حبل الله
الذكر في الحج

الذكر في الحج

الذكر في الحج

قال الله تعالى{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} (آل عمران، 96) بحسب الآية فإنّ أول بيت بني لعبادة الله تعالى على هذه الأرض هو الكعبة المشرفة، ولأنّ آدم عليه السلام هو أول البشر وأبوهم فلا بد أن يكون هو من بنى الكعبة المشرفة.

بقيت الكعبة قائمة حتى هدمت في طوفان نوح عليه السلام واختفت معالمها، حتى يسّرَ الله تعالى لها إبراهيم وابنه اسماعيل عليهما السلام ليرفعا قواعدها من جديد، وعندما لم يتعرف إبراهيم معالم المناسك دعا ربه أن يعرفه إياها. قال تعالى على لسان إبراهيم {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (البقرة، 128)

رفع إبراهيم القواعد من البيت وأراه الله المناسك واحدة تلو الأخرى، وبذلك استطاع الناس الحج من جديد بعد انقطاعهم عنه منذ طوفان نوح عليه السلام، وأصبحت مناسك الحج كلها مَقاما لابراهيم. قال تعالى {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} (آل عمران، 97) فمقام إبراهيم هو مكان إقامته وليس بالضرورة أن يكون موضع قيامه[1]. فالمقصود بالآيات البينات هي المناسك. و{مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ} بدل من {آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ} . ولا يعقل أن يكون مقام إبراهيم ذلك البناء الصغير القريب من الكعبة، كما نصّ على ذلك بعض المفسرين، وذلك لاستحالة أن يتخذه الناس مصلى كما أمر الله تعالى، فمقام إبراهيم هو المناسك جميعها. وإن قيل لو كان كذلك فلا بد من جمع كلمة مقام، والصحيح أنها لا تجمع إلا بزيادة تاء التأنيث في آخرها وهذا غير جائز لغةً. فهي تدل على الجمع بصيغتها المفردة. وقد روي عن عطاء أن (مَقام إِبْراهِيمَ) عرفة والمزدلفة والجمار، لأنه قام في هذه المواضع ودعا فيها. وعن النخعي: الحرم كله مقام إبراهيم[2].

بعد أن رفع إبراهيم القواعد من البيت وأظهر المناسك من جديد، أمر بأن يؤذن في الناس بالحج قال تعالى {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} (الحج،27) وقد علّم الأنبياءُ أقوامَهم فريضة الحج، ومعلوم أنه ما من أمة إلا خلا فيها نذير، ولذلك قال تعالى {يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} أي من كل ناحية، وهذا لا يتأتى إلا بجهد عظيم بذله كل نبي لقومه مهما بعد مقامهم. ولم تأمر الآية إبراهيم إلا بالأذان للحج أي بالإعلان عنه، لأن أعمال الحج معروفة من لدن آدم عليه السلام.

وقد أمر الله تعالى الناس بأن يتخذوا من هذا المقام مصلى أي مكانا للصلاة والطواف والسعي والدعاء والذكر وغيرها من مناسك الحج بقوله تعالى {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} (البقرة، 125).

وحتى لا تضيع المناسك مرة أخرى أو يتم التبديل فيها والتحريف كان دعاء إبراهيم وابنه اسماعيل عليهما السلام أن يبعث الله للقوم رسولا منهم يتلو عليهم آياتِ الله ويرشدهم إلى الطريق القويم. قال تعالى على لسانهما {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (البقرة، 129) وفي الآية التالية من نفس السورة يبين الله تعالى أن اتباع ملة ابراهيم واجبة {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} (البقرة، 130)

ولا ينبغي التنكر لدين إبراهيم بالزعم أن الاسلام دين جديد جبّ ما قبله من دين. والحق أن القرآن مصدق لما بين يديه من الكتاب ومهيمن عليه، لا ملغيا له. قال تعالى {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} (المائدة،44)  ولم يزل القرآن ينبه على تلك الحقيقة، حتى ذكّرَ بأن الإسم الذي تميز به أتباع النبي الخاتم هو التسمية التي حملها إبراهيم عليه السلام والنبيون من قبله. قال تعالى {مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} (الحج، 78)

نظرا لهذه الصلة التشريعية وتأصيلا لدين الاسلام أمر الله تعالى النبي محمدا وأمته أن يحجوا البيت الحرام وأن يؤدوا المناسك كما ذكروا آباءهم يؤدونها بقوله تعالى{فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} (البقرة،200)

تشير الآية إلى وجوب ذكر الله تعالى أثناء قضاء مناسك الحج، وهذا الذكر ليس مستجدا في الإسلام، بل قديم عرفه الناس منذ عهد إبراهيم عليه السلام، وقوله تعالى {كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ} أي كما ذكرتم آباءكم يذكرون الله أثناء تأديتهم المناسك، وفيه الأمر بالدوام على الذكر الذي توارثه الآباء عن الأجداد من لدن إبراهيم عليه السلام.

 وقد عرف المسلمون الحج ومناسكه كما توارثوه من آبائهم قبل الإسلام، ولذلك وصف القرآن الكريم الحج بأنه معلومة أشهره بقوله تعالى {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} (البقرة، 197) كما وصف أيامه بأنها معدودة بقوله تعالى {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} (البقرة، 203) مما يدل على أن العرب عرفوها قبل الإسلام.

وكذلك الإفاضة بشكلها الصحيح كان معلوما لديهم قبل الإسلام وإن خالفوا فيه ولذلك أمر الله المسلمين الإفاضة من حيث أفاض الناس الإفاضة الصحيحة بقوله تعالى {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} (البقرة، 199) يقول الزمخشري: إن الإفاضة من عرفات شرع قديم فلا تخالفوا عنه وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ من مخالفتكم في الموقف ونحو ذلك من جاهليتكم[3].

والآيات التالية تزيد الأمر وضوحا، حيث تبين أن الحج شريعة الأنبياء قبل محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا ما جعل العرب على علم بأيامه ومناسكه وأذكاره. قال تعالى {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ. وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ. لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} (الحج،26_ 28).

وقد كان العرب قبل الإسلام يحجون ويذكرون الله تعالى. والتلبية في الحج من هذا القبيل، وطلبت الآية من المسلمين أن يكونوا ذاكرين لله كما فعل آباؤهم أو أن يكونوا أشد ذكرا منهم. ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين معه رددوا تلك الأذكار المتوارثة من ملة إبراهيم عليه السلام، وتركوا ما أحدثه الناس بعد إبراهيم من ذكر مخالف للوحدانية كقول الجاهليين في التلبية (إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك) إلا أن الجزء الأول من التلبية كان صحيحا وردده النبي والصحابة (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك).

كتبه: جمال نجم

________________________________________________________________

[1] المَقامُ والمُقامُ فَقَدْ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَعْنَى الإِقامة، وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى مَوْضِعِ القِيام، لأَنك إِذَا جَعَلْتَهُ مِنْ قَامَ يَقُوم فَمَفْتُوحٌ، وَإِنْ جَعَلْتَهُ مِنْ أَقَامَ يُقِيمُ فَمضْموم، فَإِنَّ الْفِعْلَ إِذَا جَاوَزَ الثَّلَاثَةَ فَالْمَوْضِعُ مَضْمُومُ الْمِيمِ، لأَنه مُشَبَّه بِبَنَاتِ الأَربعة نَحْوُ دَحْرَجَ وَهَذَا مُدَحْرَجُنا. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: لَا مَقَامَ لَكُمْ، أَيْ لَا مَوْضِعَ لَكُمْ، وقُرئ لَا مُقامَ لَكُمْ ، بِالضَّمِّ، أَيْ لَا إِقَامَةَ لَكُمْ. وحَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً ؛ أَي مَوْضِعًا؛ وَقَوْلُ لَبِيدٍ: عَفَتِ الدِّيارُ: مَحلُّها فَمُقامُها … بِمنىً، تأَبَّدَ غَوْلُها فَرِجامُها. يَعْنِي الإِقامة. (لسان العرب، فصل القاف).

[2] تفسير الزمخشري على الآية 97 من آل عمران

[3] تفسير الزمخشري على الآية 200 من سورة البقرة

أضف تعليقا

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.