حبل الله
تمهيد

تمهيد

تمهيد :

نحنُ مَدينون للهِ تعالى بكلِّ ما نملكُ، ولا نملكُ سِوى ما آتانا؛ قال تعالى «لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ».[1] وكلُّ إنسانٍ يُؤمنُ بذلك، ويُعبِّرُ عن إيمانه بطريقةٍ ما، ولا يُستَثنى من هذا الوثنيُّون الذين يعبدون الأصنامَ لتُقرِّبَهم إلى اللهِ زُلفى، فهم يعتبرون الأصنامَ رموزاً لبعض الأشخاص المعنوييِّن القريبين من اللهِ تعالى، وهي عقيدةٌ باطلةٌ لا يقبلُها العقلُ، لأنَّها تقومُ على الأساطير ولا تستندُ على الأدلَّة الصَّحيحة، وهي وما شابَهَها من عقائدَ شِركٌ يجبُ تجنُّبُه.

إنَّ المُلحدين الذينَ يُعرَفون اليوم بأنَّهم لا يؤمنون بوجودِ إلهٍ قطُّ، هُم في الحقيقةِ يُؤمنون بوجود الله، وتسميتُهم إيَّاه بـ “الطَّبيعة أو إله السَّماء أو بأيِّ شيءٍ آخَرَ” لا ينفي أنَّهم يُؤمنون بوجوده، إذْ لا يُمكنُ إنكارُ وجودِ الله الذي خَلَقَ الموجوداتِ كلَّها وهو الحاكمُ الوحيدُ لهذا الكون.

 إذاً فمثالُ مَنْ يُنكرُ وجودَ الله تعالى يُشبهُ أنْ يُنكرَ الإنسانُ أباه، فالمُلحِدُ يلجأُ إلى الله إذا ألجأتْه الضَّرورةُ وتراكمتْ عليه المُشكلاتُ كما يعودُ الإبنُ الهاربُ من أبيه إليه عند تراكم مشقَّات الحياة على رأسه.

فالمُلحِدون يُريدون أن يُعطيَهم اللهُ كلَّ ما يُريدون، لكنَّهم لا يقبلون منه أمراً أو نهياً.

فريقٌ آخرُ من النَّاس يقبلون أنْ يكونَ اللهُ مُشرِّعاً، ولكنَّهم يذهبون إلى تصنيف أوامره ونواهيه، فيَقبَلون منها ما وافَقَ هواهم ويرفضون ما يُخالفُه، فهم أشبهُ ما يكونون بالشَّيطان الذي رَفَضَ أمراً من أوامرِ اللهِ تعالى فأصبَحَ مطروداً، مع أنَّه كانَ يُؤمنُ بالله وباليوم الآخر ويُؤمنُ بكلِّ ما يجبُ الإيمانُ به، ولكنَّ عدَمَ موافقتِه على أمرٍ واحدٍ من أوامر الله تعالى جعَلَه مطروداً ملعوناً.

مِنَ المعلومِ أنَّ العقيدةَ تُؤثِّرُ في جميع شُؤون الإنسان، أي أنَّ أثَرَ العقيدةِ يظهرُ فيه سواءً في حياته الخاصَّة أو الاجتماعيَّة، والعقيدةُ قابلةٌ للتَّغيير، أي أنَّ الإنسانَ يُمكنُ أنْ يُغيِّرَ عقيدتَه بقَبول دينٍ جديدٍ مثلاً، ولكنَّه لا يستطيعُ مع ذلك أنْ يخرجَ من البيئة التي عَاشَ فيها.

ومن أجلِ ذلكَ على كلِّ مُجتمعٍ أن يكونَ مُستعدَّاً لِأنْ يحتضنَ أصحابَ العقائد المُختلفة في بيئةٍ واحدةٍ.

وفي العصرِ الذي تطوَّرتْ فيه وسائِلُ النَّقل والاتصالات، وكثُرَتْ فيه الهجرةُ، وجدْنَا أنفسَنا مُضطرِّين لقبول العيش مع أصحاب العقائدِ الأُخرى، لأنَّ المُهاجِرَ يتركُ البيئةَ التي عاشَ فيها، ولكنَّه يُهاجِرُ بعقيدته إلى مُجتمعٍ جديدٍ، والمنطقُ السَّليمُ يمنعُ إكراهَ الآخرين لقبول عقيدةٍ ما.

لكنَّ المُشكلاتِ تبرزُ بسببِ ابتعادِ كثيرٍ من النَّاس عن المنطق، لذا تكثُرُ الاضطراباتُ في البيئات التي يعيشُ فيها أصحابُ العقائد المُختلفة، وللخروج من حالة الاحتقان التي تحكُمُ غالباً العلاقاتِ بين أولئك فلا بُدَّ أنْ يسودَ في المجتمع الرأيُ الصَّحيحُ المُوافقُ للشَّرع وللمنطق، وهو يتمثَّلُ في توفير المناخ المُناسِبِ لأفرادِ المُجتمع بما يسمحُ لهم بأنْ يعيشوا أحراراً حسبَ مُعتقداتِهم.

إنَّ من المؤسف حقَّاً أن نرى أصحابَ النُّفوذ والصَّدارة في المُجتمعات يحرُصون على أن تكونَ القوَّةُ هي المُهيمنةُ في مجتمعاتهم، فهم لا يُعيرون أيَّ أهميَّةٍ لاتِّباع الرَّأي الصَّحيح، وهذا ممَّا يُؤدِّي إلى الظُّلم والاضطهاد.

والذي يُريدُ أن تكونَ القوَّةُ هي المهيمنةُ بدلاً من الرَّأي الصَّحيح إنَّما يُريدُ في الحقيقة أنْ يكونَ النَّاسُ عباداً له، فيلجأُ البعضُ من أولئك السَّاعين إلى الهيمنة إلى قوَّتِهمُ الماديَّةِ والبعضُ منهم إلى سُلطة الدَّولة، والبعضُ الآخَرُ يجعلُ من الدِّين وسيلةً لنيل مُراده، ومن أجل ذلك كانتْ قضيَّةُ الحريَّة _على مرِّ التَّاريخ_ منْ أهمِّ القضايا البشريَّة.

إنَّ كثيراً ممَّن قاموا بالنِّضال من أجل الحُريَّة حاولوا استعبادَ الآخرين عندما صاروا أصحابَ نفوذٍ وسُلطةٍ، وهذه حقيقةٌ يُدركُها كثيرٌ من النَّاس.

إنَّ الدِّيانةَ السَّماويَّةَ ترفضُ الإكراهَ في أمور الدِّين؛ ولا يصحُّ الإلجاءُ والقهرُ بعد أن بانتِ الأدلَّةُ والآياتُ الواضحةُ الدَّالَّةُ على صِدق النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيما يُبلِّغُه عن ربِّه، فمَنْ شاءَ فليُؤمنْ ومَنْ شاءَ فليكفُرْ، ومن أجل ذلك جاهَدَ الأنبياءُ جميعاً، وكانَ هدفُهم الأساسيُّ هو إنقاذُ الأُمم والأفراد من عبادة العباد إلى عبادة ربِّ العباد، ومن ضِيق الدُّنيا إلى سِعَة الآخرة، وتلك هي المهمَّةُ المُشتركةُ لجميع الأنبياء والمُرسلين.

العبادةُ في اللُّغة تعني العبوديَّةَ المُطلَقة، أي الانقيادَ الكاملَ المُطلقَ، وعلى هذا فالانقيادُ المُطلَقُ لغيرِ الله تعالى عبادةٌ له، ولكنَّ الذين يُريدون جعلَ الدِّين وسيلةً من وسائل القهر والجبر يُبعدونه أوَّلاً عن سُنن الأنبياء ثُمَّ يجعلونَه مُبهَماً، فيستولون بذلك على أُمور الدِّين بإنشاءِ مُؤسَّساتٍ دينيَّةٍ رسميَّةٍ مع أنَّ الدِّين في الحقيقة هو أمرٌ فرديٌّ !

وتتعلَّقُ بسبب أفعالهم تلك عمليَّةُ قبول الدِّين أو رفضِه بمراسمَ رسميَّةٍ، كالحال في الدِّيانة المسيحيَّةِ، حيث تحتَكرُ الكنيسةُ الدِّينَ على اعتبارِ أنَّ لها الحقَّ الحصريَّ في إدخال النَّاس إلى الدِّين أو إخراجِهم منه، وبذلك حقَّقت تلك المُؤسَّساتُ آمالَها في السَّيطرةِ على الدَّولة وإدارتِها باسم الله، فاستغلَّ القائمون على تلك المؤسَّسات كلَّ إمكانيَّات الدَّولة، وتحلَّلوا من المسؤوليَّة تجاهَ النَّاس تاركين البحثَ عن حلولٍ للمُشكلات الاجتماعيَّةِ والاقتصاديَّة من فقرٍ وظُلمٍ وقهرٍ؛ قائلين: هذا ممَّا قدَّرَ اللهُ عليكم !

إنَّهم بقولهم هذا تركوا المسؤوليَّةَ وهربوا من تحمُّلها، لأنَّه لا يُمكنُ لأحدٍ أن يُحاسبَ اللهَ، فهو سبحانه لا يُسأل عمَّا يفعلُ وهُم يُسألون.

وهكذا النِّظامُ في الدَّولة الثيوقراطيَّة، فالثيوقراطيَّةُ تعني دخولَ الدَّولة تحتَ أمرِ الكنيسة،كما توجَدُ التَّنظيماتُ المُشابِهةُ لها في الدِّيانة المسيحيَّة، وهو أمرٌ مرفوضٌ قطعيَّاً، لذا كان الكفاحُ ضدَّ الثِّيوقراطيَّة كفاحاً مُحِقَّاً، وقد سُمِّيَ هذا الكفاحُ بـ “العِلمانيَّة”.

إنَّ العِلمانيَّة التي كانت رمزَ الثَّورة ضدَّ الثيوقراطيَّة أصبحتْ من وسائل القهر والاضطهاد والمُحاسبةِ على المُعتقدات، لذلك أصبَحَ مَنْ يُريدُ استعبادَ النَّاس وسحبَ الحُريَّةِ منهم يعتمدُ إمَّا على الدِّين أي الثّيوقراطيَّة وإمَّا على العلمانيَّة.

إنَّ الظُّروفَ الخاصَّةَ التي أدَّتْ إلى ظهور الحُكم الكنسيِّ (الثيوقراطيّة) في الغرب ومن ثمَّ الثَّورة العلمانيَّة لم تتوفَّرْ في العالم الإسلاميِّ، وكان وجودُ القُرآن الكريمِ مانعاً دون ذلك لأنَّه وَضَعَ المبادئَ المثاليَّة للعلاقات بين الدِّين والدَّولة، وهي مبادئُ يقبلُها كلُّ مَنْ تجنَّبَ التصرُّفاتِ العاطفيَّةَ والأحكامَ المُسبقةَ.

لقد بحثنا في هذه الدِّراسة الهيكلَ الذي تجبُ أن تُبنى عليه العلاقةُ بين الدِّين والدَّولة على ضوء القرآن الكريم، وهو كتابُ الله الأخير الذي وَصَلَ إلينا دون أن يعتريَه تغييرٌ أو تبديلٌ، وسيبقى هكذا حتَّى تقومَ السَّاعة، ثمَّ وقفنا على موضوعي الثّيوقراطيَّة والعِلمانيَّة، وحاوَلْنا دراستَهما بالتَّفصيل على ضوء الكتاب المُقدَّس والقرآن الكريم.

وقد كانَ منهجُنا الأساسيُّ في معالجة الموضوع قائماً على الاعتدال وعدم التطرُّف، وبذلنا الجهدَ في إظهار المآزق التي وَقَعَ فيها مَنْ أرادَ السَّيطرةَ على النَّاس عن طريق الثَّيوقراطيَّة أو العِلمانيَّة، وأردنا بذلك إظهارَ الحقائق التي يعرفُها الكثيرون منَّا ولكنَّهم يتجاهلونها لأنَّ تطبيقَها لا يخدمُ مصالحَهم كما هو بيِّنٌ.

ويسرُّنا أن يستفيدَ المُنصفون من هذه الدِّراسة وهذا مِقياسُ نجاحنا.

ما توفيقُنا إلَّا بالله عليه توكَّلنا وإليه نُنيب.



[1]البقرة، 2 / 255

أضف تعليقا

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.