حبل الله
علماء الفتنة والراسخون في العلم

علماء الفتنة والراسخون في العلم

أولاً: علماء الفتنة

ذكر الله تعالى علماء الفتنة والراسخين في الآية السابعة من سورة آل عمران بقوله تعالى {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} (آل عمران، 7)

وقد تحدثت الآية أولا عن علماء الفتنة؛ وقد وصفهم سبحانه بـ{الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} لأنهم لا يهتمون بالروابط الثنائية بين الآيات ولا يردون المتشابه الى المحكم ولا يبحثون عن المناسبات والروابط بين الآيات، وانما يقفون على الآية الواحدة ويفصلونها عن متشابهاتها،  وذلك باتباع آية منفردة فيها تشابه مع بغيتهم: “فَاَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاۤءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاۤءَ تَاْوِيلِهِ”. والغرض هو الفتنة، والتأويل بعيدا عن السياق، ليصلوا في التفسير إلى ما تهواه أنفسهم وما يرتاح له شياطينهم.

ثانيا: الراسخون في العلم

الفريق الثاني الذي تحدثت عنه الآية السابقة هم الراسخون في العلم “وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ: يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا”. أي أنّ الذي أنزل الآيات محكمات ومتشابهات، وأولها بإقامة الروابط بينها هو الله تعالى، وهذا الصنف من العلماء لا يؤولون الآيات حسب هواهم، ولكنهم يحاولون إيجاد الروابط التي وضعها الله تعالى بين تلك الآيات. فهم يعلمون التأويل كما بينه الله في كتابه وأظهر طريقته فيه،قال تعالى {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ. أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (هود،1_2) فالذي أحكم الآيات وفصلها هو الله تعالى، ولم يعط هذا الحق لأحد من خلقه؛ حتى لا يكون غير الله مشرعا ومعبودا؛ وهذا معنى قوله تعالى {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ}.

التأويل،  من الأول، أي: الرجوع إلى الأصل، ومنه: الموئل للموضع الذي يُرجع إليه، فالتأويل رد الشيء إلى الغاية المرادة منه، علما كان أو فعلا. [1] والذي أوّل الآيات وجعل بينهما التشابه وفصلها به وأرانا طريقته في التفصيل هو الله وليس غيره.

الآية 7 من سورة آل عمران والآية 23 من سورة الزمر[2] تشيران إلى أنّ آياتِ القرآن متشابهاتٌ.  وهذا أمر طبيعي؛ لأن الآيات يشرح بعضُها بعضا. فتعلم القرآن كتعلم الأشياء، فالعلماء الراسخون يجمعون الآيات المتشابهات ضمن مجموعات ليصلوا إلى تفسير آي القرآن الكريم. ولا بد من الإشارة هنا إلى وجود مبدأ المثاني في القرآن الكريم، لأن التشابه لا يكون إلا بين شيئين على الأقل. لذلك ورد قوله تعالى: «اَللّٰهُ نَزَّلَ اَحْسَنَ الْحَد۪يثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ» (الزمر، 39/23). وبالتشابه بين الأشياء تتكون الأجناس والأنواع والأصناف وبالبحث فيها تتكون المعارف والعلوم ولا يُوصل إلى الأهداف المنشودة إلا به.

هذه السبيل توصل إلى الحكمة المركوزة في الكتاب، ولا شك أنه لا يوصل إليها إلا بعمل دؤوب وتدبر عميق وقبل ذلك النية الصادقة، قال تعالى {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} (البقرة،  269) .



[1] المفردات، مادة: أول.

[2] الآية قوله تعالى {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} (الزمر، 23)

التعليقات

    • في السنة السادسة من الهجرة أثناء صلح الحديبية نزلت هذه الآية: «وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ…» (سورة البقرة، 2 / 296).هذه الآية المحكمة

      وقد دلّت هذه الآية أن في الحج والعمرة نقصان يجب إتمامه، ولكن الآية لم تبين هذا النقصان. فكان الانتظار لازما حتى ينزل الله تعالى آية يبين فيها هذا النقصان. كما أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: «وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا» (سورة الاسراء، 17 / 106).

      «فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا» (سورة طه، 20 / 114).

      وقد أنزل الله تعالى فيما بعد مبينا النقصان الذي يجب اتمامه قوله: « إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا» (سورة البقرة، 2 / 158). وهذه المتشابهة، حيث نفهم من هذه الآية أن الصفا والمروة من شعائر الله تعالى في عبادة الحج. والسعي بينهما لله وحده وليس للأصنام كما كان يفعل أهل الجاهلية. وقد قال رسول الله صلى الله مبينا هذا المعنى: ما أتم الله تعالى لامرئ حجة ولا عمرة لا يطوف لها بين الصفا والمروة.

      والكلمات الواردة في هذا الحديث مثل لفظ الجلالة الله، وبين الصفا والمروة، والسعي، والحج والعمرة والاتمام، هي الكلمات المشتركة بين الآيتين؛ (وأتموا الحج والعمرة لله) و (إن الصفا والمروة من شعائر الله..). وبالجمع بينهما يفهم قول النبي صلى الله عليه وسلم. وطريقة الجمع هذه تشبه كتابة الرقم 12 وذلك بزيادة إثنين بعد واحد. وهما رقمان منفصلان قبل التركيب لا يفيد كل واحد منهما إلا رقما منفردا ولكن إذا أضفنا الواحد إلى الآخر أفادت عددا معنيا جديدا وهو 12.

      وقول النبي صلى الله عليه وسلم: اسْعَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ؛ هو خلاصة لقوله السابق

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.