حبل الله
إنتهاء عصر العبودية وبداية عصر نظام الأسرى في الإسلام

إنتهاء عصر العبودية وبداية عصر نظام الأسرى في الإسلام

الباب الثاني:

 إنتهاء عصر العبودية وبداية عصر نظام الأسرى في الإسلام

إنتهاء عصر العبودية

بعد أن وضع الإسلام ما وقفنا عليه من القواعد التي جعلت الأسر مشروعا في الحرب ومهدت الطريق لتحرير الأسرى، فإنه بذلك قد جعل للعبودية حدا بمنعه الرق. أما الرقيق الذين وجدوا في بداية عصر الإسلام فهم تركة الجاهلية وكان وضعهم وضع الأسرى. وبهذا نستطيع القول أن العصر العبودية قد انتهى، وبدأ عصر الأسر الذي يستمر إلى أن تقوم الساعة. وبعد أن تم نزول القرآن الكريم بانتقال النبي صلى الله إلى الرفيق الأعلى استقر الأمر على هذا الشكل فلا يتغير ولا يتبدل.

الإسلام وأسباب مشروعية الحروب المسلحة

المستعبَدون عموما والجواري منهم على وجه الخصوص هم في الأصل أسرى الحرب المشروعة. لذا من المهم أن نقف على موضوع الحرب المسلحة في الإسلام.[1]

لم يخلق الله تعالى الإنس والجن إلا ليعرفوه، ويقوموا بعبادته وتوحيده وحمده على أنعمه التي لا تحصى. وهو خالق كل شيء، خلق الإنسان في أحسن صورة، وأكمل هيئة، منتصب القامة، يستعمل أطرافه فيما يريد، وله عقل يميز به بين الخير والشر، والصحيح من الخطإ فميزه الله تعالى بذلك على المخلوقات الأخرى في الأرض. وأرسل فيهم رسولا ونبيا يبين لهم طريق الهدى وأنزل معه كتابا شرع فيه القوانين ينظم بها حياتهم. فالإسلام هو كل ما جاء به ذلك الرسول من القوانين والشرائع.

ونبي الإسلام الذي هو دعوة جميع الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء أرسله الله كافة للناس؛ كما أن القرآن الكريم هو النسخة الأخيرة والشكل النهائي للكتب الإلهية السابقة وملخص وجوهر جميع الشرائع السماوية.

وقد أمر الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر أن يقيم الناس علاقتم بينهم على هذا الأساس، وجعل إجراء هذا الأمر من العبادة له.[2]

وإقامة العلاقة مع غير المسلمين على مبدأ الفضيلة الإنسانية مثل العدالة والسلم والكرامة والعفو؛ بالرغم أنهم بدلوا الإيمان الصحيح بالمعتقدات الخاطئة هي من أهم وظائف المسلمين في كل مكان وعصر.[3]

وقد أذن الله تعالى بالقتال في إطار أسباب مشروعة، لأنه عليم بأن الإنسان مع أنه ولد من أمه ميالا إلى الخير والفضائل بفطرته، يمكن أن يصير شريرا وقاسيا وظالما من أجل تحقيق آماله ورغباته. فلا بد إذن من تشريع القتال لرد عدوان هؤلاء وجشعهم، وفي الوقت نفسه بين أن القتال غير مرغوب فيه؛ كما نرى ذلك في حديث الرسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف”.[4]

الإذن بالقتال وأسباب مشروعيته / الأوامر القرآنية المتعلقة بالقتال

إن المنهج الرباني في علاج الأمور الشاذة والانحرافات الخطيرة قائم على غاية الحكمة والاعتدال، والتأني والإمهال، فلم يُعجِّل الله تعالى البدء بقتال المشركين أنصار الوثنية والضلال، وإنما أمهلهم مدة خمسة عشر عاما، ليكون للعقل والفكر وإعمال الرأي والقناعة الدور المهم في القضايا، ولتبدأ الأمة الإسلامية قوية ناشطة، معذورة في كل ما تؤديه من واجبات، لأن لغة السيف وقعقعة السلاح إنما تكون حين استفحال العدوان، واليأس من الصلاح والاستقامة، وهذا المنهج هو الذي نجده في ساحة التشريع الإلهي بالإذن بمشروعية القتال، بعد طول الصبر والمصابرة، والدفع بالحكمة والحسنى، فقال الله تعالى:

«أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ» (الحج، 22 / 39-40). وقال تعالى: «سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً» (النساء، 4 / 91).

وبعد أن أذن القرآن الكريم بالقتال لم يترك الأمر لتقدير المقاتلين بل علّمنا القواعد التي ينبغي أن تحترم، كمعرفة أسباب مشروعية القتال وغاياته وآدابه وزمنه. ومن هذه القواعد: أن القتال شُرع لردّ العدوان وحماية الدعوة وحرية الدين ونشره في العالم، وأمر ألا نعتدي في ذلك، وأن لا نبدأ بالقتال. ويدخل في الاعتداء ارتكاب ما نهى الله عنه كالمثلة في القتلى، والغلول، وقتل النساء والصبيان والشيوخ، وأصحاب الصوامع، وتحريق الأشجار، وقتل الحيوان لغير مصلحة. قال الله تعالى: « وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ» (البقرة، 2 / 90-191).

كما أن الله سبحانه وتعالى لا ينهى عن برّ أهل العهد من الكفار الذين عاهدوا المؤمنين على ترك القتال، شرط ألا يعينوا عليهم، ولا ينهى عن معاملتهم بالعدل، مثل خزاعة، وغيرهم الذين عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ترك القتال. قال الله تعالى: «لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ؛ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» (الممتحنة، 60 / 8-9).

وبناءً على ما سبق من الآيات الكريمات لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم أبدا الطرف الذي بدأ بالقتال. وهنا آيات تأمر المؤمنين أن لا يبدؤوا بالقتال مثل قوله تعالى: «وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون؛ ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين» (التوبة، 9 / 12-13). وجميع عدد القتلى في الحرب بين المسلمين وأعدائهم – ما عدا يهود بني قريظة الذين عوقبوا حسب التوراة – 354 قتيلا. 138 منهم من المسلمين.[5]

 وملخص القول أنه يجب مراعاة القواعد التي وضعها الله تعالى في القتال. فالنبي صلى الله عليه وسلم قد حرم على المسلمين قتل الأطفال والنساء وحرم عليهم الغدر والتمثيل بالميت، كما حرّم قتل الرهبان في كنائسهم. عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش، أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: «اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا “.[6]

 كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التمثيل بجثث قتلى العدو، وترك جثثهم عرضة للسباع والوحوش.[7]

وبعبارة أخرى، ليس الهدف من القتال المصلحة الرخيصة مثل تحقيق الهيمنة والحصول على الأراضي والغنائم والأسر بنية تسخيرهم كقوى عاملة وتكليفهم بالأعمال الشاقة. وإنما شُرع القتال من أجل استئصال الظلم وتمهيد الطريق أمام نشر الدعوة الإسلامية.[8] وإلا يكون القتال عندئذ في سبيل الشيطان وسببا لتحقيق هيمنة الظلم ورافعا لراية الطاغوت.[9] فالقتل في حرب كهذه جريمة والأسر طريق لإستعباد الأحرار وخروج عن منهج الله تعالى كما بين النبي صلى الله عليه وسلم.[10]

الأسر من نتائج القتال المشروع

لا بد للحرب من نتائج حتى لو كانت في الإطار القانوني الذي حدده القرآن الكريم وبقرارات الحكومة الإسلامية الموافقة للشرع. ومن إحدى تلك النتائج الحتمية هي مسألة الأسر. وقد بين الله تعالى القوانين المتعلقة بالحرب والأسر في سورة محمد، بقوله تعالى: «فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ[11] حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ، سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ، وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ» (محمد، 47 / 4-6).[12]

وما تضمنته هذه الآية الكريمة من الأمر بقتل الكفار حتى يثخنهم المسلمون، ثم بعد ذلك يأسرونهم – جاء موضحا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في سورة الأنفال: «مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ» (الأنفال، 8 / 67-68).[13]

ونفهم من قوله تعالى: «لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ» أنه جعل قتال من قاتلنا مشروعا وأجاز الأسر منهم. وبالتالي أسس الإسلام “نظام الأسر” الخاص به استنادا إلى الآيات التي تأذن بالأسر وتأمر بإطلاق سراح الأسرى مقابل الفدية أو بدونها منا لهم، بهدف تحريرهم. وألغى بذلك نظام العبودية الذي يخالف الإسلام ومبادئه السمحة..

ويجوز الأسر نتيجة حرب مشروعة كما ذكرنا على سبيل المثال أسرى قريش في بدر وبني المصطلق في المدينة المنورة ويهود بني قريظة وهوازن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.[14] ويجوز أسر المقاتلين وكذلك النساء والأطفال حسب تقدير الإدارة السياسية والعسكرية في حدود ساحة المعركة والبيئة القريبة منها.

كما هو الحال في يومنا؛ حيث يمكن أسر من اشترك بالقتال أو ساهم في اشعالها واستمرارها من النساء مساهمة فاعلة، وهو ما يقوم به دولة إسرائيل بالفعل من تجنيد النساء. ولكن لا توجد قاعدة ملزمة تجيز أسر الأبرياء الذين من لم يشتركوا في القتال ولم يساهموا في تشكيله واستمراره.

الهدف من الأسر

ولا شك أن من أسباب مشروعية الحرب الدفاعية هو قهر العدو المغير وتفريق جمعه وإنهاء الحرب بالسرعة القصوى ومنع سفك الدماء. ومن الواضح أن نظام الأسر يمنع إراقة مزيد من الدماء. ولكن محاولة الأسر بهدف الحصول على الغنائم دون تدمير الأهداف الاستراتيجية للعدو وسحق جيشه لا سيما القواد والزعماء الذين وصفهم القرآن بـ “أئمة الكفر”  تؤدي إلى نشوب الحرب من جديد في المستقبل القريب، وإراقة مزيد من الدماء.

ومن سياسة الإسلام الواقعية تحريمه الأسر بهدف الحصول على الغنائم قبل تبديد القوى المحاربة. وقد عرفنا من قبل تحريم تمني لقاء العدو وقتل النساء والإداريين الذين لم يشتركوا في القتال والأطفال.[15]

أخذ النساء في الحروب كأسرى

فظاهر الآية الرابعة من سورة محمد يدل على عدم جواز الأسر قبل سحق قوى الأعداء المحاربة الذين أعلنوا الحرب على المسلمين. ولكن نعرف من تطبيقات النبي صلى الله عليه وسلم بشكل مباشر أو غير مباشر جواز أخذ النساء كأسيرت في إطار محدد بساحة المعركة والبيئة القريبة منها. وكذلك أسر الأطفال لهدف حمايتهم وكذلك ليلعب ذلك دورا في ردع الأعداء.[16]

وقد أذن الله تعالى بأخذ النساء والأطفال كأسرى، مع أنه لا تأثير لهم في نشوب الحرب واستمرارها؛ وكذلك كان تطبيق النبي صلى الله عليه وسلم في حياته والأصحاب الكرام من بعده، وهذا مما تطلب الدراسة في هذا الموضوع.

ويمكن بيان الأسباب التي تجعل أخذهم كأسرى مشروعا على النحو التالي:

اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية النساء والأطفال تجاء الأعداء الذين يهاجمون من أجل الحصول على الأراضي والموارد الطبيعية.

بهدف حماية النساء والأطفال حين يهاجم المسلمون لرد العدوان.

إجبار العدو على الهدنة من أجل السلام، وتبادل الأسرى بين الطرفين إن لزم الأمر.

توفير العيش والأمن للنساء والأطفال أثناء الحرب. هذا والله أعلم بالصواب.

وبعبارة أخرى فإن الهدف من أخذ النساء والأطفال كأسرى هو منع اندلاع الحرب وإنهائها بأقصر وقت ممكن، وتقليل الضرر في الأرواح والأموال على قدر الامكان. لأن الناس كثيرا ما لا يتحملون وقوع الأهل والأولاد أسرى في أيدي العدو بالرغم من تحملهم شخصيا ما هو أقصى من ذلك كما سنضرب عليه الأمثلة فيما يلي:

قال رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم حين جاءه وفد ‏ ‏هوازن ‏ ‏مسلمين فسألوه أن يرد إليهم أموالهم فقال لهم: ‏معي من ترون، وأحب الحديث إلي أصدقه، فاختاروا إما ‏السبي ‏‏وإما المال. فقالوا نختار ‏سبينا. ‏ ‏فقام رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم ‏‏فأثنى على الله ثم قال أما بعد فإن إخوانكم هؤلاء جاءوا تائبين وإني قد رأيت أن أرد إليهم ‏‏سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيب ‏ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء ‏الله علينا فليفعل. فقال الناس قد طيبنا ذلك لهم يا رسول الله. فقال لهم رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم‏ ‏إنا لا ندري من أذن منكم ممن لم يأذن فارجعوا حتى يرفع إلينا‏ ‏عرفاؤكم أمركم فرجع الناس وكلمهم عرفاؤهم فأخبروهم أنهم قد طيبوا وأذنوا.[17] وفي هذا الحدث ما يدل على أن الأسر من الوسائل الرادعة للحرب.

مجرموا الحرب ومن لا يجوز أسره

والكفار الذين يجوز قتلهم في المعركة، هم الذين أذن الله أن نقاتلهم بسبب ظلمهم أو أعلنوا الحرب على المسلمين وقاتلوهم فعلا. ولا يجوز الأسر في المعارك التي تجري بين المسلمين. وكذلك من كان في صفوف العدو وأعلن إسلامه بأي شكل من الأشكال مثل سهيل بن البيضاء في البدر.[18]

ويقتل العدو ولا يجوز أسره قبل إثخانه منعا لإستئناف الحرب، وليكون عبرة لمن يريد الحرب بعده، ولأن الله تعالى حرم الأسر قبل تدمير القوة المقاتلة والأهداف الاستراتيجية للأعداء، وعدم الإذعان لحكم الله تعالى في المسألة هو إثم يُخاف أن يحل به عذاب الله.

والذي يقتل من الأسرى هو من ارتكب جريمة قبل الحرب توجب الاعدام، ومجرمي الحرب الذين يرتكبون الجرائم بإعلانهم الحرب بهدف الحصول على الهيمنة الاقتصادية والسياسية.[19] ولا يتحمل الأسرى المسؤولية عما أتلفوا من أموال المسلمين وأرواحهم في المعركة. وهو مما اتفق عليه العلماء الفقهاء.[20]

هناك وسائل تؤدي إلى الأسر من غير الحرب

وبنزول الآية الرابعة من سورة محمد التي تبين مشروعية الأسر وقواعده بدأ عصر جديد شرع فيه نظام الأسر وانتهى عصر العبودية ووسائله. إلا أن القواعد المتعلقة بنظام الأسر قد شملت العبيد. وهو مما يدل أن العبودية الموجودة مؤقتة وسيرسخ مكانها نظام الأسر؛ وبقي هناك طريق ثاني للأسر من غير الحرب؛ وهو أن من ولد من أب أسير وأمّ أسيرة يصبح أسيرا أو من أب مملوك وأمٍّ مملوكة يصبح عبدا مملوكا.[21] لذا وضع الإسلام بعض شروط ليتحقق بينهم الزواج.

وموضوع بيان مصير الأولاد نتيجة زواج عبد مملوك من أمة ليس هو مشكلة الإسلام، فلا حاجة للوقوف عليه، فعلى النظام الجاهلي الذي يجعل العبدودية مشروعة من غير الإسلام أن يقف على هذا الموضوع. أما الأولاد نتجية زواج أسير من أسيرة حالة نادرة، لأن الإسلام كما سنوضح لديه إمكانية يستطيع أن ينهي بها الأسر. حيث يأمر الإسلام بإطلاق سراح الأسرى مقابل الفدية أو بدونها منا لهم. ونود أن نلقي الضوء على حالة نادرة في الإسلام في تحديد مصير الأولاد نتيجة زواج أسير من أسيرة:

قال النبي صلى الله عليه وسلم: “الولد للفراش”[22] أي أنه يتبع الأم. وعلى هذا فإن الولد المتولد زواج أسير من أسيرة سيكون حرا لأن الأم تصبح حرة بكونها أم ولد سيدها.

وإذا تزوج الرجل من أمَة الغير واشترط بأن يكون الأولاد الذين سيرزقانهما أحرارا، فيكون الأولاد أحرارا حسب الاتفاق. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ أَحَقَّ الشَّرْطِ أَنْ يُوفَى بِهِ، مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ”.[23]

الإجراءات فيمن لا يجوز استعبادهم من الأسرى

والآية الرابعة من سورة محمد التي تشكل بها نظام الأسرى في الإسلام والأحاديث التي أوردناها في شرح هذه الآية أوضحت الاجراءات التي تتخذ تجاه أسرى الحرب. فالآية المذكورة آنفا قانون إلهي لمنع استعباد الأسرى؛ لأنها تجعل الأسر بعد الحرب المشروعة مشروعا، وتبين ما يفعل بالأسرى بعد انتهاء الحرب في مادتين؛ اطلاق سراحهم بالفدية أو بدونها منا لهم.[24]

والهدف من هذه الاجراءات هو تحرير الأسرى بأسرع وقت ممكن؛ خصوصا أن موضوع الأسرى هو أحد العواقب الوخيمة للحروب القاتلة.

وعلى الرغم من الآية الرابعة من سورة النور التي تأذن بأخذ الأسرى حتى تضع الحرب أوزاها ومن ثم إطلاق سرحهم بالفدية أو بدونها منا لهم حسب الظروف؛ يقول علماء الإسلام وعلى رأسهم أبو حنيفة بجواز قتل الأسرى أو استعبادهم من قبل الحكومات الإسلامية. وقد تحول نظام الأسر في الإسلام إلى نظام جديد للعبودية في ظل مثل هذه الاجتهادات المضادة للكتاب والسنة؛ ولا تزال هذه الأفكار راسخة في العالم الإسلامي بالرغم من عدم إمكانية تطبيقها بالفعل.[25]

ويمكن توضيح ما جاء في الآية الرابعة من سورة النور بخصوص إطلاق سراح الأسرى على النحو التالي:

1. اطلاق الأسرى بدون فدية

وقد طُبِّق هذا الأمر على نمطين:

حسبما طبق النبي صلى الله عليه وسلم، يطلق سراح من يستطيع دفع الفدية لفقره بدون الفدية حسب الظروف الراهنة إذا تعاهد على أن لا يحارب ضد المسلمين.

وعلى سبيل المثال، فقد أطلق النبي صلى الله عليه وسلم الشاعر عز الجماحي بشرط أن لا يحارب ضد المسلمين؛ ورئيس اليمامة سمامة بن أصالة على أن لا يبيع القمح لأهل مكة. وأعلن سمامة بن أصالة أنه لا يستطيع حمل القمح إلى مكة وبيعها هناك. وكذلك أطلق النبي صلى الله عليه سراح مشرك في بدر لأنه كان له بنات كثير ولم يكن من يرعاهن.[26]

ولما كان يوم الحديبية، هبط على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ثمانون رجلا بالسلاح من جبل التنعيم يريدون غرّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأُخذوا أسرى، فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقتلهم. وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى: «وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا» (الفتح، 48 / 24).

وقد قال النبي صلى الله عليه في أُسَارَى بَدْرٍ: “لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ”.[27] وهو مما يدل على جواز إطلاق سراح الأسرى دون فدية منا لهم بتوسط الأشخاص والمؤسسات الدولية ذات التأثير والفضيلة في تحقيق السلم بين الأطراف المعنية حسب الظروف.

انقاذ من في يد العدو من أسرى المسلمين أو من مواطني الدولة الإسلامية، كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بمبادلة الأسرى مع المشركين حيث أطلق سراح مشرك مقابل أسيرين مسلمين في يد المشركين.[28] ومثال آخر للموضوع ما روي عن إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، قال: غزونا مع أبي بكر هوازن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنفلني جارية من بني فزارة من أجمل العرب، عليها قشع لها، فما كشفت لها عن ثوب، حتى أتيت المدينة، فلقيني النبي صلى الله عليه وسلم في السوق، فقال: «لله أبوك هبها لي» فوهبتها له، فبعث بها، ففادى بها أسارى من أسارى المسلمين كانوا بمكة.[29] أما اطلاق سراح الأسرى بدون فدية منًّا لهم هو عموما من أجل كسب مرضاة الله تعالى.

2. اطلاق سراح الأسرى مقابل فدية

اطلاق سراح الأسرى مقابل فدية، هو اطلاقهم مقابل ما يؤخذ منهم من نقود أو مال أو مجوهرات، أو ما يقوم مقامها كما كان في أسرى البدر. وقد يطلق سراح الأسير مقابل خدمة يقوم بها لمدة معينة مثل التدريس.[30]

وخلاصة الكلام أن الأسرى يطلق سراحهم إما بالفدية أو بدونها منا لهم. أما  قتل الأسرى ولو ضمن المعاملة بالمثل أو استعبادهم فمخالف للقرآن الكريم كما أوضحنا ذلك من قبل.[31]

الاستيلاء على الأسرى مع أراضيهم، وذكر حادثة خيبر كنموذج

ويمكننا أن نضيف هنا ما يلي: إذا وقع الناس أسارى في الحرب مع أراضيهم لا يُعاملوا كالأسرى بل يتركوا في أراضيهم على أن يؤخذ منهم نصف محصول أراضيهم في كل سنة، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع أهل الخيبر.[32] وهكذا يؤدون نصف المحصول كل سنة حتى يصبحوا أحرارا، كما كان يطبق في البلدان التي فتحت من قبل الجيش الإسلام في عهد الخلفاء الراشدين، حيث كانت الأراضي تتكرك إلى أصحابها مقابل دفع الضرائب.

وعندما لا تكون الأوضاع الخاصة التي تؤدي إلى الحرب والبيئة الدولية غير قادرة على توفير الأرضية اللازمة للتطبيقات المذكورة حينئذ يوزع الأسرى على أفراد الجيش بقرار من الحكومة الإسلامية. من الممكن أن يوزع لكل جيش عددٌ من الأسرى والجواري ليستخدموا في مجالات مختلفة لتوفير المأكل والمشرب والمسكن والعلاج وغيرها من الاحتياجات الضرورية للحياة. ويتم التوزيع وفقا لما بينه الله تعالى في القرآن الكريم في توزيع الغنائم، الخمس للدولة والباقي للجيش.[33]

وهنا نرى أن المسألة بحاجة إلى توضيح أكثر..

كما هو معلوم فإنّ الله تعالى قد حرم توزيع الغنائم حتى تضع الحرب أوزارها. وأمر بإطلاق سراح الأسرى مقابل فدية أو بدونها منا لهم. وقد أوصى الله تعالى أن يطلقوا سراح الأسرى بدون فدية منا لهم. وعلى الحكومات الإسلامية والمقاتلين أن يستعملوا حقهم في أخذ الفدية.[34]

الظروف التاريخية وتسهيلات اليوم

وقد وقد حرم الله تعالى القتال من أجل الحصول على الغنائم. وق اضطر المسلمون إلى القتال في كل مرحلة من المراحل التاريخية بما فيها العهد النبوي الشريف، بسبب ما عانوه من الاضطهاد والظلم. حيث إن أرواحهم وأموالهم وأولاد وازواجهم مُعرَّضة للخطر. علاوة على ذلك يشترك البعض في مؤونة القتال والبعض يقوم بتوفير الأسلحة التي يحملونها. ويستعملون في القتال أعز ما عندهم من الإبل والخيول. وفي حالة الهزيمة يفقدون كل شيء.

ومن ناحية أخرى لم يكن حين ذاك مكان يأوي إليه الأسرى وما يسد حاجاتهم الضرورية. ولم يكن مجال وقد حرم الله تعالى القتال من أجل الحصول على الغنائم. وقد اضطر المسلمون إلى القتال في كل مرحلة من المراحل التاريخية بما فيها العهد النبوي الشريف، بسبب ما عانوه من الاضطهاد والظلم. حيث إن أرواحهم وأموالهم وأولادهم وأزواجهم كانت مُعرَّضة للخطر. علاوة على ذلك كان البعض يشارك في مؤونة القتال والبعض الآخر يقوم بتوفير الأسلحة التي يحملونها. وكانوا يستخدمون في القتال أعز ما عندهم من الإبل والخيول، وفي حالة الهزيمة يفقدون كل شيء..

فمن أجل ذلك كان من الضروري أن يوزع الأسرى بين المقاتلين. وفيما يلي: الوظائف التي تجرى لنفع الأسرى”. فالأسر يدوم حتى يتحقق لهم الحرية بدفع الفدية أو يصبح حرا بالزواج أو ينضموا إلى المجتمع الإسلامي بإعلان إسلامهم. كما سنوضح ذلك فيما بعد.

ولكن يمكن اطلاق سراح الأسرى بالشروط التي تشكلت كبديل لتطبيقات النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان بمثابة رئيس الدولة، أو بتعهد منهم بدفع الفدية لاحقا، أو بما اتفق عليه من الشروط الدولية الملزمة. وكذلك الذين تم توزيعهم بين أفراد الجيش من الأسرى فيمكن اطلاق سراحهم بدفع فديتهم من بيت المال أو من ميزانية الجمعية الخيرية والأوقاف الإسلامية.[35]

نموذج الحل البديل في إطلاق الأسرى

قدوم وفد هوازن إلى النبي صلى الله عليه وسلم طالبا ردّ من في أيدي المسلمين من الأسرى. وهذا الحدث يمكن اعتباره نموذجا للحل البديل؛ والحدث كما يلي:

بعد توزيع الغنائم أقبل وفد هوازن مسلماً، وهم أربعة عشر رجلاً ورأسهم زهير ابن صُرَد، وفيهم أبو بُرْقَان عم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، فأسلموا وبايعوا ثم قالوا‏:‏ يا رسول اللّه، إن فيمن أصبتم الأمهات والأخوات، والعمات والخالات، وهن مخازي الأقوام‏:

فامنن علينا رسول اللّه في كـرم ** فإنـك المرء نرجـوه وننتظر

امنن على نسوة قد كنت ترضعها ** إذ فوك تملؤه من محضها الدرر

وذلك في أبيات‏

فقال‏:‏ ‏‏إن معي من ترون، وإنّ أحبَّ الحديث إلي أصدقه، فأبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم‏؟‏‏‏ قالوا‏:‏ ما كنا نعدل بالأحساب شيئاً‏.‏ فقال‏:‏ ‏‏إذا صليت الغداة ـ أي صلاة الظهر ـ فقوموا فقولوا‏:‏ إنا نستشفع برسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى المؤمنين، ونستشفع بالمؤمنين إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أن يرد إلينا سبينا‏‏، فلما صلوا الغداة قاموا فقالوا ذلك‏.‏ فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏‏أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، وسأسأل لكم الناس‏‏، فقال المهاجرون والأنصار‏:‏ ما كان لنا فهو لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقال الأقْرَع بن حابس‏:‏ أما أنا وبنو تميم فلا‏.‏ وقال عُيَيْنَة بن حِصْن‏:‏ أما أنا وبنو فَزَارَة فلا‏. ‏وقال العباس بن مِرْدَاس‏:‏ أما أنا وبنو سُلَيْم فلا‏.‏ فقالت بنو سليم‏:‏ ما كان لنا فهو لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقال العباس بن مرداس‏:‏ وهنتموني‏.

فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏‏إن هؤلاء القوم قد جاءوا مسلمين، وقد كنت استأنيت سَبْيَهُمْ، وقد خيرتهم فلم يعدلوا بالأبناء والنساء شيئاً، فمن كان عنده منهن شيء فطابت نفسه بأن يرده فسبيل ذلك، ومن أحب أن يستمسك بحقه فليرد عليهم، وله بكل فريضة ست فرائض من أول ما يفيء اللّه علينا‏‏، فقال الناس‏:‏ قد طيبنا لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقال‏:‏ ‏‏إنا لا نعرف من رضي منكم ممن لم يرض، فارجعوا حتى يرفع إلينا عُرَفَاؤكم أمركم‏‏، فردوا عليهم نساءهم وأبناءهم، لم يتخلف منهم أحد غير عيينة بن حصن، فإنه أبي أن يرد عجوزاً صارت في يديه منهم، ثم ردها بعد ذلك.[36]

لا يوجد قانون إسلامي يسمح باسترقاق الأسرى أو ما يؤدي إلى عدم إطلاقهم إلى الأبد؛ لأن القرآن الكريم يأمر بإطلاق الأسرى مقابل فدية أو بدونها منا لهم. ولكن هناك التكليفات الشرعية الاختيارية والاجبارية التي تؤدي إلى اطلاق الأسرى.[37] كما لا يلزم اليوم توزيع الأسرى على المقاتلين؛ لأنه أصبح من السهل اليوم تجنيد الجيوش الموظفين المحترفين وكذلك توفير المعسكرات لإيواء الأسرى وتشغيلهم لتوفير الاحتياجات اللازمة لهم ودفع الرواتب للمقاتلين بالحصول على تضمينات الحرب من الطرف الذي بدأ به.

كما يمكن القيام بتقديم المساعدة إلى المقاتلين الأحياء وأسر من سقط شهيدا منهم في ظل الاجتهادات وفقا للقرآن الكريم.

ولو تم توزيع الأسرى للمقاتلين فهو لحمايتهم وتكفل احتياجاتهم اليومية بضمهم إلى أسرهم الجديدة؛ وهو تطبيق أمثل لم تصل إليه المناهج المادية.

وبمقولة مشهورة “فهم لا يُؤسرون، بل يُؤسر لهم”. لأننا مأمورون أن نطعمهم مما نطعم ونلبسهم مما نلبس ونسكنهم فيما نسكن، ويمكن الزواج منهم بإذنهم ومكاتبتهم ليصبحوا أحرارا، وفوق ذلك كله قد وعد المؤمن بالجنة بإعتاقهم. وماذا بعد هذا إلا الضلال.

موقف الأسيرات (الجاريات)

بعد الاشارة إلى أن إسلام الأسير بعد الأسر لا يمنع أن يبقى أسيرا، غير أن المسلمة إذا وقعت أسيرة في أيدي المسلمين لا تتعامل معاملة الأسيرة؛ فإنه يمكن تحديد موقف الأسرى والأسيرات مع التركيز على مسألة الجواري التي هي موضوعنا الأساسي على النحو التالي:

يكون الأسرى في تصرف الدولة والأشخاص.

يكون في أيدي الأشخاص المعينين، أو في أيدي الآخرين.

يكون منهم المتزوج وغير المتزوج.

يكون منهم من يمارس الزنا ظاهرا أو خفيا، كما يكون منهم المحصنين.

يكون منهم أهل الكتاب، كما يكون منهم الماديين مع إسلامهم.

يكون منهم من أسلم بعد وقوعه في الأسر.

جدول المهام لإطلاق الأسرى دون الاسترقاق

ما هو مصير الأسير الذي لا يمكن أطلاق سراحه مقابل الفدية أو بدونها، ولا يمكن التبادل ولا يستطيع أن يتخلص من الأسر بالنقود أو المال أو بالقيام بالعمل أو لا تقوم الدولة التي ينتمي إليه بدفع الفدية عنه؟  وفي هذه الحالة على الدولة الإسلامية وأفراد المجتمع إعمال الوصايا التي شكلت نظام الأسر في الإسلام في ضوء الآية الرابعة من سورة محمد. وسنحاول أن نفصل تلك الوصايا في تسع مواد. ولكن نود لفت النظر إلى موضوع مهم قبل أن ندخل في التفصيل..

تلك الوصايا التي هي بمثابة الثورة، قد أوجبها الله تعالى على المجتمع وهو في طور الأسلمة، ويحمل الآثار الجاهلية التي تسمح بأخذ الأسرى عن طريق الغارات ليسترَقُّوا بعد ذلك ويُباعوا ويُشترَوا ويُوهبوا ويُورثوا كالأموال، وبالخلاصة أنه ترك على إنصاف صاحبه يتصرف فيه كما يشاء. وقد خلق الله تعالى ما في السموات وما في الأرض لخدمة البشر، وخلق البشر لعبادته وحده.[38] ومن العبادة إمتثال أوامره واجتناب نواهيه. لذا فإنّ أداء المهام التالية التي تؤدي إلى تحرير الأسرى هو عبادة له تعالى، تؤدي إلى الفوز بسعادة الحياة الأبدية. وبعبارة أخرى أن القيام بما يؤدي إلى إنهاء الأسر والعبودية عبادة كما أنّ القيام بالدفاع عن الوطن ضد الاحتلال عبادة.

1- اطلاق سراح الأسرى مقابل تشغيلهم لمدة معنية

الزكاة هي العبادة المالية التي يؤديها المسلمون مباشرة أو عبر الدولة أو المؤسسات المعنية قد خص الله تعالى الأسرى كأحد وجوه إنفاقها في سبيل تحقيق الحرية لهم. قال الله تعالى: «إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» (التوبة، 9 / 60).

ومن الضروري أن يتم إطلاق سراح الأسرى بما خصص من الزكاة لتحرير الرقاب كل سنة سواء كان الأسرى تحت تصرف الأشخاص أو الدولة الإسلامية. وكذلك تحرير من في أيدي العدو من أسرى المسلمين أو مواطني الدولة الإسلامية من غير المسلمين مقابل مال يدفع لآسريهم من أموال الزكاة.

ويرى بعض الفقهاء أنّ على المسلمين أن يبذلوا الجهد في تحرير الأسرى ليس بما خصص من أموال الزكاة فحسب بل بانفاق جميع ما عندهم من الأموال إذا لزم الأمر إظهارا منهم روح التعاون.[39] إنّ 12 مادة من مواد دستور الدولة التي أقامها النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة في المدينة المنورة، تلقي على عاتق المجتمع الذي شكل الدولة المهمة التالية:

النص

“… على كل طائفة تحرير من وقع منهم أسيرا في أيدي الأعداء بدفع فديته حسب ما تعارف عليه المسلمون بينهم من المبادئ المقبولة والقواعد العدلية”.[40]

والخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي تربى وتعلم من النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل تحرير من في أيدي الأعداء من أسرى المسلمين من ميزانية الدولة مبدأ من المبادئ الإسلامية. وعمر الثاني (عمر بن عبد العزيز) الذي سلك طريق عمر بن الخطاب أصدر أمرا بدفع فدية من في أيدي الأعداء من مواطني الدولة الإسلامية من غير المسلمين من ميزانية الدولة كذلك.[41]

وقد أشارت الآية الخامسة والسبعون من سورة النساء إلى حقيقة هامة جدا، وهي أن الإسلام أوجب على المسلمين أن يحرروا من في أيدي الأعداء من أسرى الدولة الإسلامية سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين. كما أمر بمساعدة المستضعفين من الرجال والنساء والولدان من غير المسلمين لإخراجهم من القرية الظالم أهلها. ومن الواضح أيضا أنه قد تم تخصيص سهم من مال الزكاة لمساعدة المكاتب كما سنقف عليه تفصيلا.[42]

2. اطلاق سراح الأسير بالكتابة

ومهمة أخرى يقوم بها المجتمع الإسلامي وحكامهم هي كتابة اتفاق مع من يريدون أن يكتبوا على أنفسهم عوضا مقابل عتقهم، وتقديم المساعدة المالية لهم لدفع العوض أي الفدية.[43]

قال الله تعالى في آية المكتابة: «وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ (عبدا كان أو أمة أو أسيرا وهي أن يقول المولى لمملوكه كاتبتك على كذا درهما تؤديه إلي وتعتق ويقول المملوك قبلته أو نحو ذلك فإن أداه إليه عتق) أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ (أي إماءكم هن كبناتكم من النسب) عَلَى الْبِغَاءِ (على الزنا أو الزواج أو الكتابة) إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ (فليعلم) فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (النور، 24 / 33). الأمر بالكتابة في الآية يفيد الوجوب.[44]

تحث هذه الآية كلا من المولى والمملوك على الكتابة بينهما من أجل تأمين الحرية للأسرى والمملوك. وقد أكدها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ” ثلاثة كلهم حق على الله عونه: الغازي في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد التعفف “.[45] ولا يجوز رد طلب الكتابة من المملوك؛ كما سنبين ذلك في الصفحات التالية، وكذلك الرجوع عنها بعد ابرام الاتفاق.

عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أن مكاتبا لأنس جاءه فقال إني أتيت بمكاتبتي إلى أنس فأبى أن يقبلها فقال: إن أنسا يريد الميراث، ثم أمر أنسا أن يقبلها أحسبه قال فأبى فقال: آخذها فأضعها في بيت المال فقبلها أنس.[46]

 لا يرفض الأسير الكتابة إذا كلف مولاه

ولا يمكن للأسير أن يرفض الكتابة إذا طلب منه مولاه ذلك بشروط معقولة، لأن أمر الله بالكتابة موجه إليه ولأن الأصل هو الحرية. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر بنصر الله تعالى من ناحية، ومن ناحية أخرى كان يحث على تحرير الأسرى والمماليك بالكتابة؛ كما حدث ذلك في حق سلمان رضي الله عنه. وكان يحث على مساعدة المُكاتب في دفع العوض عنه.

وقد كاتب سلمان رضي الله عنه صاحبه بحثٍ من النبي صلى الله عليه وسلم مقابل أن يغرس ثلاثمائة نخلة وأربعين أوقية. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه “ساعدوا أخاكم” وقد جمع الصحابة رضوان الله عليهم أربعين أوقية ودفعوها إليه.[47] وعلاوة على ذلك فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم أعتق من أسرى بدر مقابل تعليمهم الكتابة لمن لا يعرفها من المسلمين.[48]

المكتابة التي يمكن تعريفها بأنها تحرير الأسير / المملوك نفسه بنفسه، وتهدف الفدية المدفوعة للمالك تحرير المملوك وكذلك تحرير الجارية. وكلاهما أي أخذ الفدية وتحرير الجارية مشروعان. لذا لا بد من تقديم المساعدة للجارية. ولكن لا يمكن الوصول إلى الهدف المشروع إلا بما هو مشروع من الوسائل، فلا يجوز إكراه الجارية على البغاء من أجل تحقيق هدف مشروع وهو العتق والتحرر من الأسر. لذا قوله تعالى في الآية السابقة “وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء”، بعد الأمر بالكتابة. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن كسب البغي خبيث وأمر باجتنابه. ونفهم منه أن كسب الإماء بالغناء خبيث.[49] وكذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتنزه عن كسبهن ومتى لم يكن لعملهن وجه معلوم يكتسبنه به فهو أبلغ في النهي وأشد في الكراهة.[50]

وعن رافع ابن خديج، قال: “نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كسب الأمة حتى يعلم من أين هو”. قال في النيل: نحو الخبز والغزل والنفش.[51]

عن عائشة، أنها كان لها غلام وجارية، زوج. فقالت: يا رسول الله إني أريد أن أعتقهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن أعتقتهما، فابدئي بالرجل قبل المرأة”، من المكن أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها بأن تبدأ بالرجل خوفا من احتمال وقوعها في الزنا لو بدأت بها.[52]

عن سهيل بن مالك، عن أبيه، أنه سمع عثمان بن عفان وهو يخطب يقول: لا تكلفوا الأمة غير ذات الصنعة الكسب، فإنكم متى كلفتموها الكسب، كسبت بفرجها.[53]

3. تحرير الأسرى / المملوك جزاء القتل الخطأ

وهنا طريف لتحرير الأسرى / المملوك من غير ما ذكرنا سابقا وهو جزاء القتل الخطأ وهو حكم قرآني؛ قال الله تعالى: «وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ» (النساء، 4 / 92).

ونفهم من جعل الإسلام جزاء القتل الخاطأ تحرير رقبة (الأسير أو المملوك) أن العبودية بمثابة الموت وانهاءها هو الإحياء. من هنا وبحسب منطق القرآن[54] نستطيع أن نقول أن استعباد نفس هو استعباد جميع الناس، وتتحريرها تحرير الناس جميعا.

وهنا نقطة مهمة ينبغي أن نلفت النظر إليها، وهي كون الرقبة التي أمر الله بتحريرها جزاء للقتل الخاطأ أن تكونمؤمنا. ويمكننا القول أيضا أن الأولى بالتحرير جزاء للقتل الخطأ المحافظ على صلاته منهم سواء كان قد انتقل من الجاهلية أو أسر في الإسلام؛ هذا ما ينبغي أن يكون. وسنضرب لها الأمثلة إن شاء الله.

عن أبي الزبير، عن جابر، قال: جاء عبد فبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الهجرة، ولم يشعر أنه عبد، فجاء سيده يريده، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “بعنيه”، فاشتراه بعبدين أسودين، ثم لم يبايع أحدا بعد حتى يسأله: “أعبد هو؟”[55]

ولكن يشترط أن يكون العبد المأور بتحريره في كفارة الظهار مؤمنا بغض النظر عن العرق واللسان واللون.

وتحرير العبد / الأسير جزاء القتل الخطأ يبقى مستمرا حتى تقوم الساعة. لأنّ أحداث القتل الخطأ لا تزال مستمرة ما بقي للأنسان حياة على هذا الكوكب، وعلى رأسها حوادث العمل والمرور.

تحرير العبد / الأسير في كفارة اليمين والظهار والصوم والجماع في الحيض:

جاء في القرآن الكريم في كفارة اليمين والظهار قوله تعالى: «لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» (المائدة، 5 / 89).

وقوله تعالى: «وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» (المجادلة، 58 / 3).[56]

 كفارة الصوم

لم يرد في القرآن الكريم كفارة من جامع زوجه وهو صائم. ولكن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن كفارة من جامع زوجه وهو صائم هي عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا.

عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هلكت. قال: “وما شأنك؟” قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: “تستطيع تعتق رقبة” قال: لا. قال: “فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين” قال: لا. قال: “فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا” قال: لا. قال: “اجلس” فجلس، فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر – والعرق المكتل الضخم – قال: “خذ هذا فتصدق به” قال: أعلى أفقر منا؟ فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، قال: “أطعمه عيالك”[57]

اطلاق سراح العبد / الأسير في كفارة من جامع زوجه وهي حائض

وعن ابن عباس قال: “جاء رجل إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: يا رسول الله، أصبت امرأتي وهي حائض، فأمره رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن يعتق نسمة، وقيمة النسمة يومئذ دينار”.[58]

اطلاق سراح العبد / الأسير إبتغاء وجه الله فقط

وقد بين الله تعالى في كتابه أن تحرير الرقاب من الأعمال الصالحة التي تؤدي إلى الجنة، كما بشر رسوله صلى الله عليه وسلم في أحاديثه أن تحرير الرقاب من الأعمال الصالحة التي تنجي من النار، وهذا _بلا شك_ يفتح بابا لتحرير الرقباب والأسرى كافة.

قال الله تعالى: «وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا» (النساء، 4 / 36). «فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ، فَكُّ رَقَبَةٍ،[59] أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ، أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ، ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ، أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ» (البلد، 90 / 11-12).[60]

وجاء في الآية 178 من سورة البقرة قوله تعالى: «لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ».

يأمر الله تعالى في القرآن الكريم بالإحسان للأسرى بوجه عام وبتحريرهم على وجه الخصوص. ويشجع رسول الله صلى الله ليه وسلم على ذلك بالتبشير، حيث قال: “أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا اسْتَنْقَذَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ”.[61]

عن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري أن أمه أرادت أن توصي، ثم أخرت ذلك إلى أن تصبح فهلكت، وقد كانت همت بأن تعتق، فقال عبد الرحمن فقلت للقاسم بن محمد أينفعها أن أعتق عنها؟ فقال القاسم إن سعد بن عبادة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن أمي هلكت فهل ينفعها أن أعتق عنها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم.[62]

وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الترغيب والتهريب: عن البراء، قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة قال «لَئِنْ قَصَّرْتَ فِي الْخُطْبَةِ لَقَدْ عرَّضْتَ الْمَسْأَلَةَ، أَعْتِقِ النَّسَمَةَ وَفُكَّ الرَّقَبَةَ» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَمَا هُمَا سَوَاءٌ؟ قَالَ: «لَا، عِتْقُ النَّسَمَةِ أَنْ تُفْرِدَ بِهَا وَفَكُّ الرَّقَبَةِ أَنْ تُعِينَ فِي ثَمَنِهَا، وَالْمِنْحَةُ الْوَكُوفُ وَالْفَيْءُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الظَّالِمِ» قَالَ: فَمَنْ لَمْ يُطِقْ ذَلِكَ؟ قَالَ: «فَأَطْعِمِ الْجَائِعَ وَاسْقِ الظَّمْآنَ» قَالَ: فَإِنْ لَمْ أَسْتَطِعْ؟ قَالَ: «مُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ» قَالَ، فَمَنْ لَمْ يُطِقْ ذَاكَ؟ قَالَ: «فَكُفَّ لِسَانَكَ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ».[63]

وقبل أن نختتم هذا المبحث، هناك حقيقة يجب أن نلفت النظر إليها وهي: أنه لا يمكن أن يرفض العبد / الأسير الحرية، لأنها حق له قد أعطاه الله تعالى إياها حين خلقه.[64]

يطلق سراح العبد / الأسير إذا تعرض للعنف والقمع من مالكه

وقد سنّ النبي صلى الله عليه وسلم إطلاق سراح الأسير وتحرير العبد بوجه عام، ويصبح الأمر أشد تأكيدا في حالة تعرضه للضرب والجرح والتعذيب أو بوطء الجارية جبرا أو إكراهها على الزنا من قبل مالكها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  “اعلم، أبا مسعود، أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام”. وقال صلى الله عليه وسلم: “من ضرب غلاما له حدا لم يأته، أو لطمه، فإن كفارته أن يعتقه”.[65]

وكذلك كفارة إكراه الفتيات على الزنا العتق كما بينا سابقا. وعلى سبيل المثال: كان لعبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين جارية تدعى معاذة، وكان إذا نزل به ضيف أرسلها إليه ليواقعها، إرادة الثواب منه والكرامة له. فأقبلت الجارية إلى أبي بكر، رضي الله عنه فشكت إليه ذلك، فذكره أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم، فأمره بقبضها.[66]

يطلق سراح العبد / الأسير إذا كان ذا رحم محرم للمالك

عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من ملك ذا رحم محرم فهو حر”.[67]

يطلق سراح العبد / الأسير عن طريق الوصية

وقد حث الإسلام المؤمنين على الأعمال الخيرة النافعة للفرد والمجتمع عن طريق التواصي. ويصرف ما يوصي المتوفى من تركته بشرط أن لا يتجاوز ثلث التركة لتحرير الرقاب. كما وردت أمثلة كثيرة عن الصحابة في هذه المسألة. عن عمران بن حصين، “أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجزأهم أثلاثا، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة، وقال له قولا شديدا”.[68]

اطلاق سراح العبد / الأسير عن طريق الزواج والتزويج

وقد حث الإسلام أولياء الأمور من المؤمنين أن يزوجوا من لا زوج له من المسلمين الأحرار وكذلك من يصلح للزواج من العباد والإماء قال الله تعالى: «وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ» (النور، 24 / 32). والذي لا يصلح للزواج هو المشرك أو الزاني ومتخذوا الأخدان.[69] فهم يستخدمون في الوظائف المختلفة.

والأسيرات الاتي يتم توزيعهنّ بين أفراد الجيش لا يجوز الخلوة بهنّ، ومن فعلها فقد زنا. ويسقط الحد عنه بسبب الشبهة، ولكن عليه أن يعتق الجارية كفارة لما فعل.[70] ولا يجوز الخلوة بالجارية إلا بنكاح صحيح عن تراض منهما. ويجب تزويج الجارية إذا دعت إليه الحاجة.

تزويج الجواري والزواج منهن إذا توافرت الشروط يفتح لهن بابا للحرية، مثل الإدراءات التي بيناها آنفا في البنود الثمانية. لأن زواج المالك من جاريته بإذن السلطة المعنية يجعلها حرة، كما سنبين ذلك. وكذلك زواجها من رجل آخر بإذن مالكها يفتح لها الطريق إلى الحرية. لأن المهر الذي ستأخذه يمكن أن يكون بداية الكتابة للعتق. ومن الجدير أن نتذكر هنا أن الجارية التي دُخِل بها جبرا أو بالخداع تُعتق بقرار المحكمة.

الأوامر القرآنية وتعاليم السنة النبوية الشريفة التي بيناها آنفا في البنود الثمانية هي الأوامر والتعاليم اللازم تنفيذها، إذ إن لها تأثيرا قويا يؤدي إلى حرية الجواري / الأسيرات خلال مدة معنية ويجعل كل واحدة منهن فردا من أفراد المجتمع الإسلامي الذي يرتبط بالإسلام من صميم قلبه. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: أوصاني حبيبي جبريل بالرفق بالرقيق حتى ظننت أنه سيضرب له أجلاً يخرج فيه حرا.[71]

وهذا الحديث وأمثاله كثيرة تدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يهتم بتحرير الرقيق ويطبق ما أخذ من القرآن الكريم من المبادئ الأساسبة التي تدعو إلى الحرية قولا وفعلا. ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة يمسك في يده من دخل تحت تصرفه من العبيد والإماء والأسرى والأسيرات عن طريق مشروع مدة طويلة بل كان يطلق سراحهم بوسائل شتى. وقد أعتق قبل أن ينتقل إلى الرفيع الأعلى كل من كان تحت تصرفه الشخصي أو تحت تصرف الدولة الإسلامية من الأسرى: عن عاصم عن زر قال سألت عائشة عن ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا عبدا ولا أمة ولا أوصى بشيء.[72]

 وهنا نقطة مهمة نود أن نقف عليها وهي أنّ الطرق والوسائل التي سنتها الآيات القرآنية والتي يتم بها إنهاء العبودية كما ذكرناها آنفا في البنود التاسعة، هل تركز على إنهاء العبودية الموجودة أم هي باقية وماضية في حق الأسرى إلى يوم القيامة؟.

لو درسنا الآيات التي تأمر بتحرير الرقاب والسور التي جاءت فيها تلك الآيات (الآية الستون من سورة التوبة، والآية الثانية والعشرون والثالثة والعشرون من سورة النور، والآية السادسة والثلاثون والآية الثانية التسعون من سورة النساء، والآية التاسعة والثمانون من سورة المائدة)، نرى أن الآية الرابعة من سورة محمد هي آخر ما نزل في هذا الموضوع، وهي تجعل الأسر مشروعا وفي نفس الوقت تأمر بإطلاق سراح الأسرى مقابل فدية أو بدونها منا لهم. كما فُسر قوله تعالى: «فكُّ رقبة» في سورة البلد بتحرير الأسرى. عن أبي موسى رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” فكوا العاني، يعني: الأسير، وأطعموا الجائع، وعودوا المريض”.[73]

وهذا يدل على أن الآيات الواردة في الرقبة وتحريرها وما ملكت الأيمان تشمل الرق الموروث من الجاهلية والأسرى بعد الإسلام حتى يوم القيامة.



[1]   هدفنا الأصلي هو بيان موضوع “الجواري المستعبدة والاستغلال الجنسي لهن” كما أشرنا إليه سابقا، و فهم القرآن الكريم في هذا الموضوع فهما صحيحا. وتحقيقا للهدف وتجنبا لأن يكبر حجم الكتاب اتخذنا في هذا الباب طريق الإيجاز.

[2]   أنظر: سورة الحشر، 59 / 22-23؛ وسورة النحل، 16 / 90؛ وسورة الحجر، 15 / 49.

[3]   أنظر: سورة البقرة، 2 / 208؛ وسورة الشعراء، 25 / 215؛ وسورة الجاسية، 45 / 14.

[4]   صحيح البخاري، كتاب الجهاد، 112؛ وصحيح مسلم، كتاب الجهاد، 20.

[5]    محمد حامد الله جهاد النبي صلى الله عليه وسلم، صـ. 12-13.

[6]  رواه الإمام أحمد، (5/352)  من تفسير ابن كثير؛ صحيح مسلم، رقم الحديث: 1731؛ سنن الدارمي، رقم الحديث: 2483.

[7]  أنظر: محمد حامد الله، إدارة الدولة صـ. 166؛ التاج، 4 / 397؛ محمد أبو زهرة، مفهوم القتال في الإسلام صـ. 75. وقد أمر النبي صلى الله بقتلى بدر أن يلقوا في قليب بدر. (مسلم : الجنة وصفة نعيمها وأهلها ؛ عرض مقعد الميت من الجنة والنار عليه …).

[8]  أنظر: سورة الأنفال، 8 / 7-8، 67.

[9]   أنظر: سورة البقرة، 2 / 208؛ سورة النساء، 4 / 76.

[10]  كان في المجتمع الجاهلي المخاطب الأول بالإسلام عادة الأسر والنهب بطريق غير مشروعة، وكان الأسير يقتل أو يعذب أو يباع لمن يقتله أو يعذبه؛ ويستعبد من بقي؛ وأحيانا يطلق سراحه مقابل فدية أو عن طريق تبادل الأسرى. ولكن الإسلام لم يأذن بالحرب إلا بسبب مشروع وأمر أن يطلق سراح الأسرى مقابل فدية أو منا لهم. (أنظر: الموسوعة الإسلامية الصادرة عن وفق الدراسات الإسلامية التابعة لوزارة الشؤون الدينية الإسلامية التركية). وهكذا قد بينا أن الإسلام لا يجيز الأسر في معركة جرت بين الدولة الإسلامية والدولة التي عقد معها اتفاق.

[11]  قال الله تعالى: «فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ» (الأنفال، 8 / 57).

[12]  وقد بينا المراد من كلمة “الرقاب” في بيان معاني المصطلحات المتعلقة بالأسر. ولمعرفة الفرق بين نظام الأسر والعبودية يرجى مراجعة الموضوعات المتعلقة بها.

[13] يخبرنا القرآن الكريم أن الله تعالى أرسل إلى كل أمة رسولا وأنه لم يحل لأي رسول الأسر فضل عن استعباد الأسر نتيجة حرب مشروع. كما صرح القرآن أنه لا حق لنبي أن يستعبد الناس. كما قال الله تعالى: « مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ» (آل عمران، 3 / 79).

 

[14]  الغزوات والسرايا التي نظمت تجت قيادة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرم ما يقرب من 78 مرة  لم يكن الهدف منها الأسر ومعظم الأرى الذي وقع في يد المسلمين تم إطلاق سرحهم بدون أخذ الفدية منا لهم. (موسوعة السيرة النبوية، 1 / 431). وقال الله تعالى يؤكد أسر بني قريظة: «وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً» (الأحزاب، 33 / 26).

[15]  أنظر: سنن أبي داود، الجهاد 98، 12.

[16]  محمد أبو زهرة، نظرية الحرب في الإسلام، صـ . 120؛ محمد حامد الله، الوثائق السياسية، صـ . 231.

[17]  البخاري، كتاب العتق رقم الحديث: 2539.

[18]  الشوكاني، نيل الأوطار نقلا من الترمذي.

[19]  ومن بداية العهد المكلي للإسلام أمر الله تعالى باطعام الفقير العاجز عن الكسب (المسكين) ، واليتيم الذي مات أبوه، وهو دون سن البلوغ والأسير العاني الذي لا يملك لنفسه قوتا. (أنظر: سورة الإنسان، 76 / 8؛ وسورة البلد، 90/ 11-16). لما قفل النبي صلى الله عليه وسلم من بدر راجعاً إلى المدينة قتل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط، ولم يقتل من أسارى بدر غيرهما، وقصتهما معروفة. وكذلك امرُ النبى صلى الله عليه وسلم قبل فتح مكة بقتل عبد الله بن الاخطل داخل المسجد الحرام و لو متعلقا باستار الكعبه، وهو بسبب كونهم مجرمي الحرب. (أبو داود، الجهاد 127؛ البخاري، الجهاد 82 / 4). ذلك أن عقبة بن أبي معيط معروف باظطهاده المؤمنين الضعفاء الذين لم يستطيعوا الهجرة. وأراد أن يخنق النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي. (أنظر: محمد حامد الله، نبي الإسلام، صـ . 93. مادة: 176). وكذلك النضر بن الحارث معروف بظلمه على المؤمنين مثل عقبة بن أبي معيط. (الموسوعة الإسلامية لوقف الديانة التركي ، 5 / 326). وعلى هذا فلا يجوز قتل الأسرى بقرار المجلس الإدارة استنادا على ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.

[20]  محمد حامد الله، إدارة الدولة في الإسلام، صـ. 262.

 [21]  وقد جاء هذا الحكم في التوراة بسفر الخروج، 21 / 4. ولكن الإسلام قد ألغاه تماما بالرغم من وجود التطبيقات بين المسلمين بلا دليل يستندون إليه.

[22]  أمر الله تعالى في القرآن الكريم المؤمنين بالإحسان إلى الوالدين، وبالقيام بما يتوجب عليه نحوهما، وذكر الله تعالى الإنسان بصورة خاصة بما تحملته أمه من العناء والجهد والمشقة في حمله وولادته، وإرضاعه وتربيته، فقد حملته في جهد (وهن) يتزايد بتزايد ثقل الحمل، ثم أرضعته في عامين كاملين، وهي تقاسي من ذلك ما تقاسي من المشاق. (أنظر: سورة الإسراء، 17 / 23؛ سورة لقمان، 31 / 14؛ سورة الأحقاف، 46 / 15). كما قال الله تعالى عن عيسى، ابن مريم تنويها إلى منزلة الأم: «قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ، قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ» (المائدة، 5 / 116).

[23] سنن ابن ماجة، باب الشرط في النكاح، رقم الحديث: 1954. وقد رسخ بعض المسائل المشار إليها في ثقافتنا على النحو التالي: إذا تزوج الرجل من أمة غيره وأنجبت الولد فيكون لمولاها، إذا لم يشترط في عقد النكاح كون المولود حرا. (عمر نصوحي بلمن، القاموس، الكتاب الثالث، المادة: 11 / 586-587).

[24]  أنظر: الموسوعة الإسلامية الصادرة من إدارة الشؤون الدينية التركية، 11 / 586-587.

[25]  أحكام القرآن للجصاص عند تفسير الآية الرابعة من سورة محمد؛ فتح القدير للشوكاني؛ ألماليلي حمدي يازر؛ وهبة الزحيلي، موسوعة الفقه الإسلامي، باب الأسر 8 / 226-232. ونورد هنا موجز ما ذكره وهبة الزحيلي في “آثار الحرب” الصفحة: 39، نقلا عن مغني المحتاج 4 / 128؛ والمغني، 8 / 376؛ وشرح السيرالكبير، 2 / 269؛ وحاشية العدوي، 2 / 28:

“يقول الشافعية والحنابلة والزيدية باسترقاق الأسير. ويرى الحنفية أن الأسير يسترق بقرار رئيس الدولة.  أما المالكية فيقولون للحكومة حق الترجيح في الأسير بين أن يسترق أو يطلق سراحه بالفدية أو بدونها منا له”.

[26]  القرطبي، عند تفسير الآية الرابعة من سورة محمد، 16 / 228؛ نيل الأوطار، 7 / 345؛ ألماليلي حمدي يازر، 4373؛ البخاري، المغازي 70؛ نبي الإسلام المادة: 193.

كان أبو العز شاعرا يهجو ويطعن المسلمين بالشعر. وقد عفاه النبي صلى الله عليه وسلم حين أسر في البدر وأطلق سراحه. ولكنه استمر فى محاربة المسلمين وحين أسر في أحد حكم عليه بالقتل لكونه من مجرمي الحرب. (ابن كثير، السيرة، 3 / 102؛ فتح الباري، 10 / 530؛ نبي الإسلام، المادة: 372). (ولمزيد من المعلومات في موضوع الأسر أنظر إلى “موسوعة السيرة النبوية، 1 / 431).

[27]  أبو دود، كتاب الجهاد 130؛ كتاب الأموال، المادة: 302. وانظر في تبادل الأسرى: نيل الأوطار، 7 / 348.

[28]  أبو داود، كتاب الجهاد،130.

[29]  سنن ابن ماجه، كتاب الجهاد، رقم الحديث: 2846

[30]  الدولة الإسلامية تحدد مقدار الفدية حسب الظروف المادية للأسرى، وعلى سبيل المثال قد تم تحديد فدية بعض أسرى البدر من 1000 درهم إلى 4000 درهم. وفدية البعض الآخر أن يقوم بتعليم عشر من أطفال المسلمين الكتابة والقراءة. (صحيح مسلم، كتاب الجهاد 58).

[31]  وكان من الصحابة عبد الله بن عمر رضي الله عنه ومن التابعين حسن البصري، ومجاهد، وعطاء يرون أن قتل الأسرى مخالف للقرآن الكريم. وقد اعترض عبد الله بن عمر رضي الله عنهما على خالد بن وليد حين أمر بقتل الأسرى الذين تم ضبطهم تحت قيادته. وقبل خالد اعتراض عبد الله بن عمر وترك قتل الأسرى قائلا أعوذ بالله من قتل الأسرى. (التجريد، رقم الحديث: 1636. 10 / 377)؛ ولمطالعة الأراء المختلفة أنظر: أسرار الحرب للزحيلي، ص. 402-410)

من الممكن أن يطرح هنا سؤال على النحو التالي: أليس ما طبق على يهود بني قريظة مخالفا للقرآن وسنة النبي صلى الله عليه وسلم؟

وهو حدث مهم جدا يستدل به في الفقه التقليدي على جواز استرقاق الأسرى وقتلهم. لذا نريد أن نضعه تحت المجهر.  (استرق النبي صلى الله عليه وسلم نساء بني قريظة، فتح الباري، 7 / 412؛ الموسوعة الفقهية، الجزء 23، المادة: الرقيق).

لما لم يطبق على بني قريظة ما طبق على بني قينقاع وبني النضير حيث حكم عليهم بالنفي مع أنه  كان في كل فريق منها سبعمائة مقاتل.

ونبدأ التفصيل بالآية 26 من سورة الأحزاب التي تشير إلى أنهم قد أسروا؛ حيث قال الله تعالى: « وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا» (الأحزاب، 33 / 26).

كان سبب محاصرة بني قريظة هو قيامهم بتنظيم حرب الخندق وضرب المسلمين من الوراء. فهم مجرموا حرب لأنه حكم عليهم أثناء الحرب. فضلا أنه لم يحكم عليهم وفقا للقرآن الكريم بل وفقا للتوراة. أي أنهم لم يقبلوا حكم النبي صلى الله عليه وسلم أثناء المحاصرة. وأصروا على طلبهم، وفي نهاية المطاف رضوا أن يحكم عليهم وفقا لشريعتهم الخاصة لهم.

رضوا بحكم سعد بن معاذ الصحابي الجليل، رئيس الأوس الذي كان بنو قريظة يوالونه في عهد الجاهلية. فحكم عليهم سعيد بما في التوراة: “قتل من بلغ الحلم من الذكور وتوزيع أموالهم كالغنيمة وأسر نسائهم وأطفالهم واسترقاقهم” (التثنية، الإصحاح العشرون، 10-15). كما أن هذا العقاب لم يُستغرب من قبل سيدهم. وكل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم هو تطبيق الحكم الذي صدر من سيدهم.

في حين كان الأمر هكذا، قد أطلق النبي صلى الله عليه وسلم سراح بعض الأسرى منهم بدون فدية منا لهم وعقد مع بعضهم العهد للحصول على حرياتهم. وحصل البعض الآخر على حرياتهم بدفع الفدية وفقا لما يراه الإسلام. وكذلك سُلِّم البعض إلى من دفع الفدية من اليهود.  (أنظر: المغازي للبخاري 30؛ صحيح مسلم، كتاب الجهاد 20؛ المغازي للواقدي، 2 / 521؛ البداية والنهاية لابن كثير، 4 / 121؛ آثار الحرب، ص. 393؛ الأحزاب، 33 / 26).

لو صح ما روي من أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بسبايا بني قريظة إلى نجد فابتاع لهم بهم خيلا وسلاحا، فهو حسب ما حكم عليهم وفقا للتوارة كما أشرنا إليه سابقا. (أنظر: السيرة النبوية لابن هشام، 3 / 245؛ السيرة الحلبية، 2 / 246).

لم يطبق النبي صلى الله عليه وسلم في خيبر الحكم الذي حُكم على يهود بني قريظة. علاوة على ذلك نكح النبي صلى الله عليه وسلم من صفية بعد أن اعتقها.

[32]  المغازي للبخاري 40؛ محمد حامد الله، نبي الإسلام، ص. 494.

وقد أحل القرآن الكريم الذي هو المرحلة النهائية والعالمية للشريعة الإسلامية، ولكنها لم تكن حلالا لأحد من الأنبياء السابقين. (أنظر: البخاري، الخمس 8؛ مسلم، الجهاد 32، المساجد 5.

[33]  الأنفال، 8 / 41.

ما رجع إلى المسلمين من مال أو عقار بدون حرب يسمى فيئا، وما رجع إليهم نتيجة حرب فيسمى غنيمة. والفيئ لا يوزع بين المقاتلين. وفي التطبيقات عبر التاريخ لم توزع الغنائم مثل الفيئ. (أنظر، طريق القرآن، عند تفسير سورة الحشرن الآية 6-10، 5 / 21. وقف الديانة التركية.

[34]  لا يجوز الأسر إلا في الحروب المشروعة وبالتالي لا يجوز أخذ الفدية إلا ممن وقع أسيرا نتيجة حرب مشروعة. وقد ذم القرآن الكريم اليهود بسبب القتال بينهم دون سبب مشروع وأسرهم البعض وقتلهم الآخر وأخذهم الفدية ممن أسروا. قال الله تعالى: « ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ» (البقرة، 2 / 85).

[35]  مثال ذلك أن أسرى الروس الذين تم توزيعهم بين المقاتلين في الدولة العثمانية سنة 1740 ميلادية  تم إعادتهم إلى الدولة؛ بهدف مبادلتهم مع أسرى المسلمين في يد الروس. وهكذا يمكن جمع الأسرى الذين تم توزيعهم بين المقاتلين في الدولة الإسلامية وإطلاق سراحهم مقابل تحرير الأسرى في أيدي الأعداء. (أنظر: نهاية العبودية في الدولة العثمانية، ص. 49-50).

[36]  أنظر: البخاري، كتاب العتق 13؛ أبو داود كتاب الجهاد 131؛ يقول محمد حامدو الله: إذا لم يرضى أحد أن يرده ما في يده من الأسرى يفتدى له من ميزانية الدولة. (إدارة الدولة في الإسلام، 1963، ص. 176).

[38] هود، 11 / 7؛ الحجر، 15 / 99.

[39]  يوسف القرضاوي، أسرار الحرب، ص. 431.

[40]  سيرة ابن هشام، 2 / 147؛ محمد حامد الله، نبي الإسلام، المادة: 357؛ أبو الحسن الندوي، السيرة، ص.

[41]  أبو يوسف، كتاب الخراج، صـ. 212؛ محمد حامد الله إدارة الدولة في الإسلام، صـ. 92.

[42]  لم يشترط كون من يعتقد في كفارة الظهار مسلما، وهكذا الأمر في المكاتب الذي يعطى له من مال الزكاة.

[43]  وكان المكاتب في الدولة العثمانمية مأذونا في الكسب ليدفع فديته وتتخرر من عبودية الأسر بدفع العوض المتفق في المدة المحددة. واطلاق سراح الأسرى بالكتابة أو بطرق أخرى من طرق الأعمال الخيرية كان تقوض عدد الأسرى على الدوام في الدولة. (خليل إنالجاق، تاريخ الإقتصاد والإجتماعية  للدولة العثمانية، 1 / 341).

[44]  أنظر: البخاري، المكاتب 1. ويراد بكلمة “البغاء” الزنا كما يراد بها الزواج أو المكاتبة حسب سياق الآية. وقد وردت الكلمة بمعنى الزنا في سورة مريم، قال الله تعالى: « قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا» (مريم، 19 / 20). والبغاء بفتح الباء بمعنى الطلب.

[45]  سنن ابن ماجة، باب المكاتب، رقم الحديث: 2518.

[46]  أنظر: عمر الفاروق وإدارة الدولة، 2 / 238.

[47]  ترجمة التجريد الصريح إلى التركية، 7 /  632.

[48]  محمد أبو زهرة، النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم، 1 / 386.

[49]  مسند الدارمي، رقم الحديث. 2624.

[50]  عو ن المعبود، 8 / 293.

[51]  عو ن المعبود، 8 / 294.

[52]  سنن ابن ماجة، رقم الحديث: 2532.

[53]  موطأ مالك رواية أبي مصعب الزهري، باب الأمر بالرفق بالمملوك.

لم تكن المرأة الحرة تزني في عهد الجاهلية. كما جاء على لسان هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان: يا رسول الله وهل تزني الحرة؟ حين قرأ صلى الله عليه وسلم «وَلا يَزْنِينَ». (السيرة النبوية: لابن كثير، ج 3، ص 603). ولكن كان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة، أرسلها تزني، وجعل عليها ضريبة يأخذها منها كل وقت. فلما جاء الإسلام، نهى الله المسلمين عن ذلك.

وكان في دومة الجندل سوق قديم من أكبر أسواق العرب قبل الاسلام وكان فيها لبني كلب قن كثير في بيوت شعر، فكانوا يكرهون فتياتهم على البغاء ويأخذون كسب أولئك البغايا. (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، 1 / 4349). ولما كان الإسلام حرم هذه العادة بالآية: «ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا».  وذكر ابن كثير في تفسيره أنه كانت أمة لعبد الله بن أبي بن سلول يقال لها: مسيكة، كان يكرهها على الفجور – وكانت لا بأس بها – فتأبى. فأنزل الله، عز وجل، هذه الآية «ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم» (النور، 24 / 33).

[54]  أنظر: الآية 32 من سورة المائدة.

[55]  صحيح مسلم، مساقات 123، رقم الحديث: 1602

[56]  الظهار: أن يقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي. فقد كان تشيع في الجاهلية العربية عادات وأحكام غريبة، سواء في نظام المجتمع القبلي كعادة الأخذ بالثأر وحبّ الانتقام والتهور في الشجاعة، أو في علاقات الأسرة العربية كأنظمة الزواج الجاهلي المشترك، وحرمان المرأة من الميراث، وتحريم المرأة بالظّهار تحريما أبديّا، فلما جاء الإسلام ألغى بعض الأنظمة، وعدّل بعضها، وأبقى بعضها، ومن الأحكام التي عدّلها جعل الظّهار يفيد التحريم المؤقت وينتهي بالكفارة، لأنه إثم من القول وزور، كما جاء في مطلع سورة المجادلة. وكفارتها مثل كفارة اليمين.

[57]  صحيح البخاري، الأدب 519؛ التاج، 2 / 67.

[58]  مجمع الزوائد، 4 / 299. وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم بحديثه هذا إلى الآية الثالثة عشر من سورة البلد.

[59]  عبارة “فك رقبة” في هذه الآية قد بينت من قبل النبي صلى الله عليه وسلم بفك العاني أي الأسير. (البخاري، كتاب الجهاد 171). كما يمكن أن نفهم “فك رقبة في هذه الآية أنها ضد عبارة “فشدوا الوثاق” في الآية الرابعة من سورة محمد.

[60]  المعنى المتبادر إلى الذهن من كلمة “الرقبة” هو الأسير. ذلك أن في المجتمع الجاهلي الذي هو المخاطب الأول بالإسلام كان يؤسر الناس أولا بالحروب غير المشروعة وبمرور الزمن إذا لم يدفعوا الفدية كانوا يستعبدون. كما كان هناك تطبيق آخر وهو: إذا أسر المقاتل أحدا بعد الحرب كان يقطع ناصيته ويضعها في كنانته، ويحتفظ بشعر ناصية الأسير حتى يدفع فديته. ومن عنده شعر ناصية الأسير فهو مالكه. (جرجي زيدان، تاريخ الحضارة الإسلامية، 4 / 36، المبحث في الموالي، اسطنبول 1927).

[61]  البخاري، التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح، كتاب العتق، رقم الحديث: 1148.

[62]  موطأ مالك، باب عتق الحي عن الميت، رقم الحديث: 2740

[63]  مسند أبي داود الطيالسي،  2/ 104، رقم الحديث: 775.

[64]  أنظر: اسطنبول في سجلات القاضي، اسطنبول، صـ. 670.

[65]  صحيح مسلم، كتاب الأيمان، 30-33.

[66]  تفسير ابن كثير، عند تفسير الآية الثالثة والثلاثين من سورة النور.

[67]  سنن ابن ماجه، باب من ملك ذا رحم محرم فهو حر.

[68]  صحيح مسلم، باب من اعتق شريكا له في عبد، رقم الحديث: 56 – (1668). ولمزيد من المعلومات في هذه المسألة أنظر: الآيات 180-182 من سورة البقرة؛ والآيات 11-12 من سورة الحجر؛ اسطنبول في سجلات القاضي، صـ . 172.

[69]  أنظر: الآية الخامسة والعشرين من سورة النساء.

[70]  وسنقف على هذه المسألة في الباب الرابع في ضوء القرآن إن شاء الله.

[71]  السنن الكبرى للبيهقي، بيروت 1992، 8 / 1.

[72] موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان، ص: 531؛ مسند أحمد، 4 / 256، رقم الحديث: 747.

رفق النبي صلى الله عليه وسلم بالجواري

نبينا الحبيب الذي كان خلقه القرآن، كان رفيقا بالنساء على  وجه عام وبالجواري على وجه خاص نظرا لأنوثتهن وضعفهن المادي والمعنوي الذي كان يؤدي أحيانا إلى العبودية. عن أنس بن مالك، قال: “إن كانت الأمة من إماء أهل المدينة، لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت”.

وذات يوم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بثمانية دراهم يريد بها السوق، فمضى، فإذا هو بجارية على الطريق تبكي، فقال لها: ما يبكيك يا جارية؟ فقالت: بعثني أهلي بدرهمين لأشتري بهما حاجتهم فأضللتهما، فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم درهمين من الثمانية ومضى إلى السوق بستة دراهم، فاشترى بأربعة دراهم قميصا ولبسه وانصرف. (شرف المصطفى، 4/ 361).

وهناك أسباب أُخر لرفق النبي صلى الله عليه وسلم بالجواري؛ منها القربى مثل قرابة الطفل من أمه:

أم أيمن الحبشية، مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحاضنته، ورثها عن أبيه، ثم أعتقها، عندما تزوج بخديجة، وكانت من المهاجرات الأول، وتزوجها زيد بن حارثة لياليَ بُعِثَ النبيُ صلى الله عليه وسلم، فولدت له أسامة بن زيد، حب رسول الله صلى الله عليه وسلم.( أنظر: سير أعلام النبلاء ، 2 / 224، ط الرسالة.)

ويروى أنه كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ لأُمِّ أَيْمَنَ: «يَا أُمَّهْ، وَكَانَ إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا، قَالَ: هَذِهِ بَقِيَّةُ أَهْلِ بَيْتِي” ( أخرجه ابن سعد، 8 / 223)، والحاكم ، 4/ 63، من طريق الواقدي.)

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يزورها دائمًا، ويكرمها، وَكَانَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُ: “أُمّ أَيْمَنَ أُمّي بَعْدَ أُمّي” “الإصابة”. وكانت هي سعيدة بهذا الأمر، وتعيشه كأنه حقيقة، فكانت تحنو عليه حنان الأم على ابنها، وتخشى عليه خشيتها، وتغضب أحيانًا عليه كما تغضب الأم، فعَنْ أَنَسٍ قَالَ: “انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ فَنَاوَلَتْهُ إِنَاءً فِيهِ شَرَابٌ -قَالَ- فَلاَ أَدْرِى أَصَادَفَتْهُ صَائِمًا أَوْ لَمْ يُرِدْهُ فَجَعَلَتْ تَصْخَبُ عَلَيْهِ وَتَذَمَّرُ عَلَيْهِ”.( أخرجه مسلم، 6471.)

زيد وزوجه أم أيمن

زيد بن حارثة رضي الله عنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جاء ذكر اسمه في القرآن الكريم تكريماً له، وقصة زيد بن حارثة تبدأ حين كان بصحبة أمه في زيارة لأهلها فخطف وبيع زيد في سوق عكاظ وكان غلاماً صغيراً واشتراه حكيم بن حزام لعمته السيدة خديجة بنت خويلد”رضي الله عنها” فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبته له. وتمضي الأيام وفي موسم الحج رآه بعض أقاربه فتعرفوا عليه وعادوا إلى ديارهم، فأخبروا أباه الذي أسرع ليفتدي ابنه ويحرره، وكان زيد يحظى عند النبي صلى الله عليه وسلم بمكانة عظيمة، لدرجة أنه كان يقال عنه: زيد بن محمد.

ولكن الله سبحانه وتعالى أنزل في القرآن الكريم آيات بتحريم التبني فأصبح بعدها زيد يسمى زيد بن حارثة، ادعوهم لآبائهم. (الأحزاب، 33 / 5) «ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين» (الأحزاب، 33 / 40).

وكذلك كان زيد يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم حباً كبيراً وجاء والده وعمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضان عليه افتداء زيد بالمال، فقال لهما صلى الله عليه وسلم:”ادعوه فخيراه فإن اختاركما فهو لكما بغير فداء وإن اختارني فو الله ما أنا بالذي أختار على من اختارني” وقال زيد: “والله يا رسول الله أنت مني بمنزلة الأب والعم وما أختار عليك أحداً قط”. فقال له والده:”أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك يا زيد؟” وهنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اشهدوا أيها الجمع أن زيداً ابني يرثني وأرثه”. وكان ذلك قبل تحريم التبني ومضى والد زيد وعمه وهما في اطمئنان عليه، وزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد ابنة عمته زينت بنت جحش”رضي الله عنها” ثم طلقها زيد فزوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم من بركة الحبشية حاضنة رسول الله صلى الله عليه وسلم “أم أيمن” وولدت له ابنه أسامة. وزينب بنت جحش هي أم المؤمنين التي نزل فيها قرآن كريم بتزويجها من النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن طلقها زيد.

[73]  صحيح البخاري، كتاب الجهاد 171.

تعليق واحد

  • لا يوجد جواري في الاسلام تم تحريف معاني الكلمات في القران
    الاحاديث و الروايات و التفاسير مجهودات بشرية يحتمل الخطا و الدس و الصواب
    توضيح أن ما جاء في كتب التراث من أن ملك اليمين هم أسرى الحرب وما أطلقت عليه الموروثات السبايا من الحرب، هو أمر لم يرد في القرءان الكريم بل هو من الإضافات البشرية وليس عليه دليل من القرءان. فليس هنا علاقة بين ملك اليمين وأسرى الحرب.

    أما ما جاء في مصير أسرى الحرب في النص القرءاني فهو شيئين لا ثالث لهما بعد نهاية الحرب:
    – المَن عليهم وإطلاق سراحهم بدون مقابل.
    – قبول فديةٍ ما مقابل إطلاق سراح الأسرى.
    ما بالك يالنساء و اولاد الاسير ؟
    ما معنى قوله تعالى ((ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا))؟
    http://www.ejaaba.com/t-128012.html
    ما معنى ملك اليمين في القران الكريم ؟
    http://www.ejaaba.com/t-128129.html
    ما المقصود في القران (الحر بالحر والعبد بالعبد) و(عبدا مملوكا )و (عبادكم وامائكم)؟
    http://www.ejaaba.com/t-128131.html
    هل يوجد رق و عبيد و جواري في الاسلام ؟ وما معنى فك او تحرير رقبة؟
    http://www.ejaaba.com/t-128130.html

تصنيفات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.