حبل الله
الأسباب التي أدت إلى استرقاق الأسرى والاستغلال الجنس للجواري

الأسباب التي أدت إلى استرقاق الأسرى والاستغلال الجنس للجواري

الباب السابع:

الأسباب التي أدت إلى استرقاق الأسرى والاستغلال الجنس للجواري

(الحجة هو القرآن والسنة فقط)

لا نحتج إلا بالقرآن والسنة

نحن المسلمون، لا ننظر في تقييم نضالنا من أجل الحرية والاستقلال إلى من يحاول أن يغرق المناضلين من أجل الحرية والاستقلال بالدماء، وقام بقتل الملايين الأبرياء في القرن العشرين، في الحربين العالمتين الأولى والثانية…

ولا إلى من انتهك أعراض الملايين من النساء أثناء الحرب وبعدها؛ وفي يومنا المعاصر يمعن باحتلال البلدان، ويظلم ويضطهد الملايين في المعتقلات والسجون كسجن أبو غريب وغوانتنامو، ولا يزال يستحل تجتارة النساء والأطفال تحت أسماء مختلفة. ولم ننس ماضيهم البربري القائم على إفناء شعوب كاملة لتطيب لهم الحياة على أرضه، ولن ننخدع بما يستعرضونه من رعاية لحقوق الإنسان…

بل نقوم بتقييم أنفسنا حسب المبادئ الإسلامية التي هي التعاليم المتكاملة لشؤون حياتنا الدنيوية والأخروية. لأنه لا حجة لنا ولا علينا إلا القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.

ولكن كيف نفهم التطبيقات النبوية الشريفة التي نرى أنّ ظاهرها يتعارض مع القرآن الكريم؟

إن ما ظاهره يتعارض مع القرآن الكريم من التطبيقات النبوية الشريفة هو مما قام القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة بإلغائه أو بتعديله.

لا يمكن الكلام عن وجود التطبيقات التي تتعارض مع القرآن الكريم في عصر السعادة (صدر الإسلام). وما يزعم البعض أنه متعارض مع القرآن الكريم يظهر بعد الدراسة الدقيقة أنه مما تم إلغاؤه أو تعديله وتصحيحه. هي التطبقات المتعلقة بالعبيد الذين بقوا على عبوديتهم من العهد الجاهلي، وقد استغرق عتقهم فترة من الزمن لأسباب ذكرناها سابقا في الأبواب المتعلقة بالمسألة. كما أن تلك التطبيقات ليست مرتبطة بمن وقع أسيرا في العهد الإسلامي، وهي أي مسألة الأسر ظاهرة مستمرة حتى تقوم الساعة. وسنقف عليها في الصفحة التالية ضمن موضوعنا الأساسي، كالمسائل المستجدات التي قام القرآن والسنة النبوية الشريفة بإلغائها أو تعديلها.

الأمثلة:

وقبل العهد الإسلامي كان الناس يؤسرون بالحروب المشروعة وغير المشروعة، ويسترق من لم يستطيع دفع الفدية، وقد جاء الإسلام بنظام الجديد في الأسر وهو أن الأسير يطلق سراحه مقابل الفدية أو بدونها منا له، ويحرم استرقاق الأسرى.[1]

وقد حصر الإسلام الأسر في الحروب المشروعة. فلا يجوز إعلان حرب من أجل الحصول على الأسرى.[2]

 في بداية الأمر كان الجواري يستمتع منهن مطلقا، ثم حُرم ذلك إلا أن يكون بعقد النكاح الصحيح بشرط كونهن عفيفات وبالإذن والمهر.[3]

وفي العهد الجاهلي، كان النساء اللوائي وقعن أسيرات يُستمتع بهن مطلقا، فلما جاء الإسلام اشترط النكاح مع توافر جميع الشروط بعد أن تنقضي عدتها بالحيض أو الوضع إذا كانت حاملا. وقد نهى القرآن الكريم عن نكاح الحامل التي طلقت أو دخلت ضمن المطلقة بالسبي حتى تنتهي عدتها أو تضع حملها.[4]

وفي بداية العهد المدني كانت الحرائر والجواري يلبسن ألبسة مختلفة لم يكن لها ضوابط معينة حتى داخل المسجد النبوي، ثم قام الإسلام بوضع الضوابط في لباسهن.[5]

كان في الجاهلية يعتبر نقل حق التصرف على الجارية طلاقا لها، فجاء الإسلام بنظام الأسرى وألغى ذلك الحكم الجاهلي.

 وجاء الإسلام بحكم جديد وهو أنه إذا ماتت معتقة ولم يكن لها وارث يرثها من أعتقها.[6]

وكان من العادات الجاهلية، تنكح الحرة على الأمة والأمة على الحرة فألغاها الإسلام.[7]

وكان في الجاهلية يتزوج الابن من زوجة أبيه حرة كانت أم أمة، وكذلك كان يجمع بين الأختين تحت نكاح واحد، فجاء الإسلام وحرم ذلك.[8]

وكل ما ذكرناه آنفا هو أمثلة لما ألغاه القرآن الكريم من التطبيقات الجاهلية، وجاء مكانها بأحكام جديدة.

ونود أن نذكر هنا للقارئ أن الثورة التشريعية المتعلقة بالعبيد قد تمت في السنوات الأخيرة من الهجرة، وقد اكتفي في بداية الأمر بالمبادئ الأساسية التي تفتح أبوابا لتحرير الرقبة؛ ذلك أن السور التي شملت الآيات المتعلقة بالمسألة مثل سورة البقرة والنساء والنور والأحزاب قد نزلت ما بين السنوات الخامسة والسابعة، حتى أن بعض الآيات منها مثل الآية 24 من سورة النساء قد نزلت في السنة الثامنة الهجرية في غزوة حنين. لذا كان الفقهاء يرون ضرورة الاجتهاد معتمدين على ظاهر ألفاظ الآيات أكثر من الأحداث الواقعية المتعلقة بها. خلافا لمقتضيات الدين الشمول العالمي. والله أعلم بالصواب.

ونستمع إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو قدوة لنا… عن أبي عثمان، عن سلمان قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السمن والجبن والفراء، فقال: الحلال ما أحل الله في كتابه، والحرام ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه. وقال صلى الله عليه وسلم: إذا روي لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فإن وافقه فاقبلوه وإلا فردوه.[9]

متى بدأ استرقاق الأسرى والاستغلال الجنسي للجواري؟

نقدم هنا جوابا موجزا لهذا السؤال لأننا قد أجبناه مفصلا سابقا. وقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم نظام الأسرى الذي بين الله تعالى في الآية الرابعة من سورة محمد؛ وهو نظام جاء به الإسلام بديلا لنظام الاسترقاق. لذا لم يُسترق أحدٌ من أسرى بدر وبني المصطلق وحنين وفتح مكة. وقد تم اطلاق سراح معظم الأسرى بدون الفدية منا لهم. ولم يؤسر أحد من بني النضير وبني قينقاع الذين تم إجلاهم. ولم يسترق أحد من أسرى بني قريظة الذين حوكموا وفقا للتوراة.

وهكذا بدأ تكوين المجتمع الجديد الخالي من العبودية، في ظل النظام القرآني وضعت القوانين التي تشمل العبيد الذين انتقلوا من العهد الجاهلي إلى العهد الإسلامي. وكان الصحابة رضي الله عنهم الجيل الأول الذي تربى على يدي النبي صلى الله عليه وسلم، وتقدموا في ظل القرآن الكريم وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم يأذنوا بالإستعباد؛ ففي عهد أبي بكر وعمر تم اطلاق سراح أسرى البلدان التي تم فتحها مثل  سورية ومصر وإيران والعراق وتونس مقابل الفدية أو بدونها منا لهم أو ابقوا في أراضيهم مقابل خراج يؤدونه سنويا على الرغم من التأثيرات السلبية القادمة من المحيط حيث جعل الفرس والروم الاسترقاق شيئا طبيعيا. ولكن بدأ الانحراف عن سواء السبيل بعهد الأمويين. ولم يلتفتوا إلى توجيهات رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحذيره من إعادة الممارسات الجاهلية كما أدلى بذلك في خطبة حجة الوداع. فأصبحت الخلافة تنتقل من الأب إلى الابن؛ تقليدا لنظام كسرى وقيصر وانخلاعا من الوحي الذي أمر بأن يكون الأمر شورى بينهم. وعاد نظام استرقاق الأسرى من العهد الجاهلي، واستمر النكوص على العقبين لدرجة استغلال الأسرى للمتعة الجنسية بدون النكاح. والمؤسف أن هذه العادات الجاهلية أصبحت تطبق باسم الإسلام وبالأدلة المزعومة التي يتوهم أنها من القرآن والسنة النبوية. وهنا نود أن نترك الحديث إلى أحد الباحثين، حيث يقول:

ومن العهد الأموي بدأ الأسرى الذين استرقوا يساقون في جماعات حاشدة إلى أسواق الرق للبيع. وقد تم تأسيس أسواق الرق في المناطق السكنية. وبسبب كثرة الرقيق في الأسواق انخفض ثمنهم وأصبحت الأسر متوسطة الدخل تستطيع شراء العبيد واستخدامهم في الخدمات العائلية. وتزايد عدد العبيد يوما بعد يوم، بدلا من أن ينشأ مجتمع خالٍ من العبودية كما كان في العهد النبوي والخلفاء الراشدين.

وأخذت العبودية تشكل تدريجيا العنصر الأساسي في القطاعات الصناعية والخدمات، وقد خدمت عقلية الأمويين المشوهة أندادهم من العباسيين الذين أخذوا الخلافة منهم جبرا، حيث أبقوا الأبواب مشرعة أمام الإستعباد. فأصبحت العبودية حالة طبيعية في المجتمع الإسلامي، وانتشرت بمرور الأيام.

وقد ظهر الأئمة المجتهدون في هذه الحقبة من الزمان؛ الحقبة التي أصبحت طائفة العبيد تشكل العمود الفقري في بنيان المجتمع ولا يستغني عنهم أحد. وقد نشأت عقول القوم ونضجت أفكارهم في مجتمع العبودية. فلا ندري هل كان عندهم التوق لتأسيس مجتمع خالٍ من العبودية أم لا؟ حتى لو كان عندهم هذا التوق لم يستطيعوا فعل أي شيئ لتحقيق توقهم هذا لأن الرأي العام آنذاك قد أصبح لا يقبل مجتمعا خاليا من العبودية.

ومن أجل ذلك لم تكن نظرية حقوق العبيد إلا ما يمكن وصفه بالتدابير التضميدية المؤقتة التي تبين واجباتهم وحقوقهم اليومية. الأحكام المتعلقة بالعبيد في الفقه كانت تتأثر بعدد العبيد وحالتهم في الحياة الإجتماعية ومدى الحاجة إليهم. وعلى سبيل المثال تجد الأحكام المتعلقة بالعبيد قد أخذت حيزا في الكثير من الكتب الفقهية؛ حيث تجد فيها كل ما يتعلق بما يقوم به العبد من الخدمات على التفصيل من التنظيف والعبادات والمعاملات والجنايات.[10]

وقد انتقلت العبودية إلى العهد السلجوقي والعثماني واستمرت ولكن بشكل أكثر مرونة. ولم يكن استرقاق في عهد السلطان عثمان غازي والسلطان أورهان غازي، كما لم يكن استغلال جنسي للجواري حتى جاء عهد الفتوحات العثمانية، حيث بدأ الاسترقاق والاستغلال الجنسي للجواري من جديد.

وما يؤسف حقا وجود كثير من الفقهاء التقليديين المعاصرين الذين يقبلون مفهوم العبودية في الفقه التقليدي كما هو، بدون عرضه على الكتاب والسنة، والأدهى من ذلك دفاعهم عنه.[11]

أسباب الاسترقاق والاستغلال الجنسي للجواري

أولا نقول إن الأسباب الأساسية لاسترقاق الأسرى والاستغلال الجنسي للجواري، هي الانحراف والابتعاد عن الدين الذي بلغه جميع الأنبياء. ولنا أن نطرح سؤالا: كيف تم استرقاق الأسرى واستغلت الجواري جنسيا بالرغم من وجود الحقائق القرآنية والسنية التي بيناها في كتابنا هذا؟

نعلم أن انتشار الخمر والميسر والزنا والربا في المجتمعات الإسلامية في العصر الذي نعيش فيه تحت القوانين العلمانية لا يدل على مشروعيتها؛ كذلك ما ارتكبه المسلمون بحق الجواري والعبيد عبر تاريخهم لا يدل على قبول الشريعة الإسلامية له.

وفي هذا السياق نود أن نقدم بعض الأمثلة:

ذكر ربنا عز وجل في كتابه بخصوص الحكم؛ الإمامة والعدالة والكفاءة والشورى.[12] وعاش النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم في ظل هذه الآيات وأمر من آمن به أن يعيشوا كما عاش هو. ولم يوص أحدا أن يكون خلفة من بعده ولم يعطها لشخص أو قبيلة أو عشيرة معينة، بل ترك مسألة الخلافة لشورى المسلمين. لأن الله لم يؤتها لأحد فهو لا يستطيع أن يؤتي أحدا  ما لم يؤته الله تعالى.[13]

وقد أفدى آلاف من الصحابة والتابعين أنفسهم في سبيل تأسيس النظام الذي يقوم فيه المسلمون بإختيار من يحكمهم وإلغاء النظام الذي يورث الحكم فيه من الأب إلى الابن.

وكان الأمر كذلك حتى العهد الأموي فبدأ فيه النظام الذي ينتقل فيه الحكم من الأب إلى الإبن، ذلك النظام الذي استمد مشروعيته بحد السيف. فهل يمكن أن نقبل هذا النظام ونعتبره مشروعا بحجة أنه كان مطبقا عبر التاريخ الإسلامي؟

ورأينا من الجدير أن نذكر مثالين في الهامش، حتى لا يطول الكلام هنا فيمتنع وصول الرسالة إلى القراء.[14]

وبعد هذه الأمثلة ننتقل إلى الموضوع الأساسي

اطلاق سراح من وقع أسيرا في حروب الردة وفي فتح بلاد الشام في عهد أبي بكر رضي الله عنه من ناحية،[15] ومن ناحية أخرى ما فعله عمر رضي الله عنه من أطلاق سراح الأسرى في مصر وإيران والعراق ونهيهه عن استرقاق الأسرى بوجه العام والأسرى العرب على وجه الخاص بالرغم من وجود المخالفين فيه. كما كان من تطبيقات عثمان رضي الله عنه الذي اتبع سياسة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، نهيهه عن استرقاق أصحاب الحرف والفلاحيين.[16] وبعبارة أخرى فإن الأسرى الجدد الذين انضموا إلى من انتقل من العهد الجاهلي من العبيد قد عرف تحت اسم المواطنين الأحرار من أهل البلاد التي تم فتحها، وأبقوا على أراضيهم مقابل خراج. وهذا إن دل على شي فإنما يدل على المجتمع الخالي من العبيد الذي استمر حتى عهد عمر بن عبد العزيز.

ومن ناحية أخرى كيف نفهم ونشرح استرقاق الأسرى والاستغلال الجنسي للجواري عبر التاريخ الإسلامي؟ نشير أولا إلى ما بيناه سابقا من أن ما كان مطبقا عبر التاريخ وفقا لآراء الكثير الفقهاء عبر التاريخ لا يدل على كونه ظاهرة شرعية. ونرى أن الأسباب الأساسية في استرقاق الأسرى ومن ثم الاستغلال الجنسي للجواري كانت على النحو التالي:

الدخول في حروب لا تعتمد مشروعيتها على القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.

لا تعتبر الشريعة الإسلامية الحرب مشروعة إلا أن تكون ضد الظلم وصد الأعداء وتمهيد الطريق لتبليغ الإسلام أو من يقف عائقا في طريقه. ولكن قد تغير الحال فكانت تعلن الحرب لأهداف سياسية واقتصادية غير مشروعة في الإسلام. فاشتراك تجار الرق في الحرب وشراء الأسرى أثناء الحرب أو بعد إنتهائها وهو دليل واضح على ما تهدفه الحرب من المصالح الدنيوية المحضة.

الأسر قبل الحسم

بما أن الحرب كانت تشنّ لأهداف سياسية وإقتصادية فقد كان الحصول على الأسرى وكسب الغنائم غاية ترتجى، وهو مما يحول دون قطع دابر العدو وتدمير مواقعه الحيوية. وذلك بالرغم من أن الله تعالى حرم على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يكون له أسرى بهذا الهدف.

لو كانت الحرب لا تشنّ لأهداف سياسية وإقتصادية بل لأسباب مشروعة؛ لترتب على ذلك محدودية أعداد الأسرى، والتالي لا يكون هناك مشكلة اجتماعية، ويتحقق الهدف الأصلي من الأسر وهو منع نشوب الحرب من جديد والقيام بتبادل الأسرى كما بينا ذلك سابقا. وبهذا يظهر الفرق بين ما كان من الحرب لمرضاة الله تعالى وإعلاء كلمته وما كان منه من أجل مصالح دنيوية. ولو أن الفقهاء المجتهدين قاموا بتوجيه الدولة الإسلامية لإطلاق سراح الأسرى مقابل فدية أو بدونها منا لهم، مثلما كان في العهد النبوبي والخلفاء الراشدين وكما فعل صلاح الدين الأيوبي والسلطان عثمان غازي والسلطان أورهان غازي من السلاطين العثمانيين في العصور الأولى للدولة العثمانية، ما بقي الحاجة إلى استرقاق الأسرى والاستغلال الجنسي للجواري.

رغبة المجاهدين في الحصول على الفدية من الأسرى فورا كان عائقا في تفعيل الحوافز الداخلية لديهم

رعاية آلاف الأسرى وإنشاء بيئة صحية وآمنة لتشغيلهم وتوفير الحاجات الضرورية لهم من الطعام والشراب والمسكن، ومشكلة منع الفوضى المحتملة من ناحية؛ ومن ناحية أخرى، رغبة المجاهدين في الحصول على الفدية بأسرع ما يمكن أدى إلى استرقاق الأسرى. لأنه لم يتوفر ما يتيح الفرص لعتقهم مثل أداء الزكاة وعقد الكتابة معهم وكذلك عتقهم مقابل العقوبات والكفارات.

ونفس الأسباب التي أدت إلى استرقاق الأسرى أدت إلى تشكيل أسواق الرق، فأصبح بيع الإنسان وشراؤه صناعة، ووصلت إلى درجة تعيين الدولة من يجني الضرائب من تجار الرق، كما كان في الدولة العثمانية.

إعمال المعاملة بالمثل كقاعدة لاسترقاق الأسرى

وقد كان المبرر في استرقاق الأسرى والاستغلال الجنسي للجواري هو استرقاق العدو الأسرى المسلمين. ومن المعلوم أن التصدي والرد على الاعتداء هو باب المعاملة بالمثل. وهو مبدأ قد أقره القرآن الكريم. ولكن هذا المبدأ لا يجعل ما يخالف الإسلام مشروعا كتعذيب الأسرى وقتلهم واسترقاقهم والإعتداء على أعراض الأسيرات.

وما ذكرنا أعلاه تحت البنود الأربعة لم يكن بقصد بها مخالفة الإسلام. بل كان نتيجة للمفاهيم الخاطئة للمبادئ الإسلامية السمحة. ونعود الآن لبيان الأسباب…

التفريق بين من انتقل من العهد الجاهلي من العبيد وبين الأسرى في العهد الإسلامي

كان في المجتمع المكي والمدني الذي نزل فيهم القرآن الكريم الأحرار والموالي والأسرى والعبيد والجواري اللوائي تم استرقاقهن.

وقد وضع القرآن الكريم في الأسرى من السنة الثانية الهجرية إلى السنة الثامنة الهجرية مبدأ بموجبه يطلق الأسرى مقابل فدية أو بدونها منا لهم، كما حث على عتق من انتقل من العهد الجاهلي من العبيد والجواري حكمهم في ذلك حكم الأسرى. ولكن لم يتم عتقهم كليا لأسباب قد ذكرناها سابقا في الأبواب المتعلقة. بيد أن ما يتعلق بمن انتقل من العهد الجاهلي من العبيد والإماء إلى العهد الإسلامي من التطبيقات نفذ على الأسرى واسترقوا عمدا أو خطأ. بالرغم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسترق احدا من الأسرى ولم يأذن باسترقاق أحد. وكان المسلمون يرفقون بمن في أيديهم من العبيد لذا لم يصدر منهم العصيان على مواليهم.

وعدم التفريق بين الأسرى والعبيد وبعبارة أخرى تجاهل حقيقة أمر الله تعالى بإطلاق سراح الأسرى مقابل فدية أو بدونها منا لهم وليس ثمة طريق ثالث في حق الأسرى

كان في العهد الجاهلي يسترق الأسرى حين يعجزون عن دفع الفدية. وجاء الإسلام فجعل الأسر مشروعا مع توافر الشروط، ولكن لم يأذن بإسترقاقهم. وقد وضع حاجزا بين العبودية والأسر. ومع وجود فرق شاسع بينهما اعتبر نقل حق الفدية استرقاقا وطبق على هذا الأساس. ونود أن نذكر هنا للقراء أن كل عبد أسير وليس العكس.

وقد فسرت الكلمات مثل الرقبة وما ملكت الأيمان والعبد والأمة بمعنى الرق أي العبودية المؤبدة مع أنه لا يوجد في القرآن الكريم كلمة تعني ذلك.

نجد في القرآن الكريم كلمات ومصطلحات متقاربة المعاني ولكنها ليست تعني نفس المعنى. وعلى هذا فإن الكلمات والمصطلحات الواردة في القرآن الكريم مثل الرقبة وما ملكت الأيمان والعبد والأمة فُهم منها خطأ وعلى حد سواء الرق أي العبودية المؤبدة. وبعبارة أوضح، فإن الفقه التقليدي لم يفصل بين الرق والأسر لأنه بمجرد الأسر يتحقق الاسترقاق. وقد سبق أن بينا معاني هذه الكلمات والمصطلحات في الأبواب المعتلقة.

عدم مراعاة القواعد اللغوية في شرح الكلمات والأدوات الواردة في الآيات المتعلقة بالموضوع وتأويلها وفقا للأهواء

لم ينتبه العلماء إلى المعاني الظاهرة للكلمات والأدوات التي وردت في الآيات المتعلقة بالموضوع مثل الآيات في سورة البقرة، المؤمنون، 23 / 5-6؛ والبقرة، 2 / 177، 178، 221؛ وسورة النساء، 4 / 3، 24، 25، 36؛ وسورة التوبة،  9 / 60؛ وسورة النور، 24 / 32، 33، 58؛ وسورة الأحزاب، 33 / 50 وغيرها من الآيات وعدم معرفة المناسبات بينها وتأويلها بعيدا عن قواعد التأويل. وبالرغم من وجود فروق بين العلماء في الإجتهاد إلا أن جميع اجتهاداتهم بهذا الخصوص كانت تخدم الهياكل المقررة في المجتمع والكوادر المهيمنة عليها. كما كان التطبيق على ما هو مقبول وليس على ما هو صحيح.

التجاهل بأن الإنسان أكرم المخلوقات خلقه الله تعالى في حسن تقويم وأمره أن يعبد الله وحده بمحض إرادته الحرة، وإهمال المقاصد الشرعية وعدم أخذ الكتاب مع السنة النبوية الشريفة.

وقد جعل الأمويون انتقال الخلافة من الأب إلى الابن مشروعا بالرغم من اعتراض الصحابة حتى بذلوا في ذلك أرواحهم، وكذلك العباسيون من بعدهم، قد جعلوا استرقاق الأسرى مصدرا من المصادر الإقتصادية، على علم أنه مخالف للشريعة الإسلامية ومبادئه السمحة.

فنسوا أن الإنسان خلق لعبادة الله وحده ونبذ عبادة غيره من الطاغوت. كما أُهملت المقاصد السامية التي يهدفها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ولم يُلتفت إليها.

ومن يدرس الآيات التي قدمناها في هذا الكتاب والأحاديث التي نقلناها عن النبي صلى الله عليه وسلم وتطبيقاته حتى ولو بدراسة ظاهرية بسيطة يعرف بوضوح أن الإسلام يهدف إلى إنهاء العبودية والاستغلال الجنسي للجواري. وخاصة أن الإسلام أخذ طريق التدرج في محو العادات الجاهلية، وينهى عن التأويلات التي تكون ذريعة إلى تحقيق الأهداف الدنيوية، كما سنفصل ذلك بالأمثلة…

وحين جاء الإسلام حرم بعض الأمور تحريما باتا ومباشرا مثل الزنا والربا؛ لأنه يمكن إنهائهما بالمرة. وذهب في بعض الأمور إلى التدرج مثل إنهاء العبودية لأنها كانت ظاهرة اجتماعية واقتصادية وإنهاؤها بالمرة يؤدي إلى الإرباك، فلا بد من مرور فترة للتخلص من الرواسب الجاهلية. وبدلا من التوصل إلى الحالة التي تنتهي فيها العبودية كما هدف لذلك الإسلام إلا أن العبودية والاستغلال الجنسي للجواري استمر على مدى 14 قرنا مضت، سواء كان في الساحة الفكرية أو التطبيقية. وفي الحقيقة فإن فقهاء الإسلام في عهد الدولة العثمانية والعهد المعاصر لم يستطيعوا إنهاء العبودية بل ما طفقوا يرددون عبارات السابقين.

بناء الهيكل الاجتماعي الذي يعتمد على الاجتهادات المخالفة للمبادئ الإسلامية عمدا أو بدون قصد، وظهر بضغوط بطانة الحكام العباسيين ذوي التوجهات الكسراوية وكذلك خروج العلماء من أن يكون دعاة إلى الله تعالى يبتغون مرضاته ويتحملون المسؤولية الأخروية.

وهو من الأسباب التي أدت إلى استرقاق الأسرى والاستغلال الجنسي للجواري. ولا شك أنها لا زالت في أذهان بعض المسلمين كما كان عبر التاريخ الإسلامي الطويل. وعلى سبيل المثال فإنّ البعض من علماء الإسلام يقبل النظام العلماني الغاشم حين يتعذر له قبول ما جاء به الإسلام من عقوبة القتل (القصاص) وعقوبة السرقة (قطع اليد) وما جاء في الميراث. أليس هذا محاولة منه لجعل النظام الحاكم الذي يعده بالمستقبل الزاهر مشروعا بقطع النظر عن عدم موافقته مع الشريعة الإسلامية السمحة؟ والله أعلم بالصواب وله الحمد في الأولى والآخرة.

الأسباب الأساسية في العبودية المعنوية المعاصرة

 وأحد أهداف هذه الدراسة فيما يتعلق بحاضرنا هو: الإعلان للبشرية أن الإسلام يرفض العبودية المعنوية المعاصرة كما يرفض العبودية التقليدية. وإليك الآن تفصيل ذلك… ونشير أولا إلى أن الأسباب في العبودية المعنوية المعاصرة هي نفسها في العبودية التقليدية التي قلنا إنها الانحراف عن الإسلام ولا خلاص منها إلا بالعودة إلى الإسلام من جديد.

لا ننكر أن تخلص البشرية من العبودية التقليدية ولو بالظاهر هو نجاح وتطور. ولكن الهيكل الذي أنشأ العبودية التقليدية والذي لا يعترف بشريعة الله تعالى لا يزال موجودا وبالتالي فإن العبودية والاستغلال الجنسي للجواري لا يزالان موجودان في أبعاد مختلفة أخذت شكل العبودية المعنوية المعاصرة التي هي أشد ظلما واسغلالا نظرا للأعداد الهائلة التي ترزح تحت هذا النوع من العبودية، والتي لا تقدر بالملايين بل بالمليارات.[17]

وقد خلق الله تعالى جميع ما في السموات والأرض للإنسان. وخلق الإنسان ليعبده وحده. وبعبارة أخرى أن الله تعالى خلق الإنسان ليدين لله وحده ويعيش في ظل دينه الإسلام، ومن أجل ذلك أرسل رسلا يرشدونه ويهدونه إلى الطريق المستقيم ويخرجونه من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد. ليفوز بالحياة الأبدية. أما من أبى فقد أعد الله له نار جهنم يخلد فيه مهانا.

ودين الإسلام الذي هو تبليغ جميع الأنبياء عامة وتبليغ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خاصة؛ هو مجموعة القواعد التي ترمز لسيادة الله تعالى على الكون.

فقد أعلن الله عز وجل على عباده الذين خلقهم واعطاهم الإرادة والحرية أنه هو الملك المطلق على هذا الكون قائلا: «إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ» (سورة الأعراف، 7 / 54). وقال تعالى: «… إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ» (سورة يوسف، 12 / 40). وقال تعالى: « أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ» (سورة التين، 95 / 8).

المسلم هو من آمن بالله وصفاته واستسلم لقضائه وانقاد لأوامره واجتنب نواهيه؛ لأنه تعالى الحاكم المطلق. ومع ذلك فالناس مخيرون بالإيمان به على هذا الشكل. وقد أمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بين الناس بما أنزل من الأحكام العالمية، وترك صلى الله عليه وسلم الحكم من بعده للمسلمين ليختاروا من يحكم عليهم بالعدالة والكفاءة والشورى.[18]

دين الإسلام الذي يعكس سيادة الله على العالمين هو بمبادئه الثابتة منهج متكامل للحياة يسعى لإسعاد البشرية في الدارين ويجادل ضد العبودية لغير الله تعالى. وإليك الموجز لتلك المبادئ الثابتة:

سيادة الله فوق كل سيادة فردية واجتماعية. جميع الناس سواء في الحقوق بدون أي تفريق في اللون واللسان. والتفوق في الإيمان فقط، قال الله تعالى: «إن أكرمكم عند الله أتقاكم». ولا يجوز تحديد الحرية لشخص إلا أن ينتهك حرمات الله بشكل بين وأن يكون الإعتداء على حقوق الآخرين. حرمة النفس والمال والعرض وحرية التعبير والدين وتأسيس الجمعيات والتعليم وحق الترشيح والترشح كلها قيم أمر الله تعالى بحفظها فلا يجوز انتهاكها والخروج عليها، ولا نقلها من شخص لآخر.

العدل والكفاءة في التوظيف والشورى هي القواعد الأساسية في الحكم. وعلى كل أفراد المجتمع الاشتراك في النشاطات القولية والكتابية والفعلية لدفع المساوئ وجلب المصالح. والظلم والاضطهاد على المخلوقات من الإنسان والحيوان حرام. وكذلك الاضرار على البيئة.

وعلى كل فرد اتباع ما سنه الله تعالى من القوانين وما يتعلق بها من المبادئ العقلية. والوفاء بالعهود والاتفاقيات واجب. والعقوبات على شخص من ارتكب الجريمة. والقصاص هو العقاب بالمثل وهو مبدأ قائم. والسلم هو الأساس. ومصدر الحياة الاجتماعية ودوام النسل هو نظام الأسرة الذي يقوم على أساس عقد النكاح. والميراث حق. والقتل والقذف بالزنا، والسرقة والخروج على الحكم المشروع جريمة يعاقب من يرتكبها. وهذه الحرمات الإلهية وغيرها من الحرمات مثل الضغوطات الدينية والخمر والميسر والربا والرشوة والظلم والكذب والافتراء لا يمكن أن تصبح مشروعة بأي شكل من الأشكال. والقيام بالعدل لكل من ليس بمعتد من الواجبات القانونية والأخلاقية.

فالغاية من الحياة هو الفوز بسعادة الدار الأبدية بإمتثال تلك الأوامر الأساسية وبإقامةالعبادات مثل الصلاة والصيام والزكاة والحج بالوعي العبودي الكامل.[19]

ويجب أن يكون الإيمان في الإسلام في هذا الاطار الذي لا يقبل التغيير، ويتحتم القبول كمبدأ أساسي أنه لا سيادة لأحد على أحد إلا بما شرعه الله تعالى من المبادئ والتعاليم التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما ما بقي خارج ذلك الإطار الثابت فالعقل والعلم والاتفاقات التي نتجت عن الشورى هي السلطات المعنية التي تقوم بتحديدها.

لا تنبغي السيادة المطلقة لأي إنسان في المجتمع الإسلامي الذي تكون فيه السلطة للوحي والعقل والهياكل الاجتماعية التي تمثل العقائد والسلطات المشروعة لأكثرية أفراد المجتمع. ولا يجوز استغلال الآخرين ظلما لتحقيق المصالح الشخصية. ولكن الذي ينظر إلى السيادة المشروعة المحدودة للإنسان أنها سيادة مطلقة مثلما هو الحال في الديمقراطية، فإنه يضع الإنسان مكان الله تعالى وفي مركز الحياة الإجتماعية فيُؤله البعض ويُسترق الآخرون. وخلاصة الكلام فإن العبودية ظاهرة خارجة عن الإسلام.

وفي عصرنا هذا فإن السياسيين الذين سماهم القرآن (بالملأ المستكبرين) والبيروقراطيين ورجال العلم والجيش والرأسماليين يفرضون سيادتهم على المجتمع الذي يعيشون فيه ظلما وعلوا وتطاولا على حقوق الغير؛ وفي مجتمع كهذا يكون تأليه الظالمين الجاحدين واسترقاق الآخرين ظاهرة لا مفر منها. لأن الكوادر المهيمنة تعرف جيدا أنها إذا لم تؤله نفسها ولم تسترق الغير فإنها لن تكون قادرة على الاستغلال والتحكم كما يحلو لهم.

وهم يعرفون جيدا، أنهم لن يستطيعوا أن يبنوا نظام التعليم والصحافة المعتمدة على الماديات، ولن يستطيعوا أن يغيروا القيم الأخلاقية ويلغوا القصاص ويشروعوا الربا والزنا والجنس المثلي ويفرضوا الضرائب بلا حق، ويحتكروا الموارد الإقتصادية لهم ولمؤيديهم، كما لن يستطيعوا أن يتفقوا مع القوى الأجنبية ليجعلوا الشعب تحت سيادتهم ليستعمروهم؛ لن يستطيعوا أن يفعلوا كل ذلك إلا أن يؤلهوا أنفسهم وأنظمتهم ويفرضوا سلطانهم على الضعفاء كرها ويسترقوهم معنا.

والذين لا يقبلون الإسلام وهو دعوة جميع الأنبياء؛ إبراهيم وموسى وعيسى ودعوة خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم الذي أرسل للناس كافة، أو الذين قبلوا ولكن لم يتبعوا تعاليمه، وبالتالي بنوا حكمهم، ورغم أنهم يشكلون الأقلية، إلا أنهم من أسسوا العبودية المعنوية والتقليدية عبر التاريخ وهم أنفسهم من أسسوا العبودية المعاصرة التي هي أشد تخريبا.

فالعبوية المعاصرة، هي النتيجة الطبيعية لعدم قبول الشريعة الإسلامية كالحال التي أدت إلى العبودية التقليدية تماما.

وقد أصبح الناس عبيدا للأيديولوجيات أفواجا وجماعات فمنهم العبيد للرأسماليين ومنهم العبيد للشهوات ومنهم العبيد للانتاج والاستهلاك ومنهم العبيد للهيمنة العسكرية والسياسية والتهديدات الإقتصادية والقوى المستعمرة، بالتالي فكلهم عبيد للحياة الدنيوية ناسين الحياة الأخروية الأبدية.

والغريب أنه لا يشعر أحد منهم أنه قد استعبد. ويزعم أن هذا الطراز من الحياة التي لا يعرف صاحبها خوفا من النار ولا رجاء في الجنة ويزعم أن القلم الذهبي يكتب حقا والطاقة النووية والمصانع الكبيرة تقوم بانتاجات صحيحة والطائرات المتطورة تؤدي وظائف النقل وأن المؤسسات الدولية والمحلية تقوم بتوزيع العدالة.

فلو أمكن توفير الأمن والسلام في الدنيا والسعادة في الآخرة بدون الإسلام، فلماذا  أرسل الله رسله وأنزل معهم الكتب والأحكام؟ ولماذا أرسل رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم كافة للناس وأنزل معه القرآن الكريم. في الحقيقة أن كل شيء يجيز العبودية التقليدية والمعاصرة ما عدا الإسلام. وبعبارة أخرى فإن الحياة بعيدا عن الإسلام هي العبودية المعنوية.

ونختم هذا القسم بالاشارة إلى بعض الأمثلة للإثبات أن العبودية المعاصرة أكثر دمارا واحراقا من العبودية التقليدية.

الناس ذوي طابع رقيق عبر التاريخ

لو نظرنا التاريخ نرى العبيد قديما كانوا يعرفون أنهم عبيد ويأملون أن يأتي اليوم ويتخلصون من العبودية. كان يباع ويشترى كالسلعة التجارية. وكان عليهم واجبات كثيرة وثقيلة، يعملون أعمالا شاقة فلم يكن لهم حقوق. وبالمقارنة بالعبودية الحديثة المعاصرة فإنهم كانوا لا يعانون من الجوع على الأقل؛ حيث كان لهم الطعام والمسكن على درجة الكفاية. وهل هذا موجود في حق العبودية المعاصرة؟!.

لم تتغير العبودية في العصر الحديث إلا في التسمية فقط. هل هناك فرق بين من يقتله رجالُ فرعون أو ملك آخر ومن يقتل اليوم بالقنابل النووية؟ فأي فرق بين من كان يرعى أنعاما لمالكه من العبيد قديما ومن يعمل في المصانع أو أماكن أخرى من أجل اسعاد رئيسه مقابل أن يشبع ؟

لا نستطيع القول أنه لا يوجد بينهما أي فرق. بل هناك فرق، بأن العبودية قديما لم يكن العبيد يخافون من الجوع والنوم في العراء. أما العبيد في العبودية المعاصرة الحديثة ليسوا محظوظين في المأكل والمسكن. وهم مواجهون في كل لحظات بالمجاعة والتشرد. أليس نفس المفاهيم الاستعمارية والنظام الظالم والابادة العرقية هي السائدة اليوم؟ وهل يمكن القول إن ادعاء المحبة والصداقة والابتسامة في الوجوه الحليقة التي تعلو ربطة العنق تغير من الحقيقة؟ كلا.

قديما كان مالك العبد معروفا. ولنا أن نتسائل من هو مالك العبد في العبودية المعاصرة؟. إن المالك أصبح اليوم لا يرى. وفي العبودية المعاصرة لا يشعر العبد أنه عبد، لذا فهو محكوم أن يعيش العبودية حتى يوقظه أحد. وفي أغلب الوقت فهو محكوم بالعبودية الأبدية. فهو لا يبذل جهدا ليتخلص من العبودية لأنه لا يعرف مالكه ولا يشعر أنه عبد. ومن يُري العبيد المعاصرين مالكيهم؟ ومن المخطئ هنا؟ العبيد أم الملوك؟

لم يتغير نوع الصراع بين الحق والباطل عبر التاريخ إلا في الشكل وفي التعبير فقط ولم يتغير شيء في المعنى والمفاهيم.

يوجد اليوم الطبقات النبيلة (الأرستقراطيون)، وأصحاب الأموال مكان الاقطاعيين. وأصحاب المصانع مكان أصحاب الأراضي. والأيدوليجيات الدولية مكان الفراعنة. وكان قديما يعمل في الأراضي العبيد مقابل لقمة العيش أما اليوم العاملون يعملون في المصانع مقابل لقمة عيش لإسعاد ريئسهم، أليس هذا تشابها بين القديم والحديث؟

نعيش اليوم في فترة الإلهيات المعاصرة التي أصبح فيها كل من مراكز التسويق والبنوك ومراكز الترفيه والبزارات المبهرجة والمعابد والمادة والمتعة والمال معبودا… والذي لا يملك عقيدة معينة حتى ولو كانت عقيدة باطلة ولا يفكر وليس له أي قضية يدافع عنها، مستعد دائما لتلقي الأوامر من غيره، ومطيع ومنقاد للقوي، لا يوجد عنده المعارضة لأنه لا يعرف الصحيح من الخطأ، ولا يفكر، وهو ذا طبع غنمي، _أي مثل الأغنام_ وصاحب روح وديعة يحمل طبيعة الرق فهؤلاء اليوم هم العبيد.[20]

هدفنا هو بيان الحقائق القرآنية والسنية

وقد حاولنا في هذه الدراسة أن نسلك منهج القرآن ومنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو التطبيق الحي للمنهج القرآني. ولم نقف على الأحداث التاريخية الصحيح منها والخطأ إلا في بعض المسائل. لأن القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة هما الحجة لنا حتى يرث الله الأرض ومن عليها. وبعبارة أخرى أن القرآن الكريم هو الذي يقدم الحل للنوازل والمشاكل في الحاضر والمستقبل وليست الاجتهادات المتناقضة. كما أشار إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قبل أربعة عشر قرنا. حيث قال في خطبته في حجة الوداع التي بين فيها وجوب الدوام في التمسك بالقرآن[21]: ألا ليبلغ الشاهد الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع.[22] وهذا يدل على أن القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة فهمهما ليس مقصورا على جيل معين؛ لأن القرآن كتاب كل من بلغ إليه.[23]

حاولنا أن نفعل ما يجب القيام به

وقد بينا في أول هذه الدراسة الآراء السائدة في المجتمع الإسلامي في المصادر المعتمدة مثل كتب التفاسير والفقه والتاريخ في جواز استرقاق الأسرى وقتلهم واتخاذ الجواري من الأسيرات أو عن طريق الشراء والاستغلال الجنسي لهن والجمع بين الأمة والحرة في النكاح أو بملك اليمين؛ وقلنا إن هذه الظاهرة لا علاقة لها بالإسلام الحق المنزل من الله تعالى على محمد صلى الله عليه وسلم. ولكن لم نقف عليها بالتفصيل.

وجدير بالذكر أن العلماء في العهود التاريخية لم يفهموا الموضوع جيدا بسبب الظروف الراهنة آنذاك وبسبب ثقتهم بالدراسات العلمية السابقة. ومع ذلك لا نشك أن ما وصلنا إليه من الحقائق قد وصل إليها المحققون من قبلنا. وقد أوردنا بعض النماذج من ذلك. ولكن بسبب السياسات الإقتصادية والإجتماعية المتبعة قل من يتحدث بالحقائق من العلماء وذلك بسبب الضغوط على رجال العلم وبعدهم عن الساحة العلمية الحرة وسكوتهم عن قول الحق بوسائل قمعية وبالتالي تلاشت الحقائق.

ويؤيد ما قلنا وجود عدد من العلماء الذين سجنوا واضطهدوا حتى مات كثير منهم بسبب رفضهم الظلم وجهادهم في سبيل اظهار الحق. ولا نزال نرى في يومنا المعاصر ما يؤيد ذلك. ألا ترى أن سب الإسلام أصبح اليوم ظاهرة لا تخفى على أحد حتى أن كثيرا من النظريات المشروعة والحاكمة التي تحتوي الشرك بالله لا يمكن رفضها ولا المجادلة الثقافية في تصحيحها مع وجود آلاف من المتخصصين في العلوم الدينية وموظفي الشؤون الدينية؟

والمفاهيم الخاطئة التي لقيت قبولا حتى أصبحت نظريات سائدة في المجتمع، وبالقرارات الخاطئة والباطلة كانت تخاض الحروب من أجل الحصول على الغنائم وتأسيس مراكز الدعارة، وهذه الظاهرة موجودة مع قبول النقاش في كثرتها أو قلتها.

وقد شوه الوجه الجميل للإسلام حتى عاشت المسلمات الاضطرابات الإيمانية.

وعلماؤنا البارزون قد عانوا اضطرابات في شرح المسألة وتقديم الحلول للمشاكل ولا يزالون يعانون. وما نظهر تجاه الأسرى والجواري من العلاقات الكريمة ليست كافية لنبرر ما يصدر منا من الأخطاء.[24]

يجب أن نواجه تاريخنا

وهنا نطرح سؤالا للمخالف الذي نشعر أننا نسمع أصواتهم قائلين:

أ. ألم يتم تحويل الخلافة الإسلامية إلى سلطنة بقتل آلاف من الأبرياء مستدلين بالآيات القرآنية حسب الهوى؟

ألم يفرض على الناس الانقياد المطلق للسلاطين الظالمة بالزعم أن السلطان ظل الله في الأرض كما قيل على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم كذبا وإفتراءً؟

ألم يقتل تحت الاضطهاد من صاح بضرورة إختيار الخليفة بالعدالة ، والكفاءة والشورى التي جاء بها الإسلام لإقامة الحكم الأمثل في المجتمع – مثل أبي حنيفة رحمه الله -؟

ألم تكن هذه كلها ترتكب باسم الإسلام وأنها موافقة مع الكتاب والسنة؟

ب. وكيف نشرح إرادة السلطان الذي أصدر قانون نامة بتاريخ 1891 و1909 الذي يمنع بيع وشراء الأسارى والجواري من أصل شركسي مثل الأسارى الزنجيين وهو بنفس الوقت يعني المرسوم القانوني الذي أصدر سنة 1847 متأثرا من العالم الخارجي، الذي ينص على منع تجارة الأسارى الزنجيين وعقاب من يقوم بها؟[25]

هل ما تم حظره لكونه بغيضا، كان مشروعا من قبل ثم أصبح غير مشروع؟ كما أن المعلومات والتوضيحات الخاطئة التي ذكرناها ما زالت سارية. ولا بد أن نواجه الهوان والضعة في تاريخنا كما نتباهى ونفتخر بمجده. والدولة العثمانية التي قدمت للعالم نموذجا من العدالة والسماحة بدون أي تفريق بين المسلمين وغيرهم من المجتمعات، ومع ذلك قد انهارت وعلينا أن لا ننسى أن الأسباب الداخلية لعبت دورا في انهيارها أكثر من الأسباب الخارجية.

كما أننا نحن المسلمون، لا ننظر في تقييم نضالنا من أجل الحرية والاستقلال إلى من يحاول أن يغرق المناضلين من أجل الحرية والاستقلال بالدماء، وقام بقتل الملايين الأبرياء في القرن العشرين، في الحربين العالمتين الأولى والثانية…

ولا إلى من انتهك أعراض الملايين من النساء أثناء الحرب وبعدها؛ وفي يومنا المعاصر يقوم يحتل البلدان، ويظلم ويضطهد الملايين في المعتقلات والسجون مثل سجن أبو غريب وغوانتنامو، ولا يزال يستحل تجارة النساء والأطفال تحت أسماء مختلفة، ولا إلى ماضيهم البربري، ولا إلى من يستعرضون أنفسهم بالمظاهر المعاصرة…

بل نقوم بتقييما أنفسنا حسب المبادئ الإسلامية التي هي التعاليم المتكاملة لشؤون حياتنا الدنيوية والأخروية. لأنه لا حجة لنا ولا علينا إلا القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. ولا نقول كما قال أهل الجاهلية: «حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا».[26]

و”تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ”؛ فنحن ندعو لهم بالرحمة والمغفرة ونسأل الله لهم الجنة. ونعتقد صحة آرائنا الموافقة مع التعاليم القرآنية. ولمن يبحث عن الحقيقة فإن الشرائع القرآنية والسنن النبوية الشريفة في حق الأسرى والجواري موجودة أمامه وباقية حتى تقوم الساعة.

وما التوفيق إلا بالله العليم الذي نحمده ونستعينه ونستغفره، ونسأله أن يجعل هذه الدراسة في ميزان حسناتنا ومن الصدقات الجارية وأن يحقق لنا الغايات المنشودة منها.

هدفنا من هذه الدراسة

رد الشبهات حول الرق والجارية التي من شأنها تشويه الاسلام وتضعيف الإيمان.

التأكيد على أن الاجتهادات التي قام بها الفقهاء عبر التاريخ الإسلامي آراء شخصية من شأنها أن تتماشى مع المبادئ الإسلامية ومن شأنها أن تتخالف مع الإسلام، وبالتالي فإنها ليست حجة ملزمة للجميع.

أخذ الإسلام من القرآن الكريم مع فهم العلاقات بين الآيات مستعينا بالسنة النبوية الصحيحة الشريفة ومراعاة المقاصد الشرعية.

توضيح المصطلحات الواردة في القرآن الكريم في الأسرى والجواري مثل العبد والأمة وما ملكت الأيمان والرقبة وفهمها على شكل صحيح والتفريق بين العبد والأسر وتجنب اتباع الهوى والمغالطة في تفسير الآيات المتعلقة. وتقديم نظام الأسرى الذي جاء به الإسلام وألغى العبودية ونظام الجواري هو نظام يبقى حتى تقوم الساعة.

القيام بالنضال ضد التطبيقات المتعلقة بالعبودية المعاصرة التي يعاني منها الفقراء الأحرار، تلك التطبيقات التي يأبى الإسلام إجراؤها على الأسرى والجواري؛ كما أنها تخالف القرآن الكريم وتعاليم النبي صلى الله عليه وسلم.

الإعلان إلى الناس أن الإسلام يرفض العبودية المعاصرة الحديثة الظالمة كما يرفض العبودية التقليدية .



[1]  أنظر: سورة محمد، 47 / 4.

[2]  أنظر: سورة محمد، 47 / 4.

[3]  سورة النساء، 4 / 25.

[4]  أنظر: سورة الطلاق، 65 / 4؛ سورة النساء، 3 / 24؛ أبو داود، كتاب النكاح 45.

[5]  أنظر: سورة الأحزاب، 33 / 59؛ سورة النور، 24 / 31.

[6]  صحيح البخاري، كتاب النكاح 18. لا يوجد فيه

[7]  أنظر: سورة النساء، 4 / 3، 24-25.

[8]  أنظر: تفسير ابن كثير عند تفسير سورة االنساء، 4 / 23.

وفي حديث آخر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَنَهَى عَنْ أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَغَفَلَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا. (المعجم الكبير للطبراني، 22 / 222؛ البيهقي، 10 / 12).

[9]  مفاتيح الغيب، فخر الدين الرازي، عند تفسير سورة النساء، 4 / 24.

لو أخذنا هذا الحديث مع ما جاء في سورة “الحاقة” من  قوله تعالى: « وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ» (سورة الحاقة، 69 / 44-46). نرى بلا شك أنه حديث صحيح من حيث المتن.

نود أن نذكر هنا ما يلفت النظر إلى أهمية الربط بين الكتاب والحديث

لا تنفصل السنة عن الكتاب

كان الصحابة رضي الله عنهم أحرص على استنباط أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن، ومن ألزم نفسه ذلك، وقرع بابه، ووجه قلبه إليه، واعتنى به بفطرة سليمة، وقلب ذكي، رأى السنة كلها تفصيلا للقرآن، وتبيينا لدلالته، وبيانا لمراد الله منه، وهذا أعلى مراتب العلم، فمن ظفر به فليحمد الله، ومن فاته فلا يلومن إلا نفسه وهمته وعجزه.. (أنظر: ابن قيم الجوزي، زاد المعاد في هدي خير العباد، 5/ 117).

[10]  أ. د. همزة أقتان، الظاهرة العبودية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والتعامل القرآني في تحرير الرقبة، مجلة كلية الالهيات بجامعة أتاتورك في أرضروم، العدد: 16، ص. 59-79

[11]  العمى العلمية باسم التقليد

يقول بعض رجال العلم الذي يحمل أسماء أكاديمية، حين نتحدث له من هذا الكتاب وما وضحنا فيه من الأفكار والآراء مستدلا بالآيات القرآنية يعترض عليها ويحاول الدفاع عن مشروعية الاسترقاق والاستغلال الجنسي للجواري. حتى يجترئ إلى القول: بأن صحابي فلان كان يملك عبيدا كذا وفلان كذا، رجما بالغيب، متجاهلا كون العبيد الذين بقوا من العهد الإسلام. والذي يؤسفنا هو ليست الانتقادات التي تأتي من رجال العلم، بل هو اعتمادهم في فهم الإسلام على الروايات التاريخية التي تمثل المفاهم المنحرفة،  بدلا من القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة. وعل فهمهم هذا للإسلام، يمكن الحكم في الإسلام بنظام ينتقل من الأب إلى الابن استرقاق الأسرى وبيعهم في أسواق الرق واستمتاع الجارية بدون النكاح مشروعة. كما يرون أن فاعل بهذه التطبيقات لا ياثم وإن لم يكن من الأمور التي لا يمدح فاعلها. لأنهم يزعمون أن الإسلام لم يلغ العبودية وإن كان من أهدافه السامية.

هذا وكيف يمكن فهم الإسلام من التراث التاريخي وتبليغه بعيدا عن القرآن والسنة؟ وهل من حق من يفعل ذلك أنه من المسلمين؟

[12]  أنظر: سورة النساء، 4 / 58-59؛ سورة آل عمران، 3 / 159؛ سورة الشورى، 42 / 37.

[13]  أنظر: سورة يونس، 10 / 15.

[14]  1. حد الزنا والرجم

وقد قام النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة بتطبيق الرجم على الزاني، كحد إلهي مؤصل في التوراة. وقد افتخر بإحياء تلك السنة التي أضاعها اليهود. (سفر اللاويين، 20 / 10، تفسر ابن كثير عند تفسير سورة المائدة، 5 / 33). ولكن بنزول حد الزنا بمائة جلد في سورة النور، 24 / 2) نُسخ حكم التوراة. ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أقام حد الزنا رجما بعد نزول تلك الآية. كما ثبت أنه لا يوجد حد للزنا إلا ما جاء به القرآن الكريم أي مئة جلد. (أنظر: سورة النور، 24 / 2، 8؛ سورة النساء، 4 / 25؛ سورة الأحزاب، 33 / 30).

وعلى الرغم من ذلك فقد قصر الفقهاء حد الزنا بمائة جلد الوارد في سورة النور، 24 / 2 على الأعزب، وجعلوا حد الزنا الرجم الذي جاء في التوراة _وهو حكم منسوخ بموجب القرآن_ خاصا بالمحصن. ولنا أن نستغرب كيف تطبق هذه الأحكام التي تنهي حياة الإنسان مع مخالفتها للقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة بدليل كونها مطبقة عبر التاريخ الإسلامي؟ (أنظر: سورة المائدة، 5 / 38؛ سورة البقرة، 2 / 178). وهل يمكن القول بأن التعزير كحد للزنا مشروع؟ طبعا لا فائدة من الكلام مع من يرجح الروايات التاريخية التي اختلفت دلالتها على معان شتى على القرآن الكريم. (لمزيد من المعلومات أنظر: علي رضا دميرجان، الجياة الجنسية في الإسلام، مطبعة الأنصار، 2011، اسطنبول).

2. قتل المرتد

حسب ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة فإن جزاء من ارتد وخرج على المجتمع الإسلامي فعلا وفكرا، هو القتل. (أنظر: سورة المائدة، 5 / 33). وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: “من بدل دينه فاقتوله”، خاص فيمن خرج على المجتمع الإسلامي. (الجامع الصغير، من بدل دينه). أما من ارتد أي خرج عن دينه ولم يحارب المسلمين فجزاؤه جهنم كما جاء في القرآن الكريم. (أنظر: سورة البقرة، 2 / 217؛ سورة آل عمران، 3 / 86-89). وكذلك لا يجوز الاكراه على الإسلام (أنظر: سورة البقرة، 2 / 256) فقد جاء وعيد من الله تعالى لمن كفر بعد الإيمان بجزاء أخروي. وبالرغم من ذلك فقد حدد البعض العقاب (القتل) على من كفر بعد الإيمان وطبقه عليه. فهل نقبل هذه الأحكام والتطبيقات المخالفة للقرآن والسنة على أنها كانت مطبقة عبر التاريخ؟ أو نقول إنها أحكام من الأحكام الشريعة الإسلامية؟

[15]  وفي خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أطلق سارح من وقع أسيرا من المرتدين. (ابن قتبية، الإمامة والسياسة، 2 / 99).

[16]  أمير المؤمنين عمر رضي الله عمه وإدارة الدولة، 2 / 235-244؛ ابن الأثير، الكامل في التاريخ، (نسخة مترجمة إلى التركية) 3 / 88-150).

تطبيقات عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز ضد الاسترقاق

حين فتح عمر بن العاص مصر أسر بعض الناس الذين حاربوا المسلمين من أهل القرى وأرسلهم إلى المدينة المنورة، وأعادهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى مصر. وجعلهم من أهل الذمة من المجتمع القبطي. (أنظر: فتوح البلدان، ص. 309).

فهم يأمنون على نفوسهم وأموالهم وأولادهم. فلا يباع منهم أحد. ويؤخذ منهم خراج ثابت لا يزاد بمرور السنة. ويدافع عنهم إذا تعرضوا للعدوان من غير المسلمين. (أنظر: فتوح البلدان، ص. 312). لأن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد كتب إلى عمر بن العاص رضي الله عنه هذه التوجيهات “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا”. (أنظر: ابن قيم، سيرة عمر). وحين فتحت برقة في المغرب كتب عمر بن عبد العزيز في اللواتيات أن من كانت عنده لواتية، فليخطبها إِلَى أبيها ، أو فليرددها إِلَى أهلها. (أنظر: فتوح البلدان، ص. 323).

[17]  لو قمت بالبحث عبر النت “العبودية في العصر المعاصر” سترى الحقائق المخزية.

[18]  النظام الإسلامي من منبر السليمانية، علي رضا دميرجان، دار النشر للبيان، اسطنبول، 2008 ص. 278.

[19]  علي رضا دميرجان، رسائل الجمعة، دار البيان للنشر والتوزيع، اسطنبول 2008، ص. 76.

[20]  خلاصة ما قاله إسماعيل آقوتان في الرابط  التالي: http://www.minare.net/arsiv/modern-kolelik.html

[21]  أنظر: صحيح مسلم، رقم الحديث: 1218.

[22]  أنظر: صحيح البخاري، الحج 132.

[23]  سورة الأنعام، 6 /  19؛ سورة الجمعة، 62 / 3

[24]  لم يسجل التاريخ من هو أكثر إحسانا وكرما على الأسرى والجواري من الإسلام. وقد تم تأسيس الأوقاف لحمايتهم. وأقيمت الدولة من قبل المماليك مثل الدولة المملوكية في مصر والسلطنة الدلهية في الهند. ويمكننا أن نلخص الأوضاع في الدولة العثمانية على النحو التالي:

نرى في الدولة العثمانية من نبغ من الأسارى بعد تلقي العلوم والدراسات في العمارة مثل معمار سنان ومئات من رجال الدولة مثل محمد سوقوللوا باشا.

توفر للأسرى والجواري الملبس والمأكل والمسكن في أحسن حالة ممكنة. وكان التبني من الأسرى والجواري شائعا في المجتمع الإسلامي. كما كان في المجتمع الإسلامي من يقوم بتعليم الأسرى والجواري ويربيهم ويزوج الجواري بعد أن يحسن تعليمهن وتربيتهن من الباشاوات، وكان يربي من تبني من الممالك ويجهزهم ليأخذ الوظائف في الدائرة الحكومية حتى كان من الأٍسرى من أصبح ملكا وصدرا الأعظم، ومن الجواري سلطانات والأمثلة على ذلك كثير في التاريخ الإسلامي. ولكن وجود تلك الفضائل ليس مبررا في عدم إلغاء العبودية، سواء كان من الناحية الفقهية أو التطبيقية. لأن ما ذكرناه، مما قام به الفقهاء بتشريعه من استرقاق الأسرى والاستغلال الجنسي للجواري بضغوط من الحكام وغيرها من الأسباب الاجتماعية رغم مخالفتها للمبادائ الإسلامية التي عبر عنها ربنا عز وجل بالفطرة حيث قال: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ» (سورة الروم، 30 / 43). (أنظر: الموسوعة الإسلامية الصادرة من إدارة الشؤون الدينية التركية، 29 / 90؛ أحمد أقكوندوز، الحرم في الدولة العثمانية، ص. 153؛ يلماز أوزتونا، التاريخ الكبير للدولة العثمانية، 8 / 500؛ الفتاوى الهندية (المترجمة إلى التركية)، 4  / 561-3).

[25]  أنظر: الدستور، 4 / 388، س . أرماغان، أصول الحقوق والحريات في الشريعة الإسلامية، ص. 51-53. كما أن ما ذكرنا من الوثائق الحقوقية تتعلق بالاصلاح في المجال التطبيقي ولا تتعلق بالأسر. وأكثر ما يؤسفنا هو أن المسلمين لم يقوموا بإلغاء العبودية من الناحية الفقهية ولا التطبيقية.

[26]  سورة المائدة، 5 / 104.

التعليقات

  • لا يوجد جواري في الاسلام تم تحريف معاني الكلمات في القران
    الاحاديث و الروايات و التفاسير مجهودات بشرية يحتمل الخطا و الدس و الصواب
    توضيح أن ما جاء في كتب التراث من أن ملك اليمين هم أسرى الحرب وما أطلقت عليه الموروثات السبايا من الحرب، هو أمر لم يرد في القرءان الكريم بل هو من الإضافات البشرية وليس عليه دليل من القرءان. فليس هنا علاقة بين ملك اليمين وأسرى الحرب.

    أما ما جاء في مصير أسرى الحرب في النص القرءاني فهو شيئين لا ثالث لهما بعد نهاية الحرب:
    – المَن عليهم وإطلاق سراحهم بدون مقابل.
    – قبول فديةٍ ما مقابل إطلاق سراح الأسرى.
    ما بالك يالنساء و اولاد الاسير ؟
    ما معنى قوله تعالى ((ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا))؟
    http://www.ejaaba.com/t-128012.html
    ما معنى ملك اليمين في القران الكريم ؟
    http://www.ejaaba.com/t-128129.html
    ما المقصود في القران (الحر بالحر والعبد بالعبد) و(عبدا مملوكا )و (عبادكم وامائكم)؟
    http://www.ejaaba.com/t-128131.html
    هل يوجد رق و عبيد و جواري في الاسلام ؟ وما معنى فك او تحرير رقبة؟
    http://www.ejaaba.com/t-128130.html

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.