا نجد هذه الآيات في الكتب العقائدية. كأن كثيرا من هذه الكتب قد كتمتها عمدا. نتيجة لذلك فإنّ كثيرا من الجماعات الإسلامية والطرق الصوفية قد تركوا طريق الإسلام وسلكوا طرق النصرانية.

ب‌. تأليه النبي

وقد قص القرآن الكريم وقاحة الشيطان حيث قال: «قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ. ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ» (الأعراف، 7 / 16-17). ذاك عهد قد قطعه الشيطان على نفسه، وهو لا يكلُّ ولا يملُّ حتى يوفي بعهده، ولا يجد لعهده وفاءً كصد الناس عن سبيل الله وطريقه القويم، فهو يقعد للناس في سبيل الهداية فيصدهم عنه بتزيين القبائح تارة وبتحريف الحقائق تارة أخرى، ومن حبائل الشيطان التي وقع الكثيرون في شراكها إظهارُه للأنبياء أنّهم في مرتبة تفوق مرتبة الإنس. ولا يصعب على الشيطان هذا، فهناك أتباعه من شياطين الإنس، حيث يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، فأعوانه من الإنس يضلون الناس عن الحق وهم يرفعون من درجة الأنبياء حتى التأليه، وتلك الدعوة تجد لها صدى مدويا لدى العوام؛ لأن تصور عظمة الأنبياء لدرجة الإرتقاء بهم فوق مستوى البشرية قد ضرب في عمق التفكير البشري منذ أن بعث الله الرسل مبشرين ومنذرين، والقرآن الكريم يقص لنا خبر هؤلاء بقوله تعالى: « وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا. قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا» (الإسراء، 17 / 94-95). «وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا» (الفرقان، 25 / 7).

يقع كثير من الناس اليوم في الحيرة تجاه هذه الآية: « قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا» (الكهف، 18 / 110). والسبب في حيرة هؤلاء أنهم يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم كائن فوق البشرية، والآية تنطق بخلاف زعمهم، ورغم ذلك لا يرون بدا من إغماض أعينهم هروبا من اتباع الحق، وقد صدق الله فيهم إذ يقول :”مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ. صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ” (البقرة،1/18)

وقد ألّه النصارى عيسى عليه السلام، وقد بينا ذلك فيما سبق. وعلى سبيل المثال يعتقد المذهب الكاثوليكي لولا عيسى لما خلق الله تعالى الكون، فهم يعتقدون بأنّ كل ما في  السموات والأرض ظاهرا وباطنا والسلطة والسيادة والحكم كلها خلق بواسطة عيسى ومن أجله.[8]

ومثل هذه العقيدة الفاسدة قد تسرب إلى عقيدة المسلمين. فقد جاء في حديث موضوع أن الله تعالى قال: “لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك”.[9] يزعم بعض أصحاب الطرق الصوفية أن الحقيقة المحمدية هي مبدأ الخلق، وقد خلقت ولم تكن شيء غير الله. ومنه ومن أجله خلق كل شيء. والحقيقة المحمدية نور فهو مبدأ وأصل الكون. ولا يقال هذا لشخص النبي لأن هذا النور خالد أزلي. وقد وصفت الحقيقة المحمدية بالأزلية والوجود مع أنه لا يوصف بهما إلا الله تعالى. والحقيقة المحمدية هي المصدر الوحيد الذي أخذ منها الأنبياء والأولياء العلم اللدنّي. وهم وسطاء ليصل الإشراق الصادر من تلك الحقيقة إلى الخلق.[10]

يعتقد المذهب الكاثوليكي أن عيسى إله حقا وإنسان حقا. فلذلك هو الوسيط الوحيد بين الله والإنسان.[11] كذلك يعتقد بعض أصحاب الطرق الصوفية بأن الله والحقيقة المحمدية هما الوجهان للحقيقة الواحدة.[12]

وقال البعض في هذا الموضوع شعرا، ونورد معنى هذا الشعر: أحد هو أحمد فالميم بينهما يفرق، فالعالم كله في هذه الميم يغرق. يعني أن “أحد ” هو الله،[13] وأحمد هو اسم النبي صلى الله عليه وسلم الذي ذكر في القرآن الكريم. ما دام أحد هو أحمد، وأحد هو الله فالنتيجة أن الله هو أحد أي محمد.. وعلى رأي قائل هذا الشعر أنه لا فرق بين أحد وأحمد إلا الميم، وهذا الفرق في الكتابة وهو من أجل أحمد. لأن الكون في رأيه محاط بهذه الميم!. لا شك أنه لا علاقة للإسلام بهذه الأفكار المنحرفة والعقائد الباطلة. يقول الله تعالى:

«وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ» (آل عمران، 3/144).

«قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ » (فصلت، 41/6).

«قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً. قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً. إِلَّا بَلَاغاً مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً» (الجن، 72/21-23).

ت‌. تقديس رجال الدين

رجال الدّين هم العلماء المختصون بعلم الدّين، وهذا الإستخدام شائع عند غير المسلمين، والمصطلح الذي يقابله عند المسلمين هو علماء الدّين، وهؤلاء سواء عند المسلمين أو غيرهم لهم تأثيرهم على عامة الناس. وقد شاع في أوساط الناس تقديس هؤلاء الأشخاص بإظهار ذكرهم بطريقة استثنائية مما أدّى زيادة تأثيرهم على الناس إلى درجة تقديسهم. ويمكننا أن نذكر سعيد النورسي كمثال على ذلك..

جاء في رسائل النور، أنّ سعيد النورسي، قد أتمّ تحصيل خلاصة جميع العلوم خلال ثلاثة أشهر؛ وهي علوم يستغرق تحصيلها في العادة عشرين سنة، وكان يجيب كل سؤال موجه إليه فورا وبدون أي تردد، وجميع أنواع العلوم متساوية عنده؛[14] لأنه يرى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وقد طلب منه علما، فبشره أنّه صلى الله عليه وسلم سيعلمه القرآن الكريم بشرط أن لا يسأل أحداً من أمته أيَّ سؤال. ومن أجل ذلك فقد عُرف منذ طفولته بأنّه علاّمة العصر، فلم يوجّه لأحد سؤالا. بل كان يجيب كل سؤال يوجّه إليه.[15]

ومثل هذا الإدعاء يوجد عند الشيعة أيضا؛ فهم يدّعون ذلك للأئمة من سلالة علي رضي الله عنه. ويقولون: إنّه لم يذهب واحدٌ منهم إلى معلم، ولم يتتلمذ أحدهم على أستاذ، ولا إلى المدرسة ليدرس فيها. ومع ذلك إذا وُجّه إلى أحدهم سؤال أجاب فورا بإجابة صحيحة. ولم يحدث أن تأخر أحدهم بإجابة سؤال أو تمهل فيه، كما أنه لم يصدر منهم أبدا كلمة “لا أدري”.[16]   كون الإمام صاحب الأحكام والمعارف الإلهية فجميع العلوم تحصل له بواسطة نبي أو إمام قبله.[17]

ما ادعاه هؤلاء لا يقبله عاقل، فوصف إنسان أنه صاحب علم مطلق، وأنّه يعلم دون أن يتعلم إنّما هو افتئات وسوء تقدير، كيف لا وهذه الخصوصية لم تكن لأحد من الأنبياء. يقول الله تعالى مخاطبا خاتم أنبيائه: « قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا» (الكهف، 18 / 110). « قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا. قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا. إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا» (الجن، 72 / 21 – 23).

ولم يقف سعيد النورسي عند هذا الحد، بل تجاوز ذلك قائلا: “ولأجل هذا السر الدقيق فقد أخذت الحقيقة السابقة من أساتذة سعيد الجديد وهم الإمام الرباني، الشيخ الكيلاني، الإمام الغزالي والإمام زين العابدين رضي الله عنهم – حيث تلقيت مناجاة “الجوشن الكبير” من هذين الإمامين خاصة – وسيدنا الحسين والإمام علي رضي الله عنهم جميعاً، فالدرس الذي تلقيته منهم أدى إلى ارتباطي بهم ارتباطاً معنوياً دائماً. حدث ذلك بواسطة الجوشن الكبير، تلك هي الحقيقة، لذا فالمشرب الحالي الوارد من رسائل النور إذن هو مشربهم الذي ارتشفته من منهلهم”.

ومن الواضح أن الإدعاءات بحق سعيد النورسي لا حقيقة لها. فقد جاء في سيرته الذاتية التي ألفها بنفسه ما يلي: في مستهل دراستي العلمية درستُ عند أخي عبد الله ما يقارب السنتين في ناحية اسپاريت. ثم انضممت إلى حلقة تدريس الشيخ محمد الجلالي فأكملت الدروس المقررة كلها، وذلك في قصبة بايزيد التابعة لولاية أرضروم. ثم بدأت بتدريس شتى العلوم في المدينة طيلة خمس عشرة سنة.[18] وجاء فيها أيضا: بدأت دراسة الفقه في بايزيد، إذ لم يكنِ قد قرأت حتى الآن سوى مبادئ النحو والصرف، وقد قرأت إلى “الإظهار”.

وفي ذلك الوقت لم يبد على سعيد ذكاء خارق او قوة معنوية فحسب بل ظهرت ايضاً حالة عجيبة كانت خارجة عن نطاق استعداده وقابليته؛ بحيث إنه بعد اطلاعه على مبادى الصرف والنحو خلال سنة او سنتين، ظهرت عليه الحالة العجيبة، فكأنه أكمل قراءة ما يقرب من خمسين كتابا خلال ثلاثة اشهر، وقد استوعبها واُجيز عليها وتسلم الشهادة بإكمالها. دامت هذه الدراسة الجادة والمكثفة ثلاثة اشهر على يد الشيخ محمد الجلالي.

كما تتلمذ على كل من الشيخ نور محمد، والشيخ عبد الرحمن تاغي، والشيخ فهمي، والشيخ كفروي، والشيخ أمين أفندي، والشيخ ملا فتح الله، والشيخ فتح الله.[19]

ومن أجل ذلك فإنه أتم حياته التعليمية خلال ثلاثة أشهر. وكان يجيب كل سؤال وجه له بأقصى سرعة وبدون أي تردد. ويزعم أن هذه الميزة قد أعطيت له في منامه من قبل النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا زعم جاء به لتقديس نفسه. وأول من بذل جهدا للتقديس هو سعيد النورسي نفسه. وهو القائل حين بلغ من عمره 70 عاما: “عندما كنت في الرابعة عشر من العمر وجدت موانع حالت دون قيام احد من الاساتذة على وضع العمامة ولفّها على رأسي وإلباسي الجبة، كدليل على الشهادة العلمية، كما كانت العادة جارية سابقاً. فما كان لبس الجبة الخاصة بالعلماء والكبار يلائم سني الصغير … ثانياً: كان العلماء في ذلك الوقت، قد اتخذوا موقف المنافس لي أو التسليم التام فلم يتمكنوا ان يتقلدوا طور الاستاذ مع وجودي. وحيث ان عدداً من الاولياء العظام قد ارتحلوا من الدنيا، لذا لم يجد احدا كفؤا ليلبسنى الجبة أو يضع على رأسي العمامة. فمنذ خمسين سنة كان من حقى هذه العلامة الظاهرة لنيل الشهادة وهى لبس الجبة وتقبيل يد أحد الاساتذة وقبوله استاذاً .. ولكن تقديم جبة مولانا خالد النقشبندي من بُعد مئة سنة مع العمامة الملفوفة بها وارسالها اليّ في هذا العام باسلوب غريب جداً لكي ألبسها، قد أورثنى قناعة ببعض الامارات. فأنا ألبس تلك الجبة المباركة التي يبلغ عمرها مائة سنة واشكر ربي واحمده مئات الآلاف من المرات.. لقد أخذت هذه الأمانة المباركة من السيدة “آسيا” وهي طالبة النور المحترمة واختنا في الآخرة.[20] وهكذا يدعي سعيد النورسي أنه قد تم تحصيل جميع العلوم وأصبح عالما وحيدا لا نظير في عصره. ونرى في سيرته الذاتية التي ألفها هو بنفسه: جاء فيها أنه أصبح من رجال العلم وهو في الرابعة عشرة من العمر. فجميع علومه كانت من السنوحات حتى بلغ الخامسة عشرة أو السادسة عشرة من عمره[21] السنوحات: هو ما خطر على البال من الأوهام والخيالات[22] لو أطلق على تلك الخواطر والسنوحات اسم العلم لأصبح كل من على وجه الأرض عالما ولم يبق جاهل.

ث‌. تأليه رجال الدين

يحاول الشيطان وأعوانه تأليه رجال الدين بعد أن أتمّ وظيفته في جعل الأنبياء والرسل آلهة من دون الله. وأحسن الطرق في إنجاز هذه المهمة هو تلقينهم القول بكونهم ورثة الأنبياء والرسل. لقد ألَّه النصارى عيسى عليه السلام، وبما أنّ تأليه المسيح قد صار عقيدة لدى النصارى فلا ينبغي لهذا المد الإلهي أن يقف عند السيد المسيح عليه السلام، فعند الكاثوليكية _مثلا_ فإنَّ الكنسية تمثل عيسى عليه السلام، والكنيسة عبارة عن مجتمع يتكون من الأجهزة الهرمية ومن جسد المسيح الباطني. وهي تتكون من ظاهرتين اثنتين إحداهما الإنسان والآخر الإله.[23] كما أن الكنيسة دليل وإشارة التوصيل بين الإنسان بين الله.[24] والبابا له سلطان تام على جميع الكنائس.[25] والبابا هو سلطة معصومة.[26]

 لقد سلك بعض المسلمين طريق النصارى في هذا الموضوع؛ حيث يوجد لدى بعض الجماعات والطرق الصوفية مصطلح “الإنسان الكامل”. والإنسان الكامل في نظرهم يمثل الحقيقة المحمدية. ويشمل على جميع مراتب الكمالات المادية والمعنوية.[27] وكل طريقة من الطرق الصوفية ترى شيخها بأنه إنسان كامل. كما يؤمن المريدون بأنّ الله تعالى قد تجسد في شيخهم. ولما كان الكمال لله تعالى فلا بد أن يتجسد سبحانه وتعالى في الشيخ حتى يصبح إنسانا كاملا. والله تعالى منزّه عن مثل هذه الأشياء، سبحانه وتعالى عمّا يقولون علوا كبيرا.

وسيأتي التفصيل في هذا الموضوع إن شاء الله.

ج‌. اعتبار كلام الناس كلام الله

الإنجيل هو الكتاب الذي أنزله الله تعالى على عيسى عليه السلام. قال الله تعالى: «وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ» (المائدة، 5 / 47). ولكن الأناجيل الموجودة اليوم قد اختلط فيها كلام الناس. لأنّ معظمها يتكون من رسائل بولس وهي تشكل معظم الأناجيل، ومن كلام الحواريين وكما يوجد فيها رسائل لا يعرف كاتبها.

والأناجيل عند الكاثوليك، مقدسة بجميع أقسامها ومطابقة لشرائع الكنيسة. وكاتبها الله لأنها كتبت بوحي الروح المقدس.[28] وأن الله تعالى لا يزال يتكلم مع الكنيسة. وهي صوت الله الحي. [29]

أمّا القرآن الكريم فهو كتاب الله تعالى الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم. وهو آخر كتاب إلهي. ولم يعتريه كلام الناس أبدا. لأن الله تعالى تكفل بحفظه. كما قال الله تعالى: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ» (الحجر، 15 / 9). فلا يمكن إضافة شيء إليه، كما أنه محفوظ في صدور الملايين من الناس، كما ويوجد ملايين النسخ منه. ومن أجل ذلك فإن الذين يريدون تنظيم الدين وفقا لأهوائهم، يحاولون إبعاده عن حياة المسلمين، والإتيان بكتاب آخر. وقد نجح البعض في ذلك. فلكل جماعة (فرقة أو مذهب أو حزب) من الجماعات الإسلامية كتبا خاصة يتداولونها بدلا من القرآن الكريم. وعلى سبيل المثال: فرسائل النور بالنسبة لجماعة النور أقدس وأعظم التفاسير للقرآن الكريم. وما تبينه رسائل النور هو منزل من السماء أي من عند الله، كالقرآن تماما. وهي تتلى بتلاوة القرآن.[30] يقول سعيد النورسي: تنزل إلينا حقائق باطنية للقرآن الكريم مع رسائل النور. كما كان ينزل القرآن الكريم على شكل الوحي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، تنزل حقائق باطنية ودلائل قطعية للقرآن في كل عصر من مكانه في العرش على شكل الفيض المعنوي والإلهام.[31] أي أن رسائل النور تنزل من المكان الذي نزل منه القرآن، كنزول القرآن عن طريق الوحي، فتأتيه _أي سعيد النورسي_ بالحقائق الباطنية للقرآن والدلائل القطعية على تلك الحقائق. وترى جماعة النور أنّ النّورسي لم يتحمل المشاق في تحصيل العلوم ولم يكن محتاجا إلى معاناة الدراسة في سبيل تحصيل العلم بل تنور قلبه وأصبح عالما بنفسه.[32] وهو كلام يعني ادعاء النبوة. كما أن قول سعيد النورسي، أنه نُزِّل إليه الحقائق التي لم تبين في القرآن الكريم، هو إدعاء بأن مؤلفاته أهمّ من القرآن الكريم. قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (المائدة، 5 / 67).

لو علّم اللهُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم تلك الحقائق التي ادعاها سعيد النورسي لَبَيَّنَها صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يجوز له كتمان ما علمه الله. فلا يبقى سوى احتمال واحد وهو أن يكون سعيد النورسي قد اختص بعلم تلك الأشياء. ولا يخفى أنّ في كلامه افتراءً على الله تعالى وانتقاصا لقدر نبيه صلى الله عليه وسلم.

ويكرر سعيد النورسي دعواه عدة مرات بأن رسائل النور مأخوذة من المكان الذي أخذ منه القرآن الكريم. وعلى سبيل المثال لا الحصر يقول: رسائل النور هي نور لم يؤخذ من ثقافة الشرق وعلومه ولا من فلسة الغرب وعلومه؛ بل هو مأخوذ من المكان الذي نزل منه القرآن السماوي من مكان عال في العرش الذي هو فوق الشرق والغرب.[33]  ولم يقف سعيد النورسي عند هذا الحد بل تجازره قائلا: إنّ ثلاثا وثلاثين كلمة، وثلاثا وثلاثين مكتوبا، وواحدا وثلاثين لمعة المسميات برسائل النور هي آيات الآيات في القرآن الكريم. وبعبارة أخرى إنها مؤشرات تشير إلى حقائق الآيات القرآنية. ودلائل قطعية تثبت أن القرآن حق. ودليل قوي على الحقائق الإيمانية التي شملت عليها الآيات القرآنية.[34]

وحسب ادعاء النورسي فإنّ رسائل النور مصدقة للقرآن الكريم، كما أنّه مصدق لما بين يديه من التوراة والإنجيل. ومن أجل ذلك فإنّ آيات رسائل النور كانت دلائل آيات القرآن الكريم. وقد ادعى سعيد النورسي بأنه قد أُنزل على علي رضي الله عنه كتابٌ اسمه “السكينة” وقد شمل هذا الكتاب على كل العلوم والأسرار الماضية والمستقبلية كما يوجد فيه الإشارة إلى رسائل النور.[35] وبهذا يتقاسم سعيد النورسي المقام – مقام تلقي الوحي من السماء بعد النبي صلى الله عليه وسلم _ مع علي رضي الله عنه. وخلاصة كلامه كالتالي: وقد أنزل جبريل عليه السلام على حضن علي رضي الله عنه صحيفة مكتوبا فيها اسم الله الأعظم، وكان ذلك بحضور النبي صلى الله عليه وسلم، يقول علي رضي الله عنه: «رأيت جبريل على صورة علائم السماء، سمعت صوته، واستلمت الصحيفة ووجدت فيها هذه الأسماء». كان علي رضي الله يذكر هذه الأسماء مع بعض الحوادث من باب ذكر النعم. وهو يقول: «من بدء الكون إلى أن تـقوم الساعة قد كُشف لنا جميعُ العلوم والأسرار المهمة، فليسأل السائل عمّا أراده، ومن يشك في كلامنا فهو خاسر».[36]

والصحيفة التي شملت جميع العلوم والأسرار من بدء الكون إلى أن تقوم الساعة، لا يمكن أن تكون صحيفة، بل لا بد أن تكون كتابا كبيرا. كما أن التصديق بنزول الكتاب أو الصحيفة على علي رضي الله يقتضي اعتباره نبيا. وبما أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف ما اشتملت عليها تلك الصحيفة فهو (أي علي رضي الله عنه) يكون أعلى مرتبة منه صلى الله عليه وسلم. وقد رد الله تعالى على هذه المزاعم بقوله: «فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ» (البقرة، 2 / 79).

لقد قال سعيد النورسي كل ما خطر على باله في سبيل تقديس رسائل النور. حتى قال إن “الكلمات”[37] بصيص نوراني للقرآن الكريم. تبين من القرآن مواضع محتاجة للبيان. وهي في تمام الكمال فلا نقصان فيها.[38] ورسائل النور هي العروة الوثقى في هذا العصر وفي هذا التاريخ، أي حبل الله المتين، من تمسك بها نجا.[39]

وعبارتا “العروة الوثقى وحبل الله” من خصائص القرآن الكريم.[40] فإطلاق هاتان العبارتان على كتاب غير القرآن إنّما هو افتئاتٌ وتعدٍ عليه. وإمعانا منه في وصف رسائله بما ليس جديرا إلا بالقرآن فإنّه يقول: رسائل النّور هي كتاب الشريعة والدعاء والحكمة والعبادة والأمر والدعوة والذكر والفكر والحقائق والتصوف والمنطق وعلم الكلام وعلم الإلهيات وبروج الفن والبلاغة ومثبت الوحدانية، وهو يدحض المخالفين ويبهتهم.[41]

ويكثر التكرار في رسائل النور. فيقول سعيد النورسي عن ذلك مقارنا ذلك بالقرآن الكريم: يوجد في القرآن الكريم تكرار كثير لحكمة ما، وكذلك في رسائل النور يوجد تكرار لحكمة، من المعلوم أنه لا يمكن قراءة القرآن الكريم بتمامه في الوقت نفسه؛ لذا فقد تكرر فيه موضوعات كالحشر والتوحيد وقصة موسى عليه السلام. وعلى هذا المنوال قد تكررت الموضوعات في رسائلي بدون معرفتي، مثل الدقائق الإيمانية ودلائلها القطعية؛ فأنا أتعجب لماذا أملي مكررا. ثم أيقنت أنّ الجميع محتاج إلى رسائل النور في هذا العصر؛ بالرغم من ذلك فمن الممكن أن لا يقرأها بكاملها ولكن يمكن قراءة ما يحتاج منها على شكل رسائل قصيرة.[42] وسيُناقش هذا الموضوعُ مرةً أخرى من منظور مختلف إن شاء الله.

ح‌. عقيدة الوساطة (الشرك)

وقد ذكرنا فيما سبق وجود عقيدة الوساطة في الديانة النصرانية. وما نود أن نبينه الآن هو أنّ جزءا من تلك العقيدة موجود في الطرق الصوفية. وفي الحقيقة الطرق الصوفية كثيرة، وقد أجرينا البحوث على بعض منها، ولم يتسن لنا البحث فيها جميعا، وخلاصة ما أجريناه من البحوث أنه لا تخلو واحدة منها من عقيدة الوساطة.. وحال الوسائط في الطرق الصوفية كما عليه الأمر في الديانة النصرانية والطاوية، كأنّه مستنسخ منهما.

خ‌. الوسائط في الطرق الصوفية كما رأيناها من خلال بحوثنا

ليس هناك صعوبة في معرفة الله تعالى؛ ولكن الصعوبة تظهر في إقامة العلاقة مع الله تعالى. قال الله تعالى: «وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ» (ق، 50 / 16). «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ»(البقرة، 2 / 186). وفي كل طريقة من الطرق الصوفية التي أجرينا البحث فيها، فإنّ الإيمان بأن الله تعالى أقرب إلى العبد من حبل الوريد وأنّه سبحانه يعلم ما في الصدور موجود عندهم. وهذا الإيمان موجود عند النصارى كذلك.[43] فالله تعالى يعلم ما في عمق قلوب الناس.[44] وفي الديانة الطاوية كذلك؛ حيث يؤمنون أنّ الله يعلم كل شيء وأنه مع الناس دائما.[45] وبالرغم من ذلك يجعلون بينهم وبين الله تعالى وسطاء.

والآن لنلقي نظرة على الوسطاء في الطرق الصوفية كما وجدنا ذلك من خلال البحث فيها. على النحو التالي:

1. الحقيقة المحمدية

الحقيقة المحمدية عند الطرق الصوفية هي مبدأ الوجود. وهي تشكل مع الله تعالى الوجهين الخلفي والأمامي للحقيقة الواحدة. قد وُجدت في الكون كأول موجود حين لم يكن إلا الله. فجميع الموجودات خلق منها ومن أجلها. وهي مصدر يأخذ منه جميع الأنبياء والأولياء علما لدنيا وباطنيا.[46] الحقيقة المحمدية هي كعقيدة ممتزجة من عقيدة المسيحية عند الكاثوليك وعقيدة (تي) عند الطاوية.  يزعم بعض النصارى أن عيسى عليه السلام هو الله. وفي عقيدة الحقيقة المحمدية يقال في حق محمد صلى الله عليه وسلم ما يفهم أنه الله، تعالى الله عما يقولون، وقد بينا ذلك سابقا.

2. الإنسان الكامل

ترى الطرق الصوفية _التي أجرينا الدراسة فيها_ أنّ الإنسان الكامل هو محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن ليس شخصيته التاريخية المعروفة لمعاصريه. إنّما هو محمد الذي كان نبيا حين كان آدم طينا. أي هو الإنسان الكامل، هو الحقيقة المحمدية التي هي غاية الوجود والخلق، والإرادة الإلهية لا تتحقق إلا بها، وما عُرف الله إلا بها. ومرتبة الإنسان الكامل تحتوي جميع المراتب المادية والمعنوية، ويرتبط قلبه مع العرش، وهويته مع الكرسي، ومقامه مع سدرة المنتهى، وعقله مع القلم الأعلى ونفسه مع اللوح المحفوظ، وطبيعته مع العناصر الأربعة.[47]

في اصطلاح الكثير من الناس فإن عبارة “الإنسان الكامل” تدلّ على  الإنسان الناضج المثالي. ولكن الطرق الصوفية تفهم العبارة على شكل مختلف، ما يجعلها تتلاقى مع معتقد الكنيسة الكاثوليكية، فالإنسان الكامل عندهم هو الحقيقة المحمدية التي تحيا كما يحيا عيسى عند الكاثوليكية. وربما ادعاء الحقيقة المحمدية لتسويغ ادعاء القدسية لأنفسهم، وما يعزز هذا التصور أن كل طريقة من الطرق الصوفية تعتقد بأنّ شيخها إنسان كامل. فهم يقولون: “يوجد دائما في العالم إنسان كامل، ولا يكون إلا واحدا، ولا يخفى عليه شيء في الملك ولا في الملكوت ولا في الجبروت، وهو يعرف الأشياء وحكمها كما هي…” ” وهذه الحقيقة تظهر في كل عصر في صورة مختلفة كنبي أو ولي”.[48] وسنقف على هذا الموضوع تحت عنوان “الخصائص الخارقة المنسوبة لسعيد النورسي”.

“التصرف في الملك” يعني استعمال القوة الخاصة بالله تعالى. والملكوت مختص بملك الله تعالى.[49] والجبروت، هو الهيمنة على العالم الروحي والسماوي.[50] وترى الطرق الصوفية أنّ الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: الأول، خواص الخواص وهؤلاء يعرفون جميع الأسرار، الثاني: الخواص وهؤلاء يعرفون بعض الأسرار، الثالث: العوام وهم بقية الناس. والأسرار التي يدعون معرفتها هي عبارة عن الأشياء الخيالية، وهم يحاولون جلب إنتباه الناس إلى ميزاتهم الشخصية بإظهار أنّهم كبار رجال الدين، وأنّ لهم علاقة متينة مع الله تعالى. وقد كذبهم الله تعالى بقوله: « وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ. وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ» (الأنعام، 6 / 93-94).

3. قطب الإرشاد

يقول الإمام الرباني إن قطب الإرشاد الذي يكون جامعا للكمالات الفردية نادرُ الوجود، يظهر هذا الجوهر بعد قرون طويلة وأزمنة مديدة، لكنّه عند ظهوره ينوّر العالم الظلماني بنور هدايته. وإرشادُه شاملٌ للعالمين جميعهم؛ كلّ من يحصل له الرشد والهداية والإيمان والمعرفة من محيط العرش إلى مركز الفرش إنما يحصل من طريقه ويستفاد منه ولا تتيسر هذه الدولة لأحد بدون توسطه، نوره محيط لجميع العالم كالبحر المحيط، وهذا البحر كأنه منجمد لا يتحرك أصلا، فالطالب المتوجه إليه والمخلص له كأنه تُفتح له _وقت التوجه_ روزنةٌ إلى قلبه، فيصير بهذا الطريق ريانا من ذلك البحر على قدر توجهه وإخلاصه، وكذلك من كان متوجها إلى ذكر الله تعالى ومقبلا عليه ولم يكن متوجها إلى ذلك القطب أصلا لا من جهة الإنكار عليه، بل لعدم معرفته به أصلا، يحصل له مثل تلك الإفادة لكنها في الصورة الأولى أزيد. وأما من كان منكرا عليه، أو هو متأذ منه، فهو وإن كان مشغولا بذكر الله تعالى وتقدس، ولكنه محروم من حقيقة الرشد والهداية. وإنكاره هذا وأذيته يصيران سداً في طريق فيضه، وحقيقة الهداية مفقودة فيه من غير أن يتوجه إلى القطب العظيم الشأن. ومن حصل له طريق الرشد والهداية من غير طريق القطب العظيم كان له صورة الرشد دون معناه، وهذا قليل النفع والجدوى. والذين امتلأت قلوبهم بمحبة ذلك القطب وأخلصوا له وإن خلوا عن التوجه المذكور وذكرِ الله تعالى فإنه يصل إليهم نور الهداية والرشد بواسطة محبتهم فقط.[51]

يُفهم مما سبق؛ أنّ منكر القطب محروم من حقيقة الرشد والهداية، حتى لو كان مشغولا بذكر الله تعالى. والذي يحب القطب ويؤمن به بإخلاص، يصل إلى نور الرشد والهداية حتى وإن خلا من ذكر الله تعالى. وهذا افتراء بيّنٌ على الله تعالى. يقول الله تعالى: « وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ. الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ. أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ. أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ. لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ. مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ» (هود، 11 / 18 – 24).

4. رجال الغيب

يزعم الصوفيون أنّ هناك رجالا لهم مكانة عظيمة عند الله، وربما لا يعرفهم أحد من النّاس ويطلقون عليهم ألقابا منها: القطب، والغوث والأوتاد والرواسي والنقباء والنجباء. أي أنَّ رجال الغيب عند الصوفية الموصوفين بهذه الصفات، هم يعيشون بين الناس، وهم رجال مِن البشر، يعيشون بيننا، منهم المعروف، ومنهم المجهول، ومنهم الظاهر للناس، ومنهم المستتر عنهم، بحيث إنَّه يراهم، وهم لا يرونه، ويكاشف متى شاء. أي هذه الصفة مشتركة بين هؤلاء الرجال، ولذلك تجد الصوفية يقولون: “فلان يمكن أن يكون ولياً”، “ويمكن أن يكون مِن رجال الغيب فلا تتعرض له ولا تجادله”.

والآن لنتناول هذه الألقاب والمسميات بشيء من التفصيل:

5. القطب

يعتبر الصوفية أنّ القطب الأعظم هو أكبر الأولياء وأعظم رجال الغيب، كما أنّه المتصرف في الكون بإذن الله. أي أنه له سلطة في إدارة الكون وتدبيره.

6. الغوث

الغوث هو القطب الذي يلجأ إليه المتصوفون عند الضيق، ويسألون منه العون. وإذا وقع الصوفي في ضيق ناداه قائلا: “أغثني يا غوث”. ووتجلى الأسماء والصفات الإلهية فيمن عرف من الصوفيين بالغوث، وقد عُرف عبد القادر الجيلاني بلقب الغوث الأعظم.

7. الرواسي

كلمة الرواسي تعني الجبال والأوتاد جمع وتد بمعنى عمود. يزعم أهل الطرق الصوفية أن الناس يتوجهون في الضيق إلى الأوتاد والأوتاد يتوجهون إلى الرواسي. والقطب يسيطر على الرواسي. ويأتي بعد الرواسي ِشخصان يقال لهما إمامين. أحدهما إمام اليسار والآخر إمام اليمين. يتجلى لإمام اليمين أحكام القطب ولإمام اليسار حقائقه.  أي أن أحدهما يعرف ما صدر من القطب من القرارات والآخر ما يظهر منه من الحقائق. وإذا مات القطب ينوب عنه إمام اليسار. ويشكل القطب والإمامان أقانيما ثلاث. وهناك آخرون يقال عنهم النجباء وعددهم ثمانية أو أربعون والنقباء وعددهم عشرة أو ثلاثمئة. ويزعم أهل التصوف أن هؤلاء يعرفون العوالم الداخلية للناس (أي أسرارهم).[52] وهو مما حرم الله تعالى في القرآن الكريم لأنه من الشرك. والمسلم يقرأ في كل ركعة من صلاته: «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» (الفاتحة، 1 / 5). وهو تنبيه له لأن لا يقع في مثل هذه المحرمات.

8. الشيخ الصوفي (شيخ الطريقة)

الشيخ في الطرق الصوفية هو كل شيء. وهو يمثل الإنسان الكامل والحقيقة المحمدية. كما أنه قطب وغوث. أما المريد فهو يؤمن بأن الأمور التي تنتهي إلى الله تنتهي بواسطة الشيخ. المريد في الطرق الصوفية يظهر التواضع باسم قتل النفس. حتى إنهم ليقولون: إنّ المريد أمام الشيخ كالميت أمام غاسله.[53] ووجود الله ليس وجودا مشخصا (أي مرئيا بالعين وملموسا باليد). ولكن الإعتقاد لدى الطرق الصوفية أن العبد يحتاج إلى شيء مشخص أي ملموس ليعرفه فيوفر له التركيز عقليا وروحيا. وهو في التصوف الشيخ الذي هو في مقام الإنسان الكامل ويعتبر من مظاهر تجليات الله تعالى. أي يطلب من المريد أن يكون عبدا للشيخ أولا فيتعلم العبودية حتى يصبح عبدا لله على النحو المطلوب، ولتحقيق ذلك كانت الرابطة ضرورية، لذا يقولون إنّ على السالك أن يربط قلبه أولا بالشيخ الذي هو في مقام الإنسان الكامل، ثمّ بالرسول صلى الله عليه وسلم، ثمّ بالله تعالى، وبهذا يحظى قلبه بالطمأنينة ويصل إلى الفناء في الله، لأنهم يقومون بالرابطة ليصلوا إلى مراقبة الله.[54] وكذلك يقولون إنّ مَن داوم على المراقبة والتوجه يعطى له الوزارة. ومن ملك هذا يبدأ في التصرف في الملك والملكوت بسهولة (حاشا لله)، ويعرف ما يخطر على البال، ويمكن له أن يضيء القلوب بنور الهداية.

ترى الطرق الصوفية أن نظر الشيخ شفاء لمن في قلبه مرض، وإظهار وجهه يذهب الأمراض المعنوية. لأنّه صاحب الكمالات التي ورد وصفها، وإمام الوقت وخليفة الزمان، وبفضله وإكرامه ينشأ ويعيش الأقطاب والأبدال. وكل واحد من الأوتاد والنجباء قطرة من بحوره، وإرشاده كمثل الشمس، يصب من فيوضه على كل شيء بدون إرادته.[55]

وعلى المريد الذي يقوم بالرابطة أن يقطع علاقته مع كل شيء إلا شيخه وأن يرتبط معه بكل قلبه.[56] يتخيل صورة ذلك الشيخ في وسط جبينه، ثم ينزله في وسط قلبه، وعليه أن يعلم أنّ شيخه موجود وأنّ نفسه غير موجودة.[57] وروحانية الشيخ تؤدب المريد بالرابطة وتوصله إلى الله حتى لو كان أحدهما في المغرب والآخر في المشرق.[58] والشيخ الحقيقي عند الطرق الصوفية هو الوسيط بين المريد وبين الله تعالى. والبعد عنه هو البعد عن الله تعالى.[59] ويؤمن المريد أنّه إذا ذكر شيخه فإنّ روحانيته تحضر. ويؤمن كذلك أن التصرفات الروحانية للشيخ هي تصرفات الله تعالى.[60]

وقد تبين لنا مما طالعناه من الطرق الصوفية أن الشيخ هو الله، تعالى الله عن ذلك، وهو مثل البابا في الكنيسة. كما أن على السالك أن يسلك دائما كلّ سبيل لإرضاء مرشده، سواء كان قريبا منه أو بعيدا عنه. وكذلك يجب عليه أن يعرف ما يعجب شيخه؛ ليعمل ما ينال به إعجابه.[61] وهكذا يأتون بادعاءات لا علاقة لها بالإسلام أصلا. ومن هذه الادعاءات؛ أنّ المرشدين يحضرون في الجلسات التي يكون فيها الله تعالى؛ لذا يستفاد برؤيتهم ما يستفاد بذكر الله تعالى. ولا بد أن تكون طاعة النبي صلى الله عليه وسلم متساوية مع حب هذا الشيخ الكامل. وهو تعبُّدٌ للأشخاص بدو دليل. يقول الله تعالى: «وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ» (الحج، 22 / 71).

يُفهم من قوله تعالى: « مِنْ دُونِ اللَّهِ » _ وهي عبارة تكثر في القرآن الكريم _ ما يتقرب به إلى الله تعالى من الشركاء. وقد تبين من الإدعاءات السالفة الذكر أن أولئك الشركاء موصوفون بقدرات خيالية. ولا يخفى على أحد أنّ هذا شرك يجب اجتنابه.

د‌. الاعتقاد بأن الشركاء يعلمون الغيب

الغيب: مصدر غاب، نقول: غابت الشمس، إذا استترت عن العين، واستعمل في كل غائب عن الحاسة، وعما يغيب عن علم الإنسان.[62] وما لا يعلمه إلا الله تعالى، مثل قيامة الساعة فهو غيب مطلق. وكذلك  المعلومات التاريخية التي لا يوجد فيها أي وثيقة فقد أصبحت غيبا كذلك.

وما لا يعلمه البعض ويعلمه البعض الآخر فهو غيب نسبي. وعلى سبيل المثال ما خطر على بالك الآن فأنت تعرفه ولكني لا أعرفه. فهو غيب بالنسبة لي وليس كذلك بالنسبة إليك. والغيب المطلق لا يعلمه إلا الله. أي أن الإنسان والملائكة والجن لا يعلمون الغيب. قال الله تعالى: « قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ» (النمل، 27 / 65).

كما تدلّ الآيات التالية أن الملائكة لا يعلمون الغيب: « وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ. إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ. مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ» ق، 50 / 16-18). فالله تعالى يعلم ما في الصدور ولكن الملائكة لا يعلمون إلا ما تلفظ به الإنسان.

وما يدل على أنّ الجنّ لا يعلمون الغيب قوله تعالى: « وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنْ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ. يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ. فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتْ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ» (سبأ، 34 / 12-14).

وكذلك الأنبياء لا يعلمون من الغيب إلا ما أوحاه الله تعالى إليهم. قال الله تعالى: « فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتْ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ» (الأنعام، 6 / 50). « قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» (الأعراف، 7 / 188).

وقد يخبر الله تعالى إلى أنبياءه من الغيب عن طريق الوحي، ونعلم عن طريقهم ذلك الغيب. ولكن النصارى وبعض الطرق الصوفية يدعون إمكانية معرفة الغيب.

1. معرفة الغيب عند الكاثوليك

كما بينا سابقا فإن الكاثوليك يعتقدون بأن عيسى المسيح عليه السلام وروح القدس آلهة. كما يعتقدون أنّ مَن وصل إلى درجة الأسقف فإنّه يحلّ محلّ عيسى المسيح عليه السلام، ويحمل رسالته. ويعتقد المسيحيون أنّ هذا الشخص يعرف الغيب، والكهنة هم أعوان الأسقافة، وهم يعرفون الغيب كما يعرفه الأسقافة.

الآراء المتعلقة بهذا الموضوع عند الكاثوليك: تداوم الكنيسة على تمثيل المهمة التي عهدها عيسى المسيح لتلاميذه بأسرار الكهنوت.[63] الأسقف أعلى درجة في الكهنوت.[64] والذي بلغ إلى درجة الأسقف يصبح سيدا مختارا على شكل واضح، ويحل محل عيسى المسيح الراعي الكاهن ويتحمل مهمته. ويحظى الأساقفة بفضل الروح القدس الذي أُعطي لهم بصلاحية الملك الروحاني والراعي والنبوة.[65] والرجال الأقل شأنا في الكهنوت يعملون على عون الأساقفة لتحقيق ما عهد المسيح لهم من المهمة.[66]

ويصبح من أخذ سر الكهنوت بفضل الروح القدس كاهنا ومعلما وراعيا شبيها بالمسيح.

2. معرفة الغيب عند الطرق الصوفية وبعض الجماعة الإسلامية

تدّعي بعض الطوائف من الطرق الصوفية والجماعات الإسلامية أنّ الأولياء من عباد الله الصالحين يعلمون الغيب. وعلى سبيل المثال يقول سعيد النورسي: إنّ أمثال سيدنا علي رضي الله عنه وعبد القادر الجيلاني قد أخبروا عني (أي سعيد النورسي) من قبلُ؛ لأنهم كانوا يعرفون الغيب. وهو يصرح بزعمه هذا بصيغة السؤال والجواب على النحو التالي:

السؤال: إن الأولياء مثل عبد القادر الجيلاني يخبرون أحيانا عمّا مضى بشكل واضح، ويخبرون عن المستقبل بالإشارة والرموز، بالرغم من أنهم يعرفون الماضي والمستقبل على حد سواء؛ فما هو السبب في ذلك؟

الجواب: الله تعالى يعلم جميع الغيب كما أخبر بقوله: “لا يعلم الغيب إلا الله”[67] ولا يظهر على غيبه أحدا. ولكن الله يظهر على غيبه من أراد من الأنبياء. ولم يصرح الأولياء بعلمهم الغيب إلا بالإشارة والرموز تأدبا تجاه الآية التي تخبر أنه لا يعلم الغيب إلا الله. وقد استعملوا الإشارات والرموز ليتبين أنّ معرفتهم بالغيب لم يكن ترجيحا من عند أنفسهم ولم يكن كذلك بنيتهم بل كان بتعليم الله لهم. لأن علم غيب المستقبل لا يكون بترجيح شخص ولي ولا بنيته. وكذلك الخوض فيه بالنية يكون مخالفا لما حرمه الله تعالى.[68] ولست أدري إلى أي منطق يستندون!، فأيّ خروج عن الحق هذا!

ويظهر بطلان هذا الإدعاء من ثلاث نواحٍ

لا أحد يعلم الغيب

قال الله تعالى: «مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ» (آل عمران، 3 / 179).

وإذا أراد الله تعالى أن يبين شيئا من الغيب فإنّه يبينه على لسان نبيه عن طريق الوحي، ولذلك أصول خاصة. قال الله تعالى: «عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا. إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا. لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (الجن، 72 / 26- 28).

وقد خرجت تلك المعلومات بالوحي من أن تكون غيبا. وقد جعل الله الملائكة حافظين من أمر الله؛ لئلا يشكّ النبي من كونه وحيا من الله تعالى. كما قال الله تعالى: « وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. » (الحج، 22 / 52).

وقد جاء في بعض كتب التفسير في سبب نزول سورة الأنعام عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَزَلَتْ سُورَةُ الْأَنْعَامِ وَمَعَهَا مَوْكِبٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَسُدُّ مَا بَيْنَ الْخَافِقَيْنِ، لَهُمْ زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ، وَالْأَرْضُ تَرْتَجُّ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وَسَلَّمَ يَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ».[69] فيطمئن بذلك أن من جاءه هو ملك الوحي، وأنه لا يمكن للشيطان أن يخلط الوحي بشيء من الوسوسة. وقد استدل سعيد النورسي بالآية التي تبين كيفية الوحي إلى النبي على علم الغبيب للأولياء. وهذا زعم باطل ولا يمكن قبوله.

ولا يعلم أحد غيب الماضي

يقول سعيد النورسي: “إنّ الأولياء العظام مثل عبد القادر الجيلاني يعرفون أحيانا غيب الماضي كما يعرفونه في الحاضر…”[70]

كيف يمكن قبول مثل هذا الزعم! والله تعالى يقول: «قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ» (النمل، 27 / 65). وهذه الآية تدلّ بنصّ العبارة أنه لا أحد يعلم الغيب إلا الله، سواء أكان من الإنس أم الجنّ أم الملائكة.

وبعد أن ذكر الله تعالى قصة نوح عليه الصلاة والسلام، أكدّ سبحانه أنّ ذلك غيب ما كان لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولا لقومه أن يعلموه قبل هذا، فقال جلّ شأنه: « تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ» (هود، 11 / 49). كما أنّ هناك آيات كثيرة في هذا المعنى. منها آل عمران، 3 / 44، والأعراف، 7 / 101، وهود، 11 / 120-123، يوسف، 12 / 202.

دعوى المحرم المقدس

وقد وصف سعيد النورسي عدم معرفة الغيب لغير الله تعالى بـ ” المحرم المقدس”. ويفهم من زعم سعيد النورسي كأنه تعالى لم يقل «لا يعلمِ الغيب إلا الله» بل قال “لا يجوز لأي أحد أن يصرّح بما سيحدث في المستقبل”. وهذه دعوى سخيفة، وإسفاف يندى له الجبين، ويورث الخزي. قال الله تعالى: «… وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ» (آل عمران، 3 / 179).

وبناءً على الدعوى السابقة للنورسي، فإنّ الأولياء العظام مثل عبد القادر الجيلاني، يعلمون الغيب بتعليم الله إياهم، وليس بإرادتهم ونيتهم؛ لأن محاولة علم الغيب بإرادتهم يعتبر عصيانا لله تعالى.

ولست أدري كيف يخبرنا الله تعالى أنه لا يعلم الغيب إلا هو، ثم يُظهر على غيبه بعضَ الناس! وهؤلاء لا يمتنعون عن تصريح الغيب الماضي ، وهم ما انفكوا  يصرحون بغيب المستقبل ولكن بالرموز والإشارات..؟ يصرحونه بالرموز والإشارات لكي لا يكون هناك عصيان لله تعالى.. وليت شعري أي افتراء على الله هذا؟!.

ذ‌. عقيدة شفاعة الشركاء

1. عقيدة شفاعة الشركاء عند الكاثوليك

والشفاعة حسب عقيدة الكاثوليك هي صلاة التوسل التي تجعل موافقة لصلاة يسوع المسيح.[71] ويستعملون كلمة “المنقذ” بدلا من كلمة “الشفاعة”. يعتقد الكاثوليك أنّ يسوع المسيح يدافع عن النصارى كمحامٍ أمام الله تعالى. ولا يزال حيا مستعدا ليكون وسيطا لهم عنده تعالى.[72] ويستطيع أن ينقذ من يتوجه إلى الله بواسطته.[73] ولا يمكن رؤية ابن الرب إلا بواسطة الروح القدس. ولا يمكن التوصل إلى الأب إلا بواسطة الابن. لأن الإبن هو طريق لمعرفة الأب. ومعرفة ابن الرب يكون بواسطة الروح القدس.[74] ومريم العذراء محامية ومساعدة. ولم تزل أمومة مريم، ولا تزال تضمن الهدايا التي لا تنقطع بل تستمر إلى الأبد.[75] وكذلك يؤمن الكاثوليك أنّ البابا يتم تعيينه ليمثل الإنسان فيما يتعلق بالله تعالى.[76] فله أن يقول لشخص ما باستعمال نفوذه الشخصي “عفوت عنك باسم الرب”.[77]

2.  عقيدة الشفاعة عند الطرق الصوفية

في الطرق الصوفية التي أجرينا البحث فيها وجدنا أنّ عقيدة الكاثوليك مستنسخة في عقيدتهم، حيث نرى إنّهم يستعملون كلمة “الشافع” كما يستعمل الكاثوليك كلمة “المنقذ”. وقد جرى بيني وبين شيخ من شيوخ الطرق وأعوانه حوارا نود أن نورده كما هو:

المريد: نعتقد أن شيخنا معين لنا؛ يقصدون عونه عند الله تعالى. وعلى سبيل المثال: في حياتنا اليومية نحن لسنا بحاجة أن نوكل محاميا دائما في المحاكم، ولكن في الغالب من يوكل محاميا فإنّه يكسب القضية ، كذلك الشيخ الأفندي محامٍ لنا عند الله تعالى.

بايندر: أنتم تجعلون الله الذي يعلم السر والجهر مساويا للقاضي؟ قال الله تعالى: «يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ. وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ. وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ. لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ» (عبس، 80 / 34-37). فكيف سيدافع عنكم الشيخ والحال كذلك؟ عن ابن شهاب، قال: أخبرني خارجة بن زيد بن ثابت: أَنَّ أُمَّ العَلاَءِ، امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ بَايَعَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهُ اقْتُسِمَ المُهَاجِرُونَ قُرْعَةً فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، فَأَنْزَلْنَاهُ فِي أَبْيَاتِنَا، فَوَجِعَ وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ وَغُسِّلَ وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ، دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ، فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ: لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَهُ؟» فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ؟ فَقَالَ: «أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ اليَقِينُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الخَيْرَ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي، وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ، مَا يُفْعَلُ بِي» قَالَتْ: فَوَاللَّهِ لاَ أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا.[78]

أمّا أنتم فلا تشكّون أبدا في أن شيخكم سيدخل الجنة، وأكثر من ذلك فإنكم تجترئون القول بأنّه سيدافع عنكم أمام الله تعالى. هل يُعقل أنه غاب من علم الله شيء، حتى يذكره الشيخ عنده يوم القيامة ويدافع عن مريديه؟، وقد علم كل أحد أنّ الله أقرب إلينا من حبل الوريد. أم أنّ الله تعالى يخطئ في الحكم، فيمنعه الشيخ من الخطأ؟ تعالى الله عما تقولون علوا كبيرا!

المريد: إذا أردت أن تتحدث إلى المفتي في دار الإفتاء، فلا بد من بواب يوصلك إليه ويقدمك إليه. وهل يمكنك أن تتحدث إلى مسؤول أو وزير بدون وجود أحد يرتب لك موعد اللقاء معه؟ وكذلك الشيخ أفندي يتوسط ويكون وسيلة بيننا وبين الله تعالى.

بايندر: وكيف تقول هذا الكلام في الله وهو أقرب إلينا من حبل الوريد؟ أن تجعل وسيلة بين الإنسان وبين الله تعالى هي فكرة توقع الإنسان في الشرك، وقد نبّه الله تعالى في سورة الزمر إلى هذا؛ فقال: « أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ» (الزمر، 39 / 3). عليكم أن تجتنبوا مثل هذه الأفكار؛ فهي طريق الشيطان يُضل بها الإنسان. قل لي من فضلك، هل الله الذي خلقك وربّاك وهو أقرب إليك من حبل الوريد أعرف بك أم الشيخ أفندي؟

المريد: طبعا الله هو أعرف بي.

بايندر: ما الذي يعرفه الشيخ عنك أكثر من الله تعالى؟. أليس الله بأعلم بكل شيء؟

المريد: ؟!

وقد تم هذا الحوار بحضور الشيخ، وأظهر موافقته. ويراد بالمريد هنا من اشترك في الحوار من الأشخاص المعروفين البارزين من علماء الطرق الصوفية.

قال الله تعالى: «وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ» (يونس، 10 / 18).

ولا يستطيع أحد شفاعة ما إلا أن يكون المشفوع له مرتضى والشفيع مأذونا له وكلاهما مفقود كما أخبرنا الله بقوله: « قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» (الزمر، 39 / 44). «يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ» (الأنبياء، 21 / 28-29).

عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله عز وجل: «وأنذر عشيرتك الأقربين» (الشعراء، 26 / 214)، فقال: يا معشر قريش – أو كلمة نحوها – اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا، ويا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا، ويا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئا.

الاستعانة بالأموات

يستعين المسيحيون بمن مات من رجال الدين، كما يفعل ذلك بعض الطرق الصوفية. فزيارة قبور رجال الدين، يعتبر عندهم من التقوى والتدين. وهم يزورون قبورهم تبركا بهم فيقدمون لهم النذور رجاء  جلب منفعة أو دفع مضرة، أو الحصول على عونهم، وليكون شفيعا ووسيطا لهم عند الله تعالى.

الاستعانة بالأموات في المذهب الكاثوليكي

يدعو البابا – جان بول الثاني، متوسلا مريم العذراء: أصلي لمريم العذراء المقدسة، أمِّ الكلام الذي قد أصبح إنسانا، وأمِّ الكنيسة؛ لتكون دعما قويا للكنيسة في الوقت الذي دُعيت إلى حملتها الجديدة للتنصير من خلال دراساتها الدينية في جميع المستويات.

والبابا الذي يصلى لمريم التي ماتت قبل عصور من أجل الحصول على العون منها، فإنّه يؤمن بأنها واسطة قوية بينه وبين الله تعالى ، وعلى هذا فمن المفترض أنه يؤمن بأنها تعرفه وتسمع صلاته. وبهذا قد أعطى لمريم بعض الخصائص الإلهية؛ مثل الحياة والعلم والسمع والبصر والإرادة والقدرة.

ويؤمن المذهب الكاثوليكي أن مريم العذراء الطاهرة بعد ما أكملت حياتها في الأرض رفعت إلى السماء بروحها وجسدها لتكون ملائمة لابن رب الأرباب الذي غلب على الخطيئة والموت. وأُشِيدت بملكة الكون من قبل الرب. وصعود مريم العذراء إلى السماء كان تمهيدا لحياة ابنها حياة لا سابق لها وكذلك حياة المسيحيين الآخرين. ملكية مريم العذراء -كما يدعون – تتطلب بقاءها على قيد الحياة حتى نهاية العالم. كما أن دعوى كونها تمهيدا للحياة الجديدة هو القبول بكونها حية أثناء قيام الساعة. أي أنها سرمدية لأنه لا موت بعد قيام الساعة. وهي صفة يختص بها الله تعالى. والإعتقاد بأبدية مريم هو شرك بالله.

والعلم، هو إدراك الشيء بحقيقته؛ وقد يوصف به الإنسان؛ والبابا عندما يدعو مريم لتكون وسيطا له، فهو يؤمن أنها تعرفه وتعرف ما يطلبه؛ لأن هذه المعرفة شرط للوساطة، والمعرفة بحال كهذا مختص بالله وحده، وبهذا قد أشرك الداعي مريم بالله تعالى في بعض علمه.

والسمع، هو قوة في الأذن تُدرك بها الأصوات؛ وقد وهب الله تعالى الإنسان القدرة على السمع. ولكنها قدرة محدودة بمسافة معينة وبنبضات صوت معين. والذي دعى مريم من الفاتكان قد أشركها بالله في صفة السمع؛ لأن السمع على هذا النحو لا يمكن لغير الله. وعلاوة على ذلك فإن مريم قد ماتت، وليس بقدرتنا أن نسمع الموتى. قال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: «إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ» (النمل، 27 / 80). وقال تعالى: «وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ» (الفاطر، 35 / 22). ولا يمكن لأحد أن يُسمع مريم لأنها ماتت.

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: “وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا أَخْطَئُوا تِيكَ، فَجُعِلُوا فِي بِئْرٍ، فَأَتَاهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَادَى: يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ، يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي اللَّهُ حَقًّا، فَقَالَ: عُمَرُ: تُكَلِّمُ أَجْسَادًا لَا أَرْوَاحَ فِيهَا، فَقَالَ: مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يُجِيبُوني.[79] ويمكن أن يكون المعنى أن الله أسمعهم. وإلا هناك آيات كثيرة تدل على أن الموتى لا يسمعون. ولو سمعوا ما استجابوا. قال الله تعالى: « وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ» (الأحقاف، 46 / 5).

والبصر؛ هو حَاسَّةُ الرؤْية. والذي يدعو الموتى يؤمن أنّهم يرونه؛ ورؤيتهم بلا حدود. والذي يعتقد أن مريم تملك هذه الصفة فقد أشركها مع الله؛ لأن صفة البصر المطلق من صفات الله.

الإرادة؛ هي طلب شيء وترجيحه على غيره. وكذلك القدرة؛ وهي اسم لهيئة يتمكن بها من فعل شيء ما. وإرادة الإنسان وقدرته كلاهما محدود، وتنتهيان بموته.

والذي يعتقد أنّ مريم تستجيب دعاءه وتستطيع مساعدته، قد أعطى لها هاتين الصفتين. أي أنه أشركها مع الله تعالى في صفتي القدرة والإرادة. وهما صفتان من الصفات الخاصة بالله تعالى. وبمعنى آخر فإنّ الله وحده هو صاحب الإرادة والقدرة. وعلى هذا فقد أشرك البابا مريم مع الله تعالى في هاتين الصفتين.

ومن الملاحظ فإنّ البابا ومعه آلاف من المسيحين ممن حضروا تلك الصلاة قد توجهوا لمريم بالدعاء والصلاة، على اعتبار أنها تسمعهم وتراهم، وقادرة على أن تكون معهم في حاجاتهم.. وهي أمور لا يمكن تحققها إلا بعلم وقدرة لا يملكهما إلا الله تعالى . فإن كان الأمر كذلك عندهم؛ فلا بد من أن تمتلك مريم على الصفات السالفة حتى تكون وسيطا عند الله. وهي الصفات التي اشتقت من أسماء الله تعالى. مثل: الحي، والعليم، والسميع، والبصير، والمريد، والقدير. قال الله تعالى: «وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ» (الأعراف، 7 / 180).

وما زعمه القوم لمريم من قدرات لم يُعطها نبيٌ من قبلُ. قال الله تعالى لخاتم أنبيائه: «وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ» (الأنعام، 6 / 107). وقال تعالى: « فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ» (هود، 11 / 12).

الإستعانة بالأموات عند الطرق الصوفية وبعض الجماعات

آيات كثيرة في القرآن الكريم تبين أنّ الإستعانة بغير الله تعالى شرك.[80] ومن يتبدر آيات الكتاب العزيز يجد أنّ أكثر ما تحذر منه هو الشرك، وما من نبي إلا وحذر قومه من الشرك سواء أكان في العبادة أم الدعاء. وكثير من الآيات القرآنية تتحدث عن سوء عاقبة الشرك؛ فتحرم كل سبيل إليه من عبادة لغير الله تعالى، أو الإستعانة بغيره تعالى في السّراء أو الضراء. قال الله تعالى: «أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ» (النمل، 27 / 63). وقد وُضِع حول هذا الموضوع أحاديث أخذت مجراها على الألسن وهي مخالفة للآيات المتعلقة بالموضوع، كما وحدث أن انتشرت انحرافات في تفسير بعض الآيات، فحدث بذلك عدول عن الصواب.

الأحاديث الموضوعة

وقد وُضِع في الإستعانة بالأموات الحديث التالي: “إذا تحيرتم في الأمور استعينوا بأصحاب القبور”.[81] وقد ذكره العجلوني في كشف الخفاء نقلا عن كتاب الأربعين لابن كمال باشا. وقد رفعه ابن كمال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بدون أن يشير إلى أي مصدر.[82] ولم يقفوا على هذا الحد، بل وقد جاءوا بتفسيرات فلسفية لإثبات ما يقولون. فقال البعض من أصحاب الطرق الصوفية إنّ الولي إذا مات أصبحت روحه كالسيف المسلول.[83]

وقد جمع العجلوني ما عرف بين الناس من الأحاديث، وحاول أن يفرق بين ما هو صحيح وما هو باطل. ولذلك يوجد في الكتاب كثير من الأحاديث الموضوعة. وقد أورد في أول الكتاب حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “من يقل علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار”.[84]

الانحراف في تفسير الآيات

وقد وردت في القرآن الكريم كلمات بمعنى العبادة وبمعنى الدعاء أيضا. فالعبادة هي النسك والطاعة؛ أما الدعاء هو النداء بمعنى طلب العون. وفي كثير من التفاسير ومعاني القرآن الكريم فُسرت كلمةُ الدعاء بمعنى العبادة، فأدّى ذلك إلى فقدان المعنى الأصلي لها.

 كلمة الدعاء مرتبطة بكلمة العبادة ارتباطا وثيقا؛ لأن المقصود من العبادة هو أن يُستجاب الدعاء. كما دلّ عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: “الدعاء مخ العبادة”.[85] ولكن إذا فُسِّرت كلمة الدعاء بالعبادة، لا يُفهم من هذا التفسير كون نداء شخص خارق للعادة مستعينا به عبادة؛ وهي المعنى المراد منها؛ فتفسير كلمة الدعاء بالعبادة أدى إلى فقدان هذا المعنى الأصلي المراد وهو تحريف في معنى الكلمات.

والتحريف؛ من الحرف وهو الطرف. وتحريف الكلام أن تجعله على حرف من الاحتمال يمكن حمله على الوجهين.[86] قال الله تعالى: « مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا» (النساء، 4 / 46).

ثلاثة جمل في الآية لكل واحدة منها معنيان:

«سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا»؛ المعنى الأول لهذه الجملة: سمعنا وتمسكنا بالقوة. والمعنى الثاني: سمعنا وعصينا، بمعنى الخروج عن الطاعة وعدم امتثال الأوامر. لأن كلمة “عصى” من “عصى بسيفه، وعصا به يعصو عصا: أخذه أخذ العصا، أو ضرب به ضربه بها. وفلان يعتصي على عصا، أي يتوكّأ عليها. ويَعْتَصي بالسيف، أي يجعله عصا. وكذلك يمكن أن تكون من العصيان: وهو خلاف الطاعة.[87]

وقوله تعالى: ولو أنهم قالوا؛ « سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا» لم يحتمل التحريف؛ لذا كان خيرا لهم من أن يقولوا؛ «سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا».

«وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ»؛ المعنى الأول: وليس من حقنا أن نُسمعك الكلام. أما الثاني: اسمع يا من لا يسمع الكلام.[88] ولو قالوا  «وَاسْمَعْ» فقط لكان خيرا لهم، لعدم احتمال التحريف فيه.

وقولهم « وَرَاعِنَا» يحتمل أن يكون المعنى انظرنا، ولكن فيه إشارة إلى أن نظره كنظر الراعي إلى الأغنام، وفيه طعن بشخص النبي صلى الله عليه وسلم. ويحتمل أن يكون راعينا “لينا بألسنتهم” أي بمد العين يقصدون بذلك راعي الأغنام. ولو قالوا مكانها “أنظرنا” لكان خيرا لهم بسبب الذي ذكرناه آنفا.

ولا يمكن التحريف في القرآن الكريم إلا على هذا الوجه. لأنه محفوظ في ذاكرة ملايين من الناس؛ وله نسخ بلا عدد. فلا يمكن تحريفه إلا على الوجه السابق. ويفهم من قوله تعالى: «لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ» أنّ كل خطأ في ترجيح معنى من معاني الكلمات ليس بتحريف، إلا إذا كان بنية سيئة أي طعنا في الدين فإنّه يعتبر تحريفا. ومن الممكن أنّ كلَّ مَن فسَّر كلمة “الدعاء” بـ “العبادة” – بدون أن يستند على قرينة – لم يرد الطعن في الدين. ولكنّ الحقيقة أنّه كان أداة فيه.

ونذكر نموذجا من الآيات لنرى ما نتج من تفسير “الدعاء” بـ “العبادة”: وعلى سبيل المثال لا الحصر قال الله تعالى: «قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ. وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ» (الأحقاف، 46 / 6).

نجد في كثير من التفاسير والمعاني المترجمة أنّ كلمة “الدعاء”  قد فسرت فيها بـ “العبادة”؛ فأدّى ذلك إلى فقدان المعنى المقصود من الآيات. وهو أنّ الدّعاء عبادة وأنّ من دعى غير الله فقد عبده. وقد حدث في تفسير ومعاني الآيات السابقة ثلاثة أخطاء، ثم نتج من هذه الأخطاء خطئان آخران، فوصل مجموع الأخطاء إلى خمسة. وهي كالتالي:

تفسير كلمة “الدعاء” بـ “العبادة”

الدعاء هو مصدر بمعنى النداء. ثم اعتاد استعماله بمعنى توصيل الرجاء والحاجة من الصغار إلى الكبار ومن الأدنى إلى الأعلى. ثمّ أقيم هذا المصدر مقام الإسم ـ أي: أطلق على واحد الأدعية، كما أقيم مصدر العدل مقامَ الاسم في قولهم: رجلٌ عدلٌ. لذا قيل دعوت دعاء واستمعت إلى دعاء.[89] أما العبادة فهي الطاعة؛ وهي الإنقياد. وكثيرا ما تستعمل بمعنى الطاعة والإتباع للأمر.[90] ويقال عنه أيضا بالتركية “العبودية”. والطاعة في الإصطلاح، اسم لما يفعله العبد امتثالا لأوامر الله تعالى من إقامة الصلاة وصيام رمضان.

ويوجد بينها وبين العبادة روابط وثيقة. والهدف الأصلي من العبادة هو الدعاء. وغاية الإنسان من عبادة الله تعالى أن يُحقق رضاه فيفوز بسعادة الدارين. وقد أمرنا الله تعالى بالصبر والصلاة ليستجاب دعاؤنا. كما قال الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ» (البقرة، 2 / 153). وفي آية أخرى قال تعالى: « وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ» (البقرة، 2 / 186). فكل سائل يسأل الله بلسانه فهو عابد له ، فإن الدعاء عبادة ، وكل عابد يصلي لله أو يصوم أو يحج فهو يفعل ذلك يريد من الله تعالى الثواب والفوز بالجنة

والنجاة من العقاب. وعلى هذا فالدعاء أصل في العبادة. كما أكدّ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: “الدعاء عبادة.”[91] وقوله “الدعاء مخ العبادة.”[92] وبمعنى آخر فإنّ الهدف الأصلي من العبادة أن سيتجيب الله تعالى الدعاء أي المسألة. واستعمال كلمة العبادة بدل الدعاء يؤدي إلى فقدان هذا المعنى الدقيق المقصود. فنرى بعض الناس يدعون الوسائط من دون الله، ويطلبون منها أداء حاجاتهم. والذي يسأل الله بوسيلة روح الولي فإنّه يبذل الجهد أولا لإرضاء ذلك الولي؛ فيقدم له النذور والأضاحي، ويركع لدى وجوده الروحي. وهو عبادة منه لذلك الشخص كما بيناه سابقا عند بيان معنى الآيات الرابعة والخامسة والسادسة من سورة الأحقاف. وهي قوله تعالى: « قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ. وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ» (الأحقاف، 46 / 4-6). وكذلك قوله:  كما حكمت عليه الآية التالية بكونه شركا: «قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا» (الجن، 72 / 20). وقد دلّت هذه الآيات أنّ دعاء غير الله شرك.

فتفسير الدعاء بالعبادة، هو بمثابة شطب بعض الآيات من القرآن الكريم. وعلى سبيل المثال: إنّ هذا التفسير قد جعل الآيات الثلاثة السابقة خاصة فيمن يعبد الأصنام. وعلى من يقوم بتفسير القرآن الكريم أو بترجمته إلى لغة أخرى أن يراعي ذلك الفرق؛ لأن الله تعالى استعمل كلمة الدعاء في معنى مختلف عن معنى كلمة العبادة.

تفسير “مَن” بـ “ما”. يراد بـ “من” في اللغة العربية العقلاء. أما “ما” فتستعمل لغير العقلاء. أي يراد بها الأشياء. وفي الآية الخامسة من سورة الأحقاف تكررت كلمة “مَن” ثلاث مرات؛ وقد فسرت “من” في الأولى والثانية بـ “من” أي أريد بها من يعقل. وفي الثالثة بـ “ما”. أي أريد بها غير العاقل. وأدى ذلك إلى تحريف الآية عن المعنى المقصود. أو على الأقل إلى فقدان المعنى الدقيق المقصود. وفي هذا الحال يكون معنى الآية كالتالي: ومن أضل ممن يعبد من دون الله ما لا يستجيب إلى يوم القيامة؟ وعلى هذا فالمدعو هو الصنم بذاته. ولا يفهم منه دعاء روحانية الأشخاص. ولكن إذا أريد “من” العاقل كما هو معناه الأصلي؛ فيكون المدعو هو روحاينة الأشخاص الذين يزعم البعض أنّ لهم القدرة على الضر والنفع بعد موتهم بروحايتهم. وهذا شرك يجب اجتنابه.وقد نتج عن هذا الخطأ الأخطاء التالية:

فسرت “هم” بـ “هي”. و”هم” ضمير الجمع المذكر الغائب يراد به الذكور من العقلاء. وحين فسرت “من” بـ “ما” فكان لزاما أن تفسر “هم” بـ “هي” التي تطلق على الأشياء.  وهذا الخطأ لا يمكن الإستهانة به.

وكلمة “غافلون” جمع مذكر سالم؛ أي يراد بها جماعة الرجال من العقلاء. وتفسير “من” بـ “ما” أخرجها عن المعنى الأصلي.

وتفسير “من” بـ “ما” في الآية السادسة من سورة الأحقاف جعل الآية السادسة منفصلة عن الآية الخامسة. وهي قوله تعال: «وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ» (الأحقاف، 46 / 4-6).

وتتحدث الآية عن من يحشر يوم القيامة مع الناس من العقلاء ويحاسب على أعماله؛ وهم العظماء الذين استُعِين بروحانيتهم بعد موتهم. لأن الأصنام في حد ذاتها لا تحشر مع الناس ولا تحاسب. وهذه الأخطاء في تفسير الآيات أو في ترجمتها، أدّى إلى اعتقاد من يقوم بزيارة القبور بـ ” أن الله تعالى قد أعطى لهم بعض التصرفات والإمكانيات والخصائص؛ فهم شفعاؤنا ونحن عصاة، ولا نستطيع أن نتوجه إلى الله إلا بواسطتهم. والله يستجيب دعاءنا بكرم وجوههم”.[93]

كما أدت هذه الأخطاء إلى اعتبار من مات من رجال الدين وليا لله ومقربا منه وإعطاء الله له حق التصرف في بعض الأمور. ومحاولة التقرب إلى الله بواسطتهم. وقد أصبحت هذه الأمور أمراضا أساسية قد انتشرت في جميع أنحاء العالم الإسلامي. ولا يمكن إزالتها إلا بتفسير صحيح للآية الرابعة من سورة الأحقاف. «قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ».

وهذه الإنتقادات كانت على أساس الآيات الثلاثة السابقة. وتوجد نفس الأخطاء في ترجمة كثير من الآيات التي وردت فيها كلمة “الدعاء”.

والأعجب من ذلك أنه قد تكرر نفس الأخطاء في كثير من معاني القرآن الكريم باللغة التركية. وقد أدت تلك الأخطاء إلى الوقوع في الشرك الذي لا يغفره الله تعالى. فقد وقع فيه كثير من المسلمين إلا من رحم ربي.

ولا يمكن القول إنّ الذين يقومون بترجمة معاني القرآن الكريم يقعون في تلك الأخطاء مع علمهم بذلك وبإرادتهم. ولكن كثيرا منهم لا يفكرون فيما أراد الله تعالى من الآيات، بل ينظرون ما ذا قال فيها من سبقهم من العلماء. فينقلون أخطاء السابقين بدون تفكير،  فيزداد الطين بلا.

الأمثلة من الذين يستعينون من الأموات

أمثلة من النورسيين

يدّعي بعضُ النّورسيين أنّ عبد القادر الجيلاني قد كتب هذا الشعر لسعيد النورسي قبل ثمانية قرون:

نَظَرْتُ بِعَيْنِ الْفِكْرِ فِى حَانِ حَضْرَتِى – حَبِيبًا تَجَلّٰى لِلْقُلُوبِ فَجَنَّتِ

تَوَسَّلْ بِنَا فِى كُلِّ هَوْلٍ وَشِدَّةٍ – اَغِيثُكَ فِى اْلاَشْيَاۤءِ دَهْرًا بِهِمَّتِى

اَنَا لِمُرِيدِى حَافِظًا مَا يَخَافُهُ – وَاَحْرُسُهُ فِى كُلِّ شَرٍّ وَفِتْنَةِ

فَمُرِيدِى اِذَا دَعَانِى بِشَرْقٍ – اَوْ بِغَرْبٍ اَوْ غَارٍ فِى بَحْرِ طَامِى اَغِثْهُ

مُرِيدِى اِذَا مَا كَانَ شَرْقًا وَمَغْرِبًا – اَغِثْهُ اِذَا مَا سَارَ فِى اَىِّ بَلْدَةِ

فَيَا مُنْشِدًا نَظْمِى فَقُلْهُ وَلاَ تَخَفْ – فَاِنَّكَ مَحْرُوسٌ بِعَيْنِ الْعِنَايَةِ

وَكُنْ قَادِرِىَّ الْوَقْتِ ِللهِ مُخْلِصًا – تَعِيشُ سَعِيدًا صَادِقًا بِمَحَبَّتِى

وَجَدِّى رَسُولُ اللهِ اَعْنِى مُحَمَّدًا – اَنَا عَبْدُ الْقَادِرِ دَامَ عِزِّى وَرِفْعَتِى

اَفَلَتْ شُمُوسُ اْلاَوَّلِينَ وَشَمْسُنَا – اَبَدًا عَلٰى فَلَكِ الْعُلٰى لاَتَغْرُبُ

اِلَى السَّاحِلِ السَّلاَمَةِ هُوَ السَّعِيدُ – الْمُقَرَّبُ فَالْوَاصِلُ وَذُو الْهَلاَكِ هُوَ الشَّقِىُّ الْمُبَعَّدُ وَالْمُعَذَّبُ.[94]

 وهذا الإدعاء جاء به ثلاث وعشرون تلميذا لسعيد النورسي، ويستدلون عليه بما يسمى الجِفر أو الجُمَّل وهو ضرب من أفعال السحرة والمنجِّمين.

ويقولون إن عبد القادر الجيلاني قد أخفى من الشعر المعنى التالي: “مريدي سعيد الكردي، أغيثه بإذن الله حين يكون أسيرا في روسيا وينفي  من آسيا إلى غربها بأيدي المدعين فيضطر إلى أن يجتاح مسافات طويلة هاربا من سيبيريا”. وكيف أغاثه فيقولون عن ذلك؛ نعم سعيد الذي قال عنه الغوث مريدي، كان محميا عندما كان أسيرا لمدة ثلاث سنوات في شرق شمال أسيا، في صعوبات مهلكة. فقد قطع مسافة ثلاثة أشهر هاربا. وزار أمصارا كثيرة، ولكن كان محميا كما أخبر الغوث. يقول أستاذنا: حين كنت في الثامنة أو التاسعة من عمري، كان الأهالي في حيِّنا وما حوله من الأحياء يستغيثون بشيخ نقشبندي اشتهر  بـ غوث حيزان، ولكن أنا خلافا لهم قلت يا غوث عبد القادر الجيلاني. ومع صغر سني إلا أنني إذا فقدت شيئا تافها كنت أقول ” يا شيخ لك فاتحة، (أي أقرأ الفاتحة من أجلك) ساعدني على أن أجد ذاك الشيء. وهذا شيء عجيب، مع ذلك وايم الله قد ساعدني الشيخ مئات المرات”.[95]

وهذا الاعتقاد يخالف القرآن الكريم، كما دلّ على ذلك آيات كثيرة. منها قوله تعالى: « أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ» (النمل، 27 / 62). ومن سيستعن بالله إذا كان غيره من المخلوقات يستطيع أن يغيث الملهوف. قال الله تعالى: « قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا. أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ َحْذُورًا» (الإسراء، 17 / 56-57). وقال أيضا: « وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ. وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ. أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ» (النحل، 16 / 19-21). «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ» (الزمر، 39 / 38).

أمثلة أخرى

لقد استشهد حمزة عمّ الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد. وهو حيٌّ عند الله يعيش في حياة لا يمكن لنا معرفتها. وبعض الناس يستغيث به؛ وقد سمعت أحدهم يقول: كنا على سفر من أنقرة إلى اسطنبول، حتى وصلنا إلى مكان قريب من قرتال، وكان الجو رذاذا، وكان في الطريق انحدار شديد ، وحين وصلناه اشتد المطر. وفيه وصل الماء إلى شمعات الإحتراق[96] فتوقفت السيارة. وخلال عدة دقائق ارتفع الماء وبدأت السيارة تعوم فيه، وكلما تقدمت الدقائق  ارتفع الماء حتى أصبحنا في حالة كارثة. لدرجة أنه بعد فترة قصيرة أصبحنا نرى كل شيء حتى الشاحنات المحمّلة بالأخشاب يدفعها السيل يمينا وشمالا. وقد فتحت نافذة السيارة قليلا فأغلقتها. وكنا مغلولي الأيدي لا نستطيع أن نفعل شيئا. كانت حافلات وشاحنات كبيرة تسبح فوق الماء كالقش. حتى إن بعضها كان يمر بالقرب منّا. ولا زالت معنوياتنا تتحطم حين نتذكر ونقول “كان في السنة الماضية كثيرا من السيارت دفعتها السيول إلى المنحدر. وكنا نقول ماذا لو اصطدمت السيارة في سور الامان على الطريق فتحطمت؟؟.وبالي مشغول بالكارثة المتوقعة.. وعند لحظة واحدة نظرت إلى الخشب الكبير القادم نحونا؛ تمنيت لو أن هذا الخشب كان ساترا بيننا وبين سور الأمان في الطريق حتى لا تصطدم فيه السيارة، وقلت لزملائي “أدعوا”، ودعوت قائلا: “يا سيدنا حمزة! يا سيدنا حمزة!” سألت الله أن يرسل إلينا ذاك الروح المقدس لينقذنا من هذه الكارثة. فإذا الخشب القادم تجاهنا مرّ بنا واختفى بعد قليل؛ ومن العجب أن مجرى الفيضانات تغيرت فجأة؛ وانخفضت سرعتها… وهذه الحادثة أي التغيير في مجرى الفيضانات وانخفاض سرعتها لا يمكن شرحها بأسباب مادية، فكلنا موقنون بأن الله تعالى أرسل الروح المقدسة – روح حمزة – لإنقاذنا. كما شاهد هذه الحادثة مجموعة من الناس.[97] وهو يقول؛ يا سيدنا حمزة! يا سيدنا حمزة! وفي نفس الوقت يقول دعوت الله بأن يرسل ذاك الروح المقدس ليعينهم. كيف يكون هذا دعاءً لله؟. ثم يقول: “يرفضون الإستغاثة والإستعانة من أهل التحقيق. وفي رأيي كما هو الحال في كل القضية، يجب تجنُّب الإفراط والتفريط، ونقول بجواز الإستعانة بأرواح العظام والمقدسين؛ ولكن يجب أن يكون مؤشر القلب دائما متوجها إلى الله تعالى. أي لا ينبغي أن يعطى للكبار من التصرف غير التوسل والوساطة. فالله هو الذي يستعملهم كواسطة. ولا يمكن لأحد أن يكون مغيثا ولا أن يفعل شيئا إلا بإذن الله. ولكن إذا تجلى الله سبحانه وتعالى تصير كل الصعوبات سهلة؛ إذا أتى الخلق بالأسباب يحسن الخالق في لحظة.” وبعد أن انتهينا من تحديد المسألة على هذا الشكل: نقول إنّ الأرواح المقدسة والكبيرة تصبح كالملائكة حين تتخلص من قفص الجثمان. لا سيما من نذر نفسه في سبيل تحقيق الأهداف العالية، يؤيدون دائما من يتقاسم معهم نفس القضية ويظاهرونهم ويحفظونهم بإذن الله تعالى، بشرط اتحاد الترددات كما أشرت إليه آنفا.

نجد المذهب الكاثوليكي الذي يقول إن الله هو المسيح بن مريم يستعمل نفس العبارات ويقول: “لا يمكن لعيسى أن يفعل شيئا من تلقاء نفسه. وهو يتلقى كل شيء من الأب الذي أرسله.”[98] وهو الآن عند الأب يدافع عن المسيحيين وهو دائما على قيد الحياة وحاضر عند الله ليتوسط لصالحهم.[99] وقد رد الله تعالى عليهم بقوله: « يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ. إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ» (الفاطر، 35 / 13 – 14). وقوله تعالى: « قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ. قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ» (الأنعام، 3 / 63 – 64). وقوله تعالى: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ» (العنكبوت، 29 / 63).

ويستدلون على أن حمزة رضي الله عنه على قيد الحياة بهذه الآية: «وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ» (البقرة، 2 / 154).

وتنتهي الآية بقوله تعالى: «وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ» وعلى هذا لا يحق لنا أن نتكلم في هذا الموضوع. ولوكانت حياتهم حياة نستطيع أن نشعر بها لكان النبي صلى الله عليه وسلم أولى بها، ولشعر أنّ عمّه على قيد الحياة، ولما حزن على موته. فقد ورد قول بعض أصحابه: ما رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم باكيا قط أشد من بكائه على حمزة بن عبد المطلب، وضعه في القبلة، ثم وقف على جنازته، وانتحب حتى نشج من البكاء.[100]

وهناك آيات كثيرة متعلقة بالموضوع منها:

قوله تعال: «وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (آل عمران،3 / 169 – 171).

فلنفترض أن قوله ” وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ” لم تكن في الآية، وأن بعض المؤمنين يشعرون حياة الذين قتلوا في سبيل الله وفي هذه الحالة الشيء الوحيد الذي يشعر به هو كونهم في النعم. ولكن لا يلزم منه أنهم يعينون الناس. وقد بين الله تعالى حالة من يستعين بهم بقوله تعالى: « وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ» (الأحقاف، 46 / 5).

وكان مشركوا مكة يؤمنون أنّ القوة التي تملكها آلهتهم قد وهبها الله تعالى إياها. وكانوا يقولون حين يطوفون بالكعبة: ” لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك” فهذا زعم لا يستند على أي دليل. وقال ابن عباس رضي الله عنهما، راوي الحديث: كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك، قال: فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ويلكم، قد قد.”[101] قال الله تعالى: «قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ. فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ» (يونس، 10 / 31 – 32).

يحكمنا من يتم تعيينهم من قبل الحكومة. وعلى سبيل المثال: المحافظ يمثل الحكومة والدولة. ويزعم البعض أنّ بعض الأشخاص المقربين من الله تعالى يعينهم ويعطي لهم حق التصرف في بعض الأمور. ومن المعلوم أن المحافظ الذي تم تعيينه من قبل الحكومة يأتي ليجلس على كرسي الحكم بشهادة تثبت تعيينه وإلا لم يقبل محافظا. لأن قبوله بدون الشهادة يكون خروجا على الدولة. وكذلك التعيين من الله تعالى يستند على شهادة تثبت تعيينه منه تعالى. وقبوله بدونها والزعم أنه قد أعطي نوعا من التصرف يكون خارجا على الله تعالى.

وقد جرى بيني وبين من يستعين بحمزة وعبد القادر الجيلاني وغيرهما من الأموات الحوار التالي:

بايندر: هل هم يعرفونكم؟

أليس من الممكن أن يعرف الله لهم إيانا؟

بايندر: وهل هم يسمعونكم؟

أليس من الممكن أن الله يُسمِعهم؟

بايندر: وهل هم يعرفون لغتكم؟

أليس من الممكن أن الله يعلمهم لغتنا؟

بايندر: أليسوا أمواتا؟

ليس من المفيد لو قلت أنهم ليسوا بأموات نظرا للآيات التي قرأتها.

إذن أن الله تعالى يحييهم أولا ثم يعرفكم إياهم ثم يُسمعهم ثم يعلمهم لغتكم فيمكِّنهم ليفهموكم، ثم يأذن لهم أن يتوسطوا لصالحكم ويدافعوا عنكم عنده. وتزعمون أنّ آلاف الأشخاص يدعونهم في آن واحد. فعليهم أن يفهموا مسألة كل واحد منهم ويضعوهم في الترتيب حسب الأولوية في مسألتهم. والحقيقة أنّ هذا الأمر لا يتحقق إلا في خيالكم الزائف. قال الله تعالى: «أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ. وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ. وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ. إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ. إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ. وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ» (الأعراف، 7 / 191 – 197).

نموذج من الشيخ أفندي (محمود استا عثمان أوغلو)

وقد جرى بيني وبينه الحوار التالي:

الشيخ أفندي: قل أنت ما تريد.. ونحن نؤمن أن أرواح الشيوخ الكبار تتوسط بين الله والعباد. ونستغيث ونستعين بروحانيتهم.

بايندر: فماذا تقول في الآية الخامسة من سورة الفاتحة؟ وهو قوله تعالى: «إياك نستعين».وهي آية يقرأها كل واحد منا في صلاواته كلها. وما السبب في ذلك؟ وقال الله تعالى في آية أخرى: « وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ» (ق، 50 / 16). فالله تعالى لم يترك فراغا بينه وبين عباده ليدخل أيّ شيء؛ فهو أقرب لعباده من حبل الوريد؛ فكيف وجد الشيوخ فراغا ليدخلوا بين الله وعباده.

الشيخ أفندي: قال حضرة عبد القادر الجيلاني في شعره: سواء كان مريدي في المشرق أو المغرب بغض النظر في أي  مكان كان ألحق به لأنقذه.[102]

بايندر: وهذا الكلام يخالف كثيرا من الآيات مخالفة ظاهرة. منها قول الله تعالى: «أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ» (النمل، 27 / 62).

الشيخ أفندي: إذا كنت لا تؤمن بعبد القادر الجيلاني فلا كلام بيني وبينك.

بايندر: الإيمان بعبد القادر الجيلاني ليس من شروط الإيمان بالله تعالى. نحن مأمورون بالعمل بكتاب الله تعالى وليس بما يقوله عبد القادر الجيلاني. وهذه الأمثلة تبين لنا واضحا مدى علاقة المسلمين بإسلامهم.

ر‌. تكوين الجماعة وجماعة النور

يوصف الشخص ممن عرف بكونه عالما في العلوم الدينية بخصائص وميزات خارقة للعادة  ليسهل جمع الناس حوله. وبالتركيز على أنه رجل عالم تقي وقريب من الله تعالى يتم توفير مناخ مناسب ليؤمن الناس بكونه وسيطا ومنقذا عند الله. ثم يأتون بكتاب يزعمون أنّ ذلك الشخص المعظم قد كتبه بإلهام من الله تعالى. وبالتالي تنشأ جماعة لها اسم منفصل وزعيم مستقل وكتاب خاص. ويحاول نشر كلمات ساحرة، يتمّ التركيز بها على أنّ من لم يلتحق بهذه الجماعة لا سبيل له للنجاة. والكنيسة الكاثوليكية جماعة قد تشكلت على هذا النحو. وفرق شاسع بين الكنيسة والمسجد، فالمسجد مكان العبادة، ولكن الكنيسة تعتبر كيانا حيا لجسد المسيح الباطني ومجتمعا هرميا.[103] وهم يرون أنّ الكنيسة واحدة ومقدسة وكاثوليكية.[104] وللكنيسة رب واحد وإيمان واحد. الذي ينشأ من وظيفة واحدة وجسد يحيى بروح واحد وبأمل وحيد.[105]

تحاول الكنيسة الكاثوليكية دَومًا أن تجمع البشرية جمعاء تحت قيادة السيد المسيح، وتعمل لإستعادة الأشياء الجيدة الواردة في وحدته الروحية.[106] وهناك كتب خاصة للكنيسة الكاثوليكية يسمونها بـ “التقاليد الدينية”. ويؤمنون أنها تكونت بوحي من الروح القدس. ويقدسونها كالتوراة والإنجيل لأنهم يؤمنون أنها نبعت من مشكاة نبع منها التوراة والإنجيل.[107]

والركيزة الأساسية عند الكاثوليك: هي، أنه لا فلاح إلا لمن ينضم إلى الكنيسة الكاثوليكية.[108]

وعلى هذا النمط تشكلت جماعة النورسيين. وقد أعطي لسعيد النورسي خصائص وميزات فوق العادة، حتى قيل عنه بأنه مجدد العصر، والمهدي، وعيسى المنتظر، والغوث الأعظم، وأنه في مقام الفردية وأنه قد تجلت فيه الحقيقة المحمدية وأنه يشفع للنورسيين. كما يقدسون رسائل النور ويدّعون أنه لا فلاح إلا في الدخول في جماعة النور. وهكذا تشكلت جماعة لها اسم منفصل وكتاب خاص وزعيم مستقل. ولنر الآن ادعاءاتهم المتعلقة بهذا الموضوع:

1. الخصائص والميزات التي عُزيت لسعيد النورسي

  تؤمن جماعة النور بعقيدة النور المحمدي والحقيقة المحمدية، كما يؤمن بها الكثير من الطرق الصوفية. يدعي سعيد النورسي – بشكل غير مباشر – أنه يمثل الحقيقة المحمدية. وهو يرى أن منبع رسائل النور هو النور المحمدي.[109] ويقول عن نفسه؛ إنه الشخصية الحقيقة الروحية لرسائل النور.[110] أي أنّ النور المحمدي أو الحقيقة المحمدية هو ما يمثله حقيقة. ونجد في رسائل النور عبارات تدل على أنه أعطي هذه الخصائص والميزات..

أنه في مقام الفردية

والذي يمثل الحقيقة المحمدية يعتبر في مقام الفردية لأن الحقيقة المحمدية تمثل مع الله تعالى وجهين لحقيقة واحدة. يقول سعيد النورسي: قد اضطررت أن أبوح بسر لم يكن قد خطر على بالي إفشاؤه من قبل، وهو أنّ الشخصية الروحية لرسائل النّور (سعيد النورسي) ومن يمثلها من تلاميذه الخصوصيين قد شُرِّفوا بمقام الفردية؛ لذلك ليس عليهم من سلطة سواء أكان من قطب ديار أم القطب الأعظم الذي يمضى معظم أوقاته في منطقة الحجاز. ولهذا السبب ليس من الضرورة أن يدخلوا – أي طلبة النور –  تحت أمر أحد حتى ولو كان قطبا أعظم. كما لا يجب أن يعرفوه مثل الإمامين في كل عصر من العصور. كما أظن أن الشخصية الروحية لرسائل النور (سعيد النورسي) هو أحد هذين الإمامين. ولكنّي الآن عرفت أنّ رسائل النور والتي ارتبط بها الطلاب في الآونة الأخيرة قد تشرفت بمقام الفردية.

وعلى هذا السر الذي يجدر أن يبقى خفيا؛ لو حدث في مكة المكرمة شيء غريب، أي ظهر قطب أعظم واعترض على رسائل النور فعلى طلبة رسائل النور أن يثبتوا، وأن يعتبروا معارضة القطب الأعظم المبارك كتحية ود. وأن يشرحوا النقاط التي كانت محل اعتراضهم ويقبلوا يديه لجلب اهتمامه لرسائل النور.[111] ويعرف القطب بأنه أكبر ولي. وترى الطرق الصوفية أنّه يملك حقَّ التصرف في الكون. ويلي القطب إمامان أحدهما إمام اليمين والآخر إمام اليسار. ويُعتقد أنّ إمام اليمين مطلع على أحكام القطب وإمام اليسار على حقيقته. أي يعرف أحدهما القرارات التي يصدرها القطب والآخر حقيقة ذاته. وإذا مات القطب ينوبه إمام اليسار. ويتشكل من القطب والإمامين أقانيما ثلاث.[112]

وكان سعيد النّورسي يظنّ أنّه أحد هذين الإمامين، كما أشرنا إليه سابقا. والقطب ليس واحدا بل هناك أقطاب. ويقال قطب الأقطاب أي القطب الرئيسي، ويقال عنه كذلك الغوث أو الغوث الأعظم، بمعنى المغيث لمن يستغيثه. وقد قال سعيد النورسي عنه نفسه بأنه الغوث الأعظم. ويرى المنتسبون للمذهب النورسي؛ بأنّ القطب هو الشخص الذي تتجلى فيه الحقيقة المحمدية. وقد استعمل فيزخان في الأبيات التي كتبها لسعيد النورسي وسمّاها القصيدة النّورانية استعمل فيها هذه العبارات: لأنك مدلل لمن كان رحمة للعالمين في هذا العصر، ولأنّك وارث لشفيع المذنبين. أغثنا يا غياث المستغيثين! ودعاء آخر له؛ يا رسائل النّور! يا شعلة محمد الذي هو رحمة للعالمين![113] ولهذا المقام رأسان؛ أحدهما قطب الإرشاد والثاني قطب الوجود. ويرون أنّ قطب الإرشاد يمثل الجهة الباطنية للنّبوة. أمّا قطب الوجود يمثل الجهة الباطنية للحقيقة المحمّدية.[114] وقد نقلنا سابقا ما قاله الإمام الرباني في قطب الإرشاد. ويرون أنّ قطب الإرشاد يكون واحدا في كل فترة؛ أي أنّه مقام فردي. ويدعي سعيد النورسي أنه وصل إلى هذا المقام الفردي. وقد اصطحب طلبة رسائل النور عنده. كما يعتقد أهل الطرقات الصوفيّة أنّه يلي الإمامين، الأوتاد (وعددهم أربعة) الذين يتصرفون في جهات الأربع من الكون، والأبدال الأخيار (وعددهم سبعة) الذي يتصرفون في الأقاليم السبعة، والنجباء (وعددهم أربعون) الذين يعينون الناس، والنقباء (وعددهم ثلاث مائة) الذين يراقبون النّاس وأحوالهم. ويزعم سعيد النّورسي أنّ مقام القطب الأعظم الذي هو فوق المتصرفين في الأرض أقل بكثير من مقام طلبة رسائل النور. لذا ليس من الضروري لهم أن يدخلوا تحت أمر القطب الأعظم، والذي من الممكن أنه لم يستوعب رسائل النور بعد. فيُتوقع من مثل هذا الشخص أن يعترض على رسائل النّور. فعلى طلبة رسائل النّور أن يثبتوا، وأن يعتبروا معارضة القطب الأعظم المبارك كتحية ود. وأن يشرحوا النقاط التي كانت محل اعتراضهم ويقبلوا يديه لجلب اهتمامه لرسائل النور.[115]

قال الله تعالى: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ. إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ. وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ» (البقرة، 2 / 167).

أنه بديع الزمان

كلمة “بديع” من بدع؛ فيها أصلان: أحدهما ابتداء الشيء وصنعه لا عن مثال. وهو صفة يختص بها الله تعالى.[116] قال الله تعالى: «بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (البقرة، 2 / 117). والآخر الكائن الوحيد الذي لا مثيل له. وعلى هذا أن بديع الزمان؛ يعني الرجل الوحيد الذي لا نظير له في عصره. وهي ميزة تتناسب تماما مع مفهوم “الإنسان الكامل والحقيقة المحمدية. قال حسن فيضي واصفا سعيد النورسي في قصيدة أطلق عليها القصيدة النورانية:

أنت المصدر الأول! للعسل والسكر، والبحر وجميع العلوم والبراعة، فلم يظهر في العالم ما يماثل أثرك، يا مرآة من كان رحمة للعالمين رسائل النور![117]

ورسائل النور هنا تعني الرسالة بمعنى رسول النور. وفي مواضع كثيرة يُقصد برسائل النور ذات الشخصية المعنوية لسعيد النورسي. فيظهر لنا أنه يعني برسالة النّور رسول النّور. يدّعي النّورسيّون أنّ لقب بديع الزمان قد أُعطي له في عنفوان عمره من قبل كبار العلماء حين رأوا غزارة علمه مثل المحيط الأطلسي وما يملكه من الخصائص فوق العادة.[118]

أنه رحمة للعاملين

قال الله تعالى مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم: «وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ» (الأنبياء، 21 / 107). أمّا حسن فيضي فقد قال شعرا يدعي فيه أنّ هذه الآية تشير إلى سعيد النّورسي. كما قال فيه سعيد النّورسي لم أُبدِ رأيا بهذه المدائح الرائعة اعتقادا بأنها تُعطى بعض الخصائص للحقيقة المحمدية لوارثه الجزئي بالمعنى المجازي، لأن رسائل النور مظهر ومثال لتلك الرحمة الكلية، ولكن لا تُضاف إليها بعض الكلمات للدلالة على الفرق بين الحقيقة الأحمدية وما انعكس في المرآة.[119]ونكتفي بنقل ترجمة بعض أجزاء للشعر لأنه طويل:

أي رسالة النور! أنت رحمة للعالمين في هذا العصر،

فما سعد العالم اليوم إلا بك.

وهذه القلوب المرضى قد أصبحت مدمرة،

 فهل لديك آية من لقمان،

تعال واشفِ يا محبوب ذا شأن،

ويا مدلل من كان رحمة للعالمين.

فخر عالم نزل من العرش إلى الأرض،

وسلطان الولاية (علي) ركب البراق،

وقد قيل اليوم لـ “ذو الفقار” نورا

أي رسالة النور! أنت رحمة للعالمين في هذا العصر،

 طريقنا طريق نوراني من هذا النور،

وجميعنا عبد لهذا النور،

ما أسعد من مشى في طريق النور،

أي رسالة النور! أنت مثال لمن كان رحمة للعالمين.

أنت جوهر في هذا العالم،

أنت عين كلية تنظر من كل الذرات،

وأنت الوجه الذي يُعجب به الكون،

أي رسالة النور! أنت مثال لمن كان رحمة للعالمين.[120]

أنه يغيث الملهوف

جاء في الشعر الذي كتبه حسن فيضي وأعجب به سعيد النورسي العبارات التالية:

نحترق بذنوبنا مثل الأفران،

ونئن كل يوم من القلق أنينا،

فاغفر لنا فأنت محبوبنا دائما،

أي رسالة النور! أنت مثال لمن كان رحمة للعالمين.

أنزلت السماء آفات وأخرجت الأرض آفات،

يا ويلتا قد اضطربنا من الآلام من كل النواحي،

فارحم للعالمين يا نور مولى،

أي رسالة النور! يا مدلل من كان رحمة للعالمين.

قد أحيط هذا العالم العظيم بنار،

قد سجرت البحار كالجحيم،

أغثنا يا سلطان الأولياء،

أي رسالة النور! أنت رحمة لهذا العصر.[121]

أنه يحمل القرآن الكريم وصفات الله تعالى

وقد قال سعيد النورسي تعليقا على قصيدة كتبها حسن فيضي:

وقد كتب حسن فيضي الذي هو من الطلبة الخصوصيّين القدماء لرسائل النور  هذه القصيدة بكل إخلاصه وقناعته واعتماده القوي وعلمه العميق وإيمانه النوراني وبإلهام من السكة التصديقية الغيبية.[122] كتب هذه القصيدة ليعرف كنه رسائل النور ونور محمد الذي هو مصدر ذلك النور وحقائق القرآن وأسرار الإيمان.[123]

وقوله ” ونور محمد الذي مصدر ذلك النور وحقائق القرآن وأسرار الإيمان” مهم جدا. لأنه يرى أن هذه الخصائص قد أعطيت له بسبب كونه الشخص الحقيقي والمعنوي لرسائل النور. وهذا الزعم ينطبق تماما مع العقيدة الحقيقة المحمدية. لأنههم يزعمون أنّ الحقيقة المحمدية هي المصدر الذي أخذ منه جميع الأنبياء والأولياء علما لدنيا وباطنيا، كما أنه وسيلة لتوصيل الفيض من الحق إلى الخلق.[124] ومن أجل ذلك يعتبر سعيد النورسي ورسائل النور أصل القرآن الكريم وحقيقته وأسرار أسرار الإيمان.

وقد صرح بذلك حسن فيضي حيث قال:

أنت دواء للأمراض ومحبوب للأنفس،

أنت القرآن وجامع الأسماء ،

أي رسالة النور! يا رحمة العالمين![125]

أنه يظهر في كل عصر في صورة أشخاص مختلفة

الحقيقة المحمدية لا تعني الشخصية التاريخية لمحمد صلى الله عليه وسلم. فهم يرون أنها تظهر في كل عصر بشخصيات وأسماء مختلفة، نبيا حينا ووليا حينا آخر.[126] ويؤمن سعيد النورسي بكونه يمتلك هذه الأوصاف والخصائص. كما يظهر هذا من قوله:

“أنا تولدت الآن من ثمانين سعيدا تمخضوا في أربعين سنة بقيامات مسلسلة واستنساخات متسلسلة فهذا السعيد حي ناطق ميتون لو بالانجماد تماسك ماء الزمان وتمثل أولئك السعيدون وترآوا لما تعارفوا. تدحرجت عليهم في الأطوار فتفرق مني ما زان وأخذت منهم ما شان فكما أن أنا الآن هو أنا في هاتيك المراحل كذلك أنا أنا فيما يأتي بموتي من المنازل إلا أنه في كل سنة بمهاجرة إثنين لساكني تلك البلاد يجدد أنا لباسه فيلبس السعيد الجديد ويخلع العتيق.[127]

وقوله “أنا تولدت الآن من ثمانين سعيدا” مهم؛ فقد جاء في التوراة أنه قد مضى من موت آدم عليه السلام إلى وفاة يعقوب عليه السلام 2413 سنة. وقد عاش يوسف عليه السلام 110 أعوام. وعاش آدم عليه السلام 130 عاما.[128] وكان ما بين يعقوب وميلاد عيسى عليه السلام 1600 سنة. وعلى هذا فمجموع السنوات من آدم عليه السلام إلى مولد عيسى عليه السلام تكون 4000 سنة. وعلى أنّ سعيد النورسي مات في عام 1960 فتكون مجموع السنوات من آدم إلى موت سعيد النورسي 5960 سنة. لو قمنا بتقسيم هذه السنوات على 80 فيكون عمر كل جسد ممن دخل فيهم السعيد 75 عاما. فيكون “قوله إنّه في بدنه الثمانين” نتيجة هذه الحسابات حسب ما جاء في التوراة من القصص المتعلقة بالأنبياء وأعمارهم.

وهي عقيدة تناسخ الأرواح المعروفة في الديانة الهندوسية. ويرى سعيد النّورسي أنه فوق الثمانين ويبقى فوقهم حتى قيام الساعة. أي أنّه النّبي المرسل والمرشد الأعلى في كل عصر، وهو المجدد والمهدي والمسيح المنتظر.

ونود أن نورد ما يتعلق بهذا الموضوع كما جاء في رسائل النور:

“بذلك النور حمى الحوت يونس، وبه أُهلك قوم لوط”.

وبذلك النور قد اقتنع كثير من الأولياء،

وبذلك النّور أصبح كثير من الأزلاء كرماء.

انفتحت السماء على الفور، وتلألأت رسائل النور التي نبعت من النور، فأسعد بها الخالق الرحمان الخلق.

وطالما طلعت الشمس على البلاد،

 يسعد أصحاب القلوب المنكسرة ويفرحون.

أي برهان القرآن الذي نبع من النور الأصيل،

 أي حجة الإيمان الذي صدر من أسرار الفرقان.

أنت مطلوبنا ومنك الموعود،

فكلنا اليوم مسعود وقوي في ظلك الوارف.

الدنيا في كل لحظة كانت تنتظرك وتردد اسمك،

وقد أظهر اليوم الحق نفسه وتحقق الحلم،

منذ 1300 عام قد عاد الملايين إلى التراب،

ما برح المؤمن الموحد في انتظارك يا حبيب!

فكل لم يكن يتلفظ الحديث إلا عنك،

والله! وقد حفظت وأردد ذاك الحديث،

المجدد الكبير الأخير والله! هو رسالة النور.

فاعف عني يا رسالة النور فعفوك وكرمك عظيمان،

لا تجعلني يا ربنا منك مهجورا لحظة.

من أجل النور ومن أجل الحق ومن أجل الصداقة يا نور!

سرني اليوم بنورك وسرك .[129]

تلميذك العاجز حسن فيضي.

أنّه المرشد الأعظم

تُعرِّف جماعةُ النّور سعيدَ النورسي على النحو التالي: ينادي بديع الزمان سعيد النورسي واقفا على منار القرن الرابع عشر الهجري والقرن العشرين الميلادي مسلمي عصره وإنسانه؛ وتحدث مع من اصطف بعدهم من أهل العصور ومن وقف في صفوف الأجيال القادمة كأعظم مرشد ومجدد.[130]

أنّه المهدي المنتظر

إنّ قسماً من طلاب النّور الذين لهم أهمية، يظنون بك، أنك الشخص الذي سيأتي في آخر الزمان من آل البيت، ويصرّون على ظنهم هذا، ولكنّك ترفض بإصرار أيضاً ما يدور في أذهانهم، وتتحرز منه وتتجنبه. وهذا في ذاته تناقض وتضاد. نريد حلّه.

ثم يردف إزاء سؤالهم هذا بقوله: “إنّ الشخص المعنوى الذي يمثل مهدي الرسول المنتظر له ثلاث وظائف. وأهم تلك الوظائف هي إنقاذ الإيمان، ثمّ إحياء الشعائر الإسلامية باسم الخلافة المحمّدية، ويسعى ذلك الشخص لإنجاز هذه المهمة نظراً لتعطل كثير من أحكام القرآن وقوانين الشريعة المحمدية.

هذا وإنّ طلاب النور يرون أنّ الوظيفة الأولى كلياً في عهدة رسائل النور. أمّا الوظيفتان التاليتان فهما بالنسبة للأولى ثانوية وثالثية. لذا يتقبلون الشخص المعنوي لرسائل النور أنه نوع من المهدي حقاً، ويُعطى ذلك الإسم أحياناً إلى هذا الضعيف العاجز الذى يعتقد قسم منهم أنه يمثل ذلك الشخص المعنوي. حتى إن قسماً من الأولياء يرون في كراماتهم الغيبية أنّ رسائل النّور هي مهدي آخر الزمان ومرشده. وهم يقولون: إنّ هذا الأمر يفهم بالتحقيق والتأويل.

ولكن هناك إلتباس في نقطتين، لا بد من التأويل:

الأولى: إنّ الوظيفتين الأخيرتين، رغم أنّهما ليستا بأهمية الوظيفة الأولى من زاوية الحقيقة، إلاّ أنّ الخلافة المحمدية والإتحاد الإسلامي هما لدى عامة الناس وأهل السياسة ولاسيما في أفكار هذا العصر_ أهمّ من الوظيفة الأولى بألف مرة. وعلى الرغم من أنّ الله يبعث في كل عصر مهدياً ومرشداً _وقد بعث فعلاً_ إلاّ أنهم لم يحرزوا لقب المهدى الأكبر لآخر الزمان، حيث إنّهم ادّوا في جهة من الجهات وظيفة واحدة من تلك الوظائف الثلاث.

الثانية: إن ذلك الشخص العظيم الذي سيظهر في آخر الزمان هو من آل البيت، وإني وإن كنت بمثابة ولد معنوي لسيدنا علي رضي الله عنه حيث تلقيت منه درس الحقيقة، وأنّ طلاب النّور الحقيقيين _في معنى من المعاني_ يعتبرون من آل محمد ، وأُعدّ من هذه الجهة من آل البيت.[131]

إنّ الولي عثمان الخالدي الذي كان يأكل خبزا أربعين يوما ولا يأكل غيرها، وشُكري طوبال العالم المشهور من علماء اسبارطة، كلاهما قد شاهد حقيقة؛ وهي: أنهم قد رأوا الوظائف كلَّها في رسائل النور. لأنّ الذي تنتظره الأمة وسيأتي في آخر الزمان، له مهام ثلاثة، وأنّ أهم وظيفة من هذه الوظائف الثلاث وأعظمها وأجلها هي نشر الإيمان الحقيقي وإنقاذ الإيمان من الضلالة. ومن أجل ذلك فإنّ عليا رضي الله عنه وعبد القادر الجيلاني وعثمان الخالدي قد أشاروا – إشارة تفيد يقين- إلى أن مقام الشخص المنتظر في الشخص المعنوي لرسائل النور (أي في سعيد النورسي). وتدل هذه الحقيقة إلى أنّ الشخص المنتظر يطبق رسائل النور كبرنامجه الخاص.[132]

سعيد النورسي هو عيسى المنتظر نزوله، وذلك حسب ما صرحت به رسائل النّور.  لأنّ الذين ينتظرون نزول عيسى، يؤمنون أنّه سيقتل الدجال.[133] قد أشارت إليه القصيدة – التي قال عنها سعيد النورسي أنها قصيدة نورانية- . كما جاء فيها:

نورك يطفئ كل حريق، ويحول نورك كل مكان حديقة ورد.

ويأتي يوما يقتل فيه نورك الدّجّال، أي رسالة النّور! أنت نور من كان رحمة للعالمين.[134]

أنه منقذٌ لمن دخل في إطار رسائل النور

يؤمن جماعة النور أنّ سعيد النورسي ينقذهم من البلايا في هذه الدنيا. كما جاء ذلك في القصيدة – التي قال عنها سعيد النورسي أنها قصيدة نورانية-:

ليشفي جرحنا الآن قليلا، وليروج نقودنا التي أصبحت قديمة.

أنشر نورك يجعل السواد بياضا، أي رسالة النّور! يا ضياء رحمة للعالمين.

يا صرخة العاشقين التي بلغت العرش، تُبكي هؤلاء الأجداد أصحاب الروح النظيفة.

أغثنا لوجه الله، أي رسالة النور! يا رحمة المحتاجين.

أنزلت السماء بلاء وأخرجت الأرض بلاء، ياويلتا! إهتز العالم بألم.

يا نور مولانا رحمة العالمين، يا مُدلّل من كان رحمة للعالمين.

هناك فيضانات والدم من ناحية أخرى يتدفق، ونار تلك البلايا تحرق العالم.

والناس يبكون وإليك تنظر، أي رسالة النور! نموذج من كان رحمة للعالمين.

قد أحيط العالم بالنار، فالبحار سجرت مثل الجحيم.

أغثنا يا سلطان الأولياء! أي رسالة النّور! في عصرنا أنت رحمة للعالمين.

على من يُستغاث بسعيد النورسي. من هو الذي جعل البحار تسجر، وأحاط العالم بالنار؟ والشخص الذي يُستغاث به على الله ألا يلزم له أن يكون أقوى من الله؟ وأرحم منه تعالى؟ وأعرف بأحوال الناس؟ كيف يرتكب المسلم الذي يقول في صلواته الخمسة “إياك نعبد وإياك نستعين” هذا الإثم الكبير؟!.

أنه شفيع لطلاب النّور

تؤمن جماعة النّور أنّ سعيد النّورسي شفيع لهم. وهذا بعض ما يتعلق بالموضوع من أقوالهم:

بقبول هذا الدعاء، دعاء سيعد النورسي، الشخص المعنوي المبارك لذلك النور وترجمانه المحترم: “انقذنا، وآباءنا وأمهاتنا، وطلبة رسائل النور وآباءهم وأمهاتهم من النار.” وأمثاله من الأدعية وبشفاعته وأجله، فأنت حين تدخل ذاك الإطار المبارك مثل هؤلاء الطلبة المحترمين تفلح وتنجى من الهول المحيط بالعالم ومن النار في الآخرة،كما نجى وأفلح طلبة رسائل النور وخادميها والمحلات التي تحميها، وكذلك تُنجي أحباءك من عائلتك بسبب كونك راعيا لهم. وكلكم تبلغون إلى الفلاح المعنوي والمادي.[135] يا طلاب النّور! تنقذكم شفاعة النور وصلاته وهمته.[136]

2. تقديس رسائل النور

إنّ جزءاً كبيراً من رسائل النور يتحدث عن تقديس رسائل النور وسعيد النورسي وطلابه. ولو فُصِل هذا القسمُ منها لأصبحت كتيبات صغيرة. وقد تكلمنا عن بعضها ونلقي النظر الآن على بعضها الآخر:

في هذا العصر الغريب الرهيب الذي لم يسبق له مثيل، العصر الذي أصاب المؤمنين هزات، ولقوا عدوا شرسا وأحاط بهم نار الكافرين الخلص. إنّني على ثقة أنّه لا يوجد فلاح إلا باللجوء إلى  مصدات نوارنية متينة رصينة لرسائل النور مزودة بكل أجهزة قوية والدخول إلى دائرتها المقدسة. وبإنقاذ إيماننا نحول الموت الذي يظن البعض أنّه عدم إلى الحياة الأبدية.[137] فهي غذاؤنا الروحي ومفتاح لسعادتنا الأبدية.[138]

ونرى الآن بعض ما وصفت بها رسائل النّور من الخصائص والميزات:

إنّ رسائل النّور مصدَّقة من الله

إذا كان الفلاح برسائل النّور كما تزعم جماعة النّور، فلا بد من أن تكون مصدَّقة في الكتب السماوية السابقة. ولم يهمل سعيد النورسي هذا بل أكده بكتابة رسالة تحت عنوان: “السكة التصديقية الغيبية”. (أي أنها رسالة تخبر عن الغيب). جاء فيها:

“هذه الرسالة من أولها إلى آخرها تثبت بآلاف الإشارات حقيقةً واحدةً تؤيدها آلافُ الإشارات والدلائل؛ وهي أنّ رسائل النور قد تمّت المطابقة عليها فأصبحت مصدَّقة. فوجود آلاف الإشارات والدلائل المختلفة في دعوى واحدة ليس دليلا فسحب في درجة العلم القطعي بل هو دليل في درجة الشهود والقناعة تثبت حقِّية تلك الدعوى.[139]

وعلى من يريد الإطلاع على كيفية هذا الإثبات قراءة الموضوع تحت عنوان: “سعيد النّورسي والقرآن الكريم”.

سبب كون رسائل النور بالتركية

قال الله تعالى: «وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» (إبراهيم، 14 / 4). يستدل سعيد النورسي بهذه الآية على كون رسائل النور بالتركية. كما صرح بذلك قائلا: تشير هذه الآية إلى أنّ رسائل النّور مثّلت ميراث الأنبياء والرسل؛ لأنه من القواعد الأساسية وجود الأوصياء والوكلاء لهم في كل عصر من العصور. كما تبين سبب كونها بالتركية، غير العربية.[140]

تُغفر الذنوب برسائل النور

يرى سعيد النّورسي أنّه ليس من حق أحد أن يتطاول على لمعات القرآن الكريم ورسائل النور بل يجب قبولهما ونشرهما بأكملهما. هذا ليكون كفارة لما تقدم من ذنبه المخيف ويكون مانعا لما يُتوقع من الفوضى والبلايا المهلكة.[141]

قارئ رسائل النور يصبح عالما

يرى سعيد النّورسي أنّه يمكن تحصيل العلوم في مدرسة رسائل النّور خلال 5 أو 10 أسابيع وقد يستغرق تحصيلها في المدارس القديمة 5 أو 10 سنوات. أي يمكن الوصول في هذه الفترة القصيرة إلى نفس النتائج التي كانت ستستغرق ما يقرب من عشر سنوات في المدارس القديمة.[142]

نموذج من تقديس رسائل النّور

لو فصلنا من رسائل النّور ما يدل على تقديسها لما بقي منها إلا قليل، أي لأصبحت كتيبات صغيرة. ونذكر منها “الآية الكبرى” على سبيل المثال، ونقف على أهم النقاط فيها:

أنّها أمليت على سعيد النورسي

يقول سعيد النّورسي في مقدمة رسالته التي سمّاها بـ “الآية الكبرى”: إنّ طول المقدمة الآتية، وتوضيحها المسهب، كان بدون اختيار مني، فهناك إذن حاجة أن أملي عليّ هكذا.[143]

 على رضي الله عنه هو الذي سمّاها بهذا الإسم

 ويصف سعيد النورسي الآية الكبرى بقوله: وهذه الرسالة قد سُمّيت من قبل علي رضي الله عنه بما تلقاه من الغيب بـ “الآية الكبرى وعصا موسى” لأنها ذات أهمية عظيمة.[144]

أن عليّا قد استشفع برسائل النور

يقول سعيد النورسي: حين أخبر علي رضي الله عنه بأجزاء رسائل النور دعا قائلا: “آمنّي بالآية الكبرى من فجت” (أي الموت فجأة). واجعلها شفيعا.[145]

أنّ رسائل النور دليل “لا إله إلا الله”

يقول سعيد النورسي: إنّ الحجة الإيمانية في هذه الكلمة هي رسالة “الآية الكبرى” تلك الرسالة الخارقة التي لا نظير لها.. لذا قد استشفع بها الإمام علي رضي الله عنه قائلا: “وبالآية  الكبرى أمني من الفجت” (أي الموت فجأة).[146]

أنّ رسائل النور منقذة

يقول سعيد النورسي: فقد أدت إلى نيل طلاب النور بالبراءة من المحكمة، وظهورهم في سجن “دنيزلي” وانتصارهم في كل من محاكم “أنقرة ودنيزلي” وانتشارها بالخفاء انتشاراً مؤثراً.

أنها حمت الدكان من الحريق

يقول سعيد النورسي: وقد اشتعلت النيران في دائرة من الدوائر الحكومية في اسبارطة في ساعة من الليل والتي اشتد فيها البرد واستمر الحريق لمدة ثلاث ساعات. كان الحريق يتقدم بسرعة إلى المتجر المجاور الذي يملكه أحد طلاب رسائل النور. وجاء إليَّ قائلا: ” حريق! الحقوني!”. وقد طلبت منه قبل يومين أن يأتي ببعض النسخ من الآية الكبرى التي كانت في متجره. أي أنّها بقيت هناك لتطفئ الحريق. قلت مستشفعا برسائل النور والآية الكبرى: يا رب انقذ! لم يُبقِ الحريق الرهيب الذي استمر ثلاث ساعات شيئا من الدائرة الحكومية الكبيرة. وكذلك المتاجر المجاورة لها والمتاجر تحتها أصبحت رمادا بأكملها. ولكن المتجر الذي كان في حماية رسائل النّور والآية الكبرى لم يصل إليه الحريق. وكذلك متجر الطالب الذي تحته لم يصل إليه الحريق.[147]

3. طريق الفلاح في الدخول إلى جماعة النور

ترى جماعة النّورسي: أنّه يوجد في القرآن الكريم إشارت واضحة على سعادة طلبة النّور كما بشّر بذلك علي رضي الله عنه وعبد القادر الجيلاني.[148]

ونفهم حقيقة جماعة النّور وما يُشاكلها من الجماعات من الآيات التالية: قال الله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ» (الأنعام، 6 / 159). وقال تعالى: «وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ. فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ. فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ. أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ. نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ» (المؤمنون، 23 / 52-56). وكلمة “زُبُر” في قوله تعالى: « فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ» جمع لكمة “زبور”، بمعنى الكتاب. كما جاء في قوله تعالى: «وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ» (الشعراء، 26 / 196). أي في الكتب المنزلة على الأنبياء السابقين. كما أنّ الزبور اسم الكتاب الذي أُنزل على داود عليه الصلاة والسلام. وسمي كتاب الذين فرقوا دينهم بـ “زُبرا” لأنّهم وصفوه بأنّه إلهيٌّ.

ز‌. الهدف هو توسيع الجماعة

والذين يجعلون الدّين تابعا لأهواهم بدلا من أن يتبعوه، يستخدمون الدين ومبادئه الأساسية كوسيلة لتوطيد سلطاتهم. وعلى سبيل المثال؛ فإنّ عقيدة التثليث – الأب والابن والروح القدس- في الديانة النصرانية  هي وسيلة لتوطيد  سلطات الكنيسة على الجماعة. وما هي إلا استغلال للدِّين. فأصبح الإرتباط أو التعلق بالكنيسة هو رمز التديُّن. فحين يريد الإنسان أن يكون متدينا يرتبط بالكنيسة من دون الله.

وعلى سبيل المثال ترى الكنسية الكاثوليكية أنَّ الكنيسة تمثل الروح القدس ومريم العذراء والحواريين. فالكنيسة عندهم جماعة تكونت من الأجهزة الهرمية والجسد الباطني للمسيح. وهي مزودة بالهدايا السماوية. كما أنّ لها طبيعتين إحداهما ناسوتية والأخرى لاهوتية.[149] فالكنيسة رمز الإتحاد ووسيلته بين الله وبين الخلق.[150] وموظفوا الكنيسة الذين يماثلون المسيح هم عباد المسيح. لأن ما يتلفظونه من الكلام وما يقدمونه من الإحسان ليس بكلامهم ولا بإحسانهم. بل هو كلام المسيح وإحسانه أُودِع عندهم ليسلموه لآخرين. و بهذا فقد خرج المذهب الكاثوليكي في الديانة النصرانية من أن يكون دين الله، وأصبح دين الكنيسة. واليوم تبذل الكنائس كل جهد ليزيد عدد المنتسبين إليها. وهذا ليس خاصا بالكنيسة الكاثوليكية بل جميع الكنائس تقوم بنشاطات مكثفة تحت اسم “التبشير”. والتبشير ليست دعوة دينية؛ لأن الدعوة الدينية هي التبليغ  فقط بعيدا عن الإجبار والإكراه، وبعد التبليغ الصحيح فمن شاء منهم آمن ومن لم يشأ لم يؤمن. ولكن التبشير هو استخدام كل الوسائل لجعل الناس خادمي الكنيسة كما فعل بولس. خلال 200 سنة من الاحتلال الصليبي للقارة الأمريكية تم تخريب المعتقدات والثقافات المحلية بأساليب مختلفة تتجاوز في شرها محاكم التفتيش الأوربية في العصور الوسطى. كما حدث ذلك في احتلالهم لقارة أستراليا، ونيوزيلاندا والدول الأفريقية وغيرها من بلدان العالم.[151]

والمبشرون هم على طريق بولس الرسول؛ وقد جاء في رسالته إلى  أهل كورنثوس هذه العبارات: “ 19فَإِنِّي إِذْ كُنْتُ حُرًّا مِنَ الْجَمِيعِ، اسْتَعْبَدْتُ نَفْسِي لِلْجَمِيعِ لأَرْبَحَ الأَكْثَرِينَ. 20فَصِرْتُ لِلْيَهُودِ كَيَهُودِيٍّ لأَرْبَحَ الْيَهُودَ. وَلِلَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ كَأَنِّي تَحْتَ النَّامُوسِ لأَرْبَحَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ. 21وَلِلَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ كَأَنِّي بِلاَ نَامُوسٍ مَعَ أَنِّي لَسْتُ بِلاَ نَامُوسٍ ِللهِ، بَلْ تَحْتَ نَامُوسٍ لِلْمَسِيحِ لأَرْبَحَ الَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ. 22صِرْتُ لِلضُّعَفَاءِ كَضَعِيفٍ لأَرْبَحَ الضُّعَفَاءَ. صِرْتُ لِلْكُلِّ كُلَّ شَيْءٍ، لأُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَال قَوْمًا. 23وَهذَا أَنَا أَفْعَلُهُ لأَجْلِ الإِنْجِيلِ، لأَكُونَ شَرِيكًا فِيهِ.[152]

يبدأ التبشير بتبليغ الإنجيل إلى من لم يؤمن بالمسيح من الناس. ثم يأتي الدور إلى إنشاء جماعة نصرانية من المحليين وبناء الكنائس في المكان. وتبدأ عملية (الأقلمة) (Inculturation)[153] لتفعيل الإنجيل في ثقافاتهم وحياتهم اليومية. ثم تصل الكنيسة إليهم وتتغلغل خطوة بعد خطوة عبر المسائل المختلفة للشعوب والجماعات والأفراد. وهذا يتطلب وجود حوار قائم على احترام الذين لم يقبلوا الإنجيل بعد.[154] وتعني الأقلمة نشر تعاليم الإنجيل في البلدان غير المسيحية، ويجرى التعديلات في الرسالة المسيحية وطريقة الحياة فيها حتى تصبح منسجمة مع الثقافات الأخرى بهدف التدرج في الحركة التنصيرية.

وتوجد هذه العمليات في كثير من الجماعات الإسلامية والطرق الصوفية؛ يظنون أنّهم يمثلون الإسلام ويحسبون أن ما يقومون به من توسيع الجماعة هو نشر للإسلام. والهدف الأساسي فيها هو توسيع الجماعة وتكثير عدد المنتسبين إليها. كما نرى ذلك في أقوال سعيد النّورسي؛ حيث قال: “على طلاب النّور أن يعرضوا سلوكا سلميا لتنتشر رسائل النّور في جميع البلدان الإسلامية، إياكم ومداخلة الأئمة في جمعتهم وجماعتهم، أما قول الإمام الرباني – لا تدخلوا الأماكن التي فيها بدعة – يعني أن دخولكم إلى مساجد العامة لا ثواب فيه ولا يعني بطلان الصلاة فيها.[155] والنورسي اضطر إلى تأويل كلام الرباني ليتوافق ذلك مع نظرته التوسعية لجماعته.

وأفراد جماعة النّور يبذلون الجهود ليكونوا على علاقة جيدة مع الجميع، ويتجنبون الخوض في نقاش معهم من أجل نشر أفكارهم. وواضح أنّ الهدف من قول الرباني “لا تدخلوا الأماكن التي فيها بدعة” هي المساجد. يذهب المسلم إلى المسجد ليكثر ثوابه. وهل يذهب إليه إذا ما أخذ ثوابا على صلاته؟ وقد نبه سعيد النورسي تلاميذه بقوله هذا إلى إنشاء مساجد خاصة بهم.

س‌. مزعومة احتضان البشريه جمعاء

تقول جماعة النور “على كل من أراد أن يسلك طريق الحق فعليه أن يقرأ رسائل النور. وكل ضياء في طريق النور يؤدي إلى الوصول إلى السعادة الحقيقية وفهم أسرار الأرض. رسائل النور التي هي نور القرآن الكريم تشير إلى مصدر السعادة الأبدية ليرتفع يوما صوته النوري الذي هز العالم به”.[156] ولم يقف سعيد النورسي عند هذا الحد بل تجاوزه قائلا: ” إنّ أجزاء رسائل النور قد حلّت أكثر من مائة من أسرار الدين والشريعة والقرآن الكريم، ووضحتها وكشفتها، وألجمت أعتى المعاندين الملحدين وأفحمتهم، وأثبتُّ بوضوح كوضوح الشمس ما كان يُظن بعيداً عن العقل من حقائق القرآن؛ كحقائق المعراج النبوي والحشر الجسماني، أثبتُّها لأشد المعاندين والمتمردين من الفلاسفة والزنادقة حتى أدخلت بعضهم إلى حظيرة الإيمان، فرسائل هذا شأنها لابد ان العالم – وما حوله – بأجمعه سيكون ذا علاقة بها، ولا جرم أنها حقيقة قرآنية تشغل هذا العصر والمستقبل، وتأخذ جل اهتمامه، وأنها سيف الماسيّ بتار في قبضة أهل الايمان ..”.[157]

فالمتعصب في تشيعه، والمغالي في وهابيته، وأشد الفلاسفة مادية وعمقاً في العلم، وأكثر العلماء أنانية وتزمتاً، قد بدأوا بالدخول معاً في دائرة النور ويعيش قسم منهم الآن أخوة متحابين في تلك الدائرة، حتى إن هناك إمارات بدخول مبشرين نصارى من الروحانيين الحقيقيين في تلك الدائرة، لما يشعرون به من ضرورة الترابط والمصالحة، طارحين مواد المناقشة والمنازعة جانباً. بمعنى أن رسائل النور التي أخبر عنها الإمام علي رضي الله عنه بإشارات تبلغ حوالي الأربعين وبدرجة الصراحة أحياناً، هي ضماد لجروح هذا الزمان. ولهذا كفتنا تلك الدائرة فلا نخرج منها.[158]

 


[1]    البخاري، باب ما ذكر عن بني إسرائيل.

[2]    التعاليم الدينة للكنيسة الكاثوليكية، الفصل. 2112.

[3]    أنجيل مَرْقُسَ 12 / 29.

[4]    إنجيل لوقا، 4/8.

[5]    التعاليم الدينة للكنيسة الكاثوليكية، الفصل. 241.

[6]    التعاليم الدينة للكنيسة الكاثوليكية، الفصل. 233.

[7]    التعاليم الدينة للكنيسة الكاثوليكية، الفصل. 254.

[8]    التعاليم الدينة للكنيسة الكاثوليكية، الفصل. 331.

[9]   كشف الخفا لإسماعيل بن محمد العجلوني، بيروت، 1988 / 1408، جـ . 2، صـ . 164.

[10]   محمد دميرجي، “الحقيقة المحمدية”، الموسوعة الإسلامية لوقف الديانة، جـ . 15، صـ .179-180.

[11]    التعاليم الدينة للكنيسة الكاثوليكية، الفصل. 480.

[12]    محمد دميرجي، “الحقيقة المحمدية”، الموسوعة الإسلامية لوقف الديانة، جـ . 15، صـ .179-180.

[13]  Ali Ramazan DİNÇ, İki Cihan Serveri Peygamberi Zîşânımız, Yeni Dünya Dergisi, 5859 sayılar, AğustosEylül 1998, s. 32.

 

[14]  Bediuzzaman Said Nursî, Kaynaklıİndeksli Risalei Nur Külliyatı, Yeni Asya Yayınları, İstanbul 1995, Tarihçei Hayat, c. II, s. 2124.

[15]  Bediuzzaman Said Nursî, Tarihçei Hayat, İlk Hayatı, Haşiye 2, a.g.e, c. II, s. 2123.  Muhammed Rıza’lMuzaffer, Akâidü’lİmâmiyye, Şia İnançları (çeviren: Abdülbaki GÖLPINARLI) İstanbul 1978, s.  253.

[16] Muhammed Rıza’lMuzaffer, Akâidü’lİmâmiyye, Şia İnançları (çeviren: Abdülbaki GÖLPINARLI) İstanbul 1978, s.  253.

[17]  Muhammed Rıza’lMuzaffer, Şia İnançları, s. 52.

[18]    سيرة ذاتية، صـ. 36.

[19]   السيرة الذاتية، حياته الأول، صـ . 2129.

[20]  ملحق قسطموني، ص: 141

[21]  السيرة الذاتية، لحياته الأولى، جـ . 2 / صـ 2128.

[22]  شمس الدين السامي، القاموس التركي، صـ .738.

[23]   التعاليم الدينة للكنيسة الكاثوليكية، الفصل. 771.

[24]   التعاليم الدينة للكنيسة الكاثوليكية، الفصل. 775.

[25]   التعاليم الدينة للكنيسة الكاثوليكية، الفصل. 877، 880، 883.

[26]   التعاليم الدينة للكنيسة الكاثوليكية، الفصل. 191، .

[27]  Hasan Kâmil YILMAZ, İnsânı Kâmil, Altınoluk Mecmuası, Temmuz 1996, sayı 125, s. 31.

 

[28]   التعاليم الدينة للكنيسة الكاثوليكية، الفصل، 105.

[29]   التعاليم الدينة للكنيسة الكاثوليكية، الفصل، 79.

[30]  İşârât’ulİcâz, Diyarbakır Sulh Ceza Mahkemesine, c. II, s. 1274.

[31]  Şualar, Birinci Şua, Yirmidördüncü Ayet ve Ayetler, Üçüncü Nokta, c. I, s. 842.

[32]  Şualar, Birinci Şua, c. I, s. 833.

[33]  Şualar, Birinci Şua, c. I, s. 833.

[34]  Şualar, Birinci Şua, Yirmiikinci Ayet ve Ayetler, c. I, s. 841.

[35]  Sikkei Tasdiki Gaybî, Onsekizinci Lem’a, c. II, s. 2078.

[36]  Sikkei Tasdiki Gaybî, Onsekizinci Lem’a, c. II, s. 2079;

[37]    هو اسم الكتاب الذي يحوي مجموعة رسائل النور.

[38]  Barla Lâhikası, Yirmi Yedinci Mektub ve Zeyilleri, c. II, 1415.

[39] Said Nursî, Şualar, On Birinci Şua, Onbirinci Meselenin haşiyesinin bir lahikasıdır, a.g.e, c. I, s. 985.

[40]  أنظر. البقرة، 2 / 226؛ آل عمران، 3 / 103.

[41]  ملحق أميرداغ/1 ج. 2، ص.  1719

[42]  مكتوب السابع والعشرون من ملحق قسطموني، ج. 2 ، ص.1589.

[43]  التعاليم الدينة للكنيسة الكاثوليكية، الفصل: 208.

[44]  التعاليم الدينة للكنيسة الكاثوليكية، الفصل: 2766.

[45]  Tümer, Küçük, a.g.e . s. 63.

[46]  Mehmet DEMİRCİ, “Hakikati Muhammediye”, DİA, c. XV, s. 179180.

[47] Hasan Kâmil YILMAZ, İnsânı Kâmil, Altınoluk Mecmuası, Temmuz 1996, sayı, 125; s. 31.

[48]  Hasan Kâmil YILMAZ, a.g.e, s. 31.

[49]   المفردات، مادة: ملك.

[50]  Şemseddin Sami, Kâmûsi Türkî, Dersaadet جبر ) , 1317 ) maddesi.

[51]   İmam Rabbânî, elMektûbât, Arapça nüsha, tarih ve yer yok, c. I, s. 254.

[52]  Hasan Kamil YILMAZ, Ricalü’lGayb GaybErenleri, Altınoluk Mecmuası, Aralık 1995.

[53]  Muhammed b. Abdullah Hani, Adâb, (Mütercim: Abdulkadir AKÇİÇEK), İstanbul, 1396/1976. s. 172.

[54]  Muhammed b. Abdullah Hani, Adâb, s. 268.

[55]  Muhammed b. Abdullah Hani, Adâb, s. 238.

[56]  Sadık Dânâ, Altınoluk Sohbetleri I, s. 3940.

[57]  Muhammed b. Abdullah Hani, Adâb, s. 239242.

[58]  Muhammed b. Abdullah Hani, Adâb, s. 239242.

[59]  Muhammed b. Abdullah Hani, Adâb, s. 244.

[60]  Muhammed b. Abdullah Hani, Adâb, s. 239242.

[61]   Sadık Dânâ, Altınoluk Sohbetleri I, s. 4142.

[62]  المفردات، مادة: غيب.

[63]   التعاليم الدينة للكنيسة الكاثوليكية، الفصل: 1536.

[64]   التعاليم الدينة للكنيسة الكاثوليكية، الفصل: 1555.

[65]   التعاليم الدينة للكنيسة الكاثوليكية، الفصل: 1558.

[66]   التعاليم الدينة للكنيسة الكاثوليكية، الفصل: 1562.

[67]   الجن، 72 / 26-27.

[68]  Said Nursi, SikkeiTasdiki Gaybî, Sekizinci Lem’a, a.g.e, c. II, 2091.

[69]   فتح القدير للشوكاني، جـ. 2/ صـ.111.

[70]  Said Nursi, Sikkei Tasdiki Gaybî, Sekizinci Lem’a, a.g.e, c. II, 2091.

[71]   التعاليم الدينة للكنيسة الكاثوليكية، الفصل: 2634.

[72]   التعاليم الدينة للكنيسة الكاثوليكية، الفصل: 519.

[73]   التعاليم الدينة للكنيسة الكاثوليكية، الفصل: 2634.

[74]   التعاليم الدينة للكنيسة الكاثوليكية، الفصل: 683.

[75]   التعاليم الدينة للكنيسة الكاثوليكية، الفصل: 969.

[76]  İbranilere Mektup, 5/1.

[77]  Katolik Kilisesi Din ve Ahlak İlkeleri, par. 878.

[78]   صحيح البخاري، باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في أكفانه.

[79]   صحيح مسلم، باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه، رقم الحديث؛ 2873.

[80]  أنظر:  النساء، 4 / 117؛ الأنعام، 6 / 40، 41، 56، 64، 71، 108؛ الأعراف، 7 / 37، 194، 195، 197؛ يونس، 10 / 38، 66، 106؛ هود، 11 / 101؛ الرعد، 13 / 14؛ النحل، 16 / 20، 86؛ الاسراء، 17 / 56، 57، 67؛ الكهف، 18 / 14؛ مريم، 19 / 48؛ الحج، 22 / 12، 13، 62، 73؛ المؤمنون، 23 / 117؛ الفرقان، 25 / 68؛ الشعراء، 26 / 72، 213؛ القصص، 28 / 64، 88؛ العنكبوت، 29 / 42؛ لقمان، 31 / 30؛ سبأ، 34 / 22؛ الفاطر، 35 / 13، 14، 40؛ الصافات، 37 / 125؛ الزمر، 39 / 38؛ المؤمن، 40 / 20، 66، 73، 74؛ فصلت، 41 / 48؛ الزخرف، 43 / 86؛ الأحقاف، 46 / 4، 5؛ الجن، 72 / 15، 26.

[81]   روح الفرقان لمحمود أستا عثمان أوغلو، استانبول 1992، جـ . 2 / صـ .82.

[82]  İbni Kemal Paşa, elErbeûn, v. 360. Süleymaniye Kütüphanesi, Esad Efendi, 1694.

[83]   روح الفرقان، جـ . 2 / صـ . 67.

[84]   العجلوني، كشف الخفا، جـ. 1 / صـ. 8.

[85]   الترمذي، الدعاء1 رقم الحديث: 3371.

[86]   راغب الاصفهاني، مادة: حرف.

[87]   أنظر: الصحراح و تاج العروس ولسان العرب.

[88]  Elmalılı Muhammed Hamdi Yazır, Hak Dini Kur’an Dili. Nisa 46. Ayetin tefsiri.

[89]  Elmalılı Muhammed Hamdi YAZIR, Hak Dini Kur’an Dili, c. I, s. 662, (Bakara 186. Ayetin tefsiri) İstanbul 1935.

[90]   لسان العرب، مادة: د ع و.

[91]   الترمذي، الدعاء، رقم الحديث: 3372.

[92]   الترمذي، الدعاء، رقم الحديث: 3371

[93]  Hayrettin KARAMAN, “Ramazanda Türbe Ziyaretleri” 10. 12. 2000 tarihli Yeni Şafak Gazetesi, Fıkıh Köşesi.

[94]   Said Nursi, Sikkei Tasdiki Gaybî, Sekizinci Lema, a.g.e, c. II, s. 2083.

[95]  Said Nursi, Sikkei Tasdiki Gaybî, Sekizinci Lema, a.g.e, c. II, s. 2084.

[96]قطعة معدنية ذات نظم كهربائي تعطي الإشارة الكهربائية اللازمة لتشغيل المحرك، يقال لها في بعض البلدان العربية ( بوجية)

[97]   Küçük Dünyam 2, Zaman Gazetesi 28 Kasım 1996.

[98]    التعاليم الدينية والأخلاقية الكاثوليكية.

[99]    التعاليم الدينية والأخلاقية الكاثوليكية، فصل. 519.

[100]    الرحيق المختوم ص، 256.

[101]   مسلم، الحج 22، رقم الحديث: 1185.

[102]   Said Nursi, Sikkei Tasdiki Gaybî, Sekizinci Lema, a.g.e, c. II, s. 2083.

[103]    التعاليم الدينية والأخلاقية الكاثوليكية، فصل. 778.

[104]    التعاليم الدينية والأخلاقية الكاثوليكية، فصل. 846.

[105]    التعاليم الدينية والأخلاقية الكاثوليكية، فصل. 866.

[106]    التعاليم الدينية والأخلاقية الكاثوليكية، فصل. 831.

[107]    التعاليم الدينية والأخلاقية الكاثوليكية، فصل. 7782.

[108]    التعاليم الدينية والأخلاقية الكاثوليكية، فصل. 846.

[109]   Emirdağ Lâhikası (1) Mektup No: 71, a.g.e, c. II, s.1725

[110]   Emirdağ Lâhikası (1) Mektup No: 71, a.g.e, c. II, s.1725

[111]  Lâhikası Mektup No: 121, a.g.e, c. II, s. 1644.

[112]  Kamil YILMAZ, Altınoluk Mecmuası, Aralık 1995.

[113]  Sikkei Tasdiki Gaybî, a.g.e, c. II, s.2102

[114]  Hasan Kamil YILMAZ, “Ricâl’ulGayb”, Altınoluk Mecmuası, Aralık1995.

[115]  Lâhikası Mektup No: 121, a.g.e, c. II, s. 1644.

[116]  Şemseddin Sami, Kamusi Türkî, İstanbul 1317 tarihli nüshadan ofset baskı, İstanbul, 1999.

[117]  Sikkei Tasdiki Gaybî, a.g.e, c. II, s. 2102.

[118]  Tarihçei Hayat, İlk Hayatı, a.g.e, c. II, s. 2129.

[119]  Sikkei Tasdiki Gaybî, a.g.e, c. II, s. 2101–2102. Yazı sadeleştirilmiştir,

[120]    Sikkei Tasdiki Gaybî, a.g.e, c. II, s.21022103.

[121]    Sikkei Tasdiki Gaybî, a.g.e, c. II, s.2102

[122]  Sikkei Tasdiki Gaybî, Said Nursî’nin kitaplarından birinin adıdır.

[123]  Emirdağ Lâhikası (1), Mektup No: 71, a.g.e, c. II, s. 1725.

[124]  Mehmet DEMİRCİ, “Hakikati Muhammediye”, DİA, c. XV, s. 179180.

[125]  Şiirin tamamı için bkz. Sikkei TasdikiGaybî, a.g.e, c. II, s.2102–2103.

[126]  Hasan Kâmil YILMAZ, “İnsânı Kâmil, Altınoluk Mecmuası”, Temmuz 1996, sayı: 125, s. 31.

[127]  Said Nursî, İşârât, a.g.e, c. II, s. 2340.

[128]  Bakınız, Tevrat, Yaradılış, Bap 646.

[129]  Emirdağ Lâhikası (1), Sıra No: 72, a.g.e, c. II, s.1725 vd.

[130]  Tarihçei Hayat, Barla Hayatı, s.2144

[131]   Şuâlar, On Dördüncü Şuâ, a.g.e, c. II, s.1064.

[132]   Sikkei Tasdiki Gaybî, a.g.e, c. II, s. 2061

[133]   Bkz. Kastamonu Lahikası, Yirmi Yedinci Mek, a.g.e, c. II, s. 1601.

[134]  Sikkei Tasdiki Gaybî, a.g.e, c. II, s. 2102

[135]   Emirdağ Lâhikası (1 Mektup No: 81), a.g.e, c. II, , s. 1733.

[136]   Emirdağ Lâhikası (1), Mektup No: 81, a.g.e, c. II, s.1733.

[137]  Emirdağ Lâhikası (1), Mektup No: 81,a.g.e, c. II, s.1733.

[138]  Şualar, On Dördüncü Şuâ, a.g.e, c. I, s.1111.

[139]  Kastamonu Lahikası, a.g.e, c. II, s. 1651,

[140]    Şualar, Birinci Şua, Dördüncü Ayet, a.g.e, c. I, s. 847.

[141]    Sikkei Tasdiki Gaybî, a.g.e, c. II, s. 2061.

[142]    Sikkei Tasdiki Gaybî, a.g.e, c. II, s. 2061.

[143]    Şuâlar, Yedinci Şuâ, a.g.e, c. I, s. 895.

[144]    Şuâlar, Yedinci Şuâ, a.g.e, c. I, s. 895.

[145]    Şuâlar, On Beşinci Şuâ, a.g.e, c. I, s.1116

[146]    Şuâlar, On Beşinci Şuâ, a.g.e, c. I, s. 1116.

[147]  Emirdağ Lahikası, Yirmi Yedinci Mektup, a.g.e, c. II, s. 1723.

[148]  Kastamonu Lahikası, Yirmi Yedinci Mektup, a.g.e, c. II, s. 1608,

[149]    التعاليم الدينية والأخلاقية الكاثوليكية، فصل. 771.

[150]    التعاليم الدينية والأخلاقية الكاثوليكية، فصل. 775.

[151]  Şinasi Gündüz, Mahmut Aydın, Misyonerlik, İstanbul 2002, s. 18. Süleymaniye Vakfı Yayınları Kur’ân Işığında Serisi 2

[152]   رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس  ،9 /19 – 23.

[153]    الأقلمة هي مصطلح يستخدم في المسيحية ، خاصة في الكنيسة الكاثوليكية الرومانية ، في الإشارة الى الكيفية التي يتم بها تقديم تعاليم الكنيسة للثقافات الأخرى من غير المسيحيين.

[154]    التعاليم الدينية والأخلاقية الكاثوليكية، فصل. 854-856.

[155]    Kastamonu Lahikası, Yirmi Yedinci Mektup, a.g.e, c. II, s. 1667.

[156]    Tarihçei Hayat, Isparta Hayatı, a.g.e, c. II, s. 2204.

[157]    Emirdağ Lâhikası (1), Mektup No: 24, a.g.e, c. II, s.1695.

[158]    Emirdağ Lâhikası, a.g.e, c. II, s. 1769.

أضف تعليقا

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.