حبل الله
وقت الإمساك (صلاة الفجر)

وقت الإمساك (صلاة الفجر)

وقت الإمساك/ صلاة الفجر

أ.د عبد العزيز بايندر

وردت في القرآن الكريم آيات كثيرة تبين وقت صلاة الفجر. منها قوله تعالى: «أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا» (الإسراء، 17 / 78). وموضع الإستشهاد في الآية هو قوله تعالى: «وَقُرْآنَ الْفَجْرِ». وكلمة “قرآن” تعني الجمع والضم. وفي الصحاح: قرأت الشيء قرآناً جمعته وضممت بعضه إلى بعض وقرأت الكتاب قراءة وقرآنا. ومنه سمي القرآن لأنه يجمع السور فيضمها.[1] وتعني الكلمة في كثير من الآيات التجميع أو المجموعات. وقوله تعالى: « وَقُرْآنَ الْفَجْرِ» أي عندما يجتمع الفجر، يحين وقت صلاة الصبح.

والفجر مصدرا بمعنى شق الشيء شقا واسعا،[2] واسما يعني حمرة الشمس المستطيرة المنتشرة في الأفق الشرقي في الصباح. ونعني بتجمع الفجر تجمع الأضواء الحمراء في الأفق.

الأضواء البيضاء والحمراء التي تظهر نهاية الليل في الجزء العلوي من الأفق، تُشكل قباب ضوء ضعيفة تنحدر ببطء في الأفق. وحين يشتد ضوء الشمس تتحلل ألوان هذه القباب وينفتح الأفق. ثم يظهر الفجر، أي تجمعات الأضواء الحمراء المستعرضة في الأفق على شكل أشرطة حمراء، وتتكون فوقها أشرطة من الأضواء البيضاء، وتظهر الأرض في هذا الوقت كشريط أسود تحت الفضاء؛ لأنه لا يمكن رؤية المحيط بشكل واضح. وحين تتضح الأشرطة الضوئية بحيث لا يبقى مجال للشك، يبدأ وقت صلاة الفجر، وهذا هو المراد من قوله تعالى: «إن قرآن الفجر كان مشهودا». فلا يبدأ وقت صلاة الفجر إلا حين تتجمع الأضواء الحمراء في الأفق، وليس بظهور الأضواء البيضاء. وهذا مهم للغاية؛ لأن الضوء قبلها هو ضوء السحر، حيث لا يدخل بها وقت صلاة الفجر ولا يبدأ الصيام، وقد سمي هذا الوقت بالفجر الكاذب لأنه يخدع الناس.

وقوله تعالى: «وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ» (المدثر، 74 / 34) يبين كذلك الفجر الصادق. ويقال: أسفر الصبح إذا انكشف وأضاء إضاءة لا يشك فيه.[3]

وعندما يُقسم الله تعالى بشيء فهو لبيان أهمية ذلك الشيء. قال الله تعالى: «وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ» فقد أقسم بالصبح لبيان أهمية هذا الوقت، لأنه وقت صلاة الفجر وبداية الصيام.

وكلمة “الصُبح” في الآية الكريمة تعني الحمرة. والصَّبح: شدة حمرة في الشعر.[4] والأَصْبَحُ: الأسد، وشعر يخلطه بياض بحمرة خلقة.[5] ويقال على الفجر الصبح لأنه يشير إلى شريط الضوء الأحمر المعترض الذي هو علامة الفجر. وجاء بيان الرسول صلى الله عليه وسلم على النحو التالي: “ليس الفجر المستطيل في الأفق ولكنه المعترض الأحمر”.[6]

من بداية الفجر الكاذب، يظهر الضوء الأبيض والأحمر في الأفق مختلطا بالظلام ثم يبدأ الاحمرار يغلب عليه.

الفجر الكاذب

وقد دل قوله تعالى: «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ» (البقرة، 2 / 187) دلالة واضحة  على أن وقت صلاة الفجر لا يدخل حتى تتشكل أشرطة الأضواء في الأفق الشرقي.

تتباين الألون في الفجر، ويبقى الظلام في الأسفل وفي الأعلى شريط الضوء الأبيض ويظهر بينهما شريط الضوء الأحمر شديد اللون. وهي الحمرة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: “فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَعْتَرِضَ لَكُمُ الْأَحْمَر”.[7] وروي عنه أنّه: ” صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ بَرَقَ الْفَجْرُ وَحَرُمَ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ”.[8] وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لَا يَغُرَّنَّكُمْ نِدَاءُ بِلَالٍ وَهَذَا الْبَيَاضُ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ، أَوْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ”.[9] وقوله صلى الله عليه وسلم ” وَهَذَا الْبَيَاضُ” يعني الفجر الكاذب.

وعلى ما ذكرنا من الآيات والأحاديث تبين لنا أنّ هناك فجرين. كما أشار إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: “كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا يَهِيدَنَّكُمْ السَّاطِعُ الْمُصْعِدُ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَعْتَرِضَ لَكُمُ الْأَحْمَرُ”.[10]

و”الساطع” من السطع وهو: كل شيء انتشر أو ارتفع من برق أو غبار أو نور أو ريح.[11] والمصعد، من الصعود ضد الحدور أي ما يرتفع إلى الأعلى. ويعني ذلك أن الفجر الأول هو الأضواء المنتشرة الصاعدة؛ أما الفجر الثاني فهو مجموعة الضوء الأحمر المعترض الذي يتوسط بين الضوء والظلام. كما أخبرنا الله عن ذلك بقوله: «فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ» (الأنعام، 6 / 96).

الإصباح: أول النهار مصدر من الصبح وهو الحمرة.[13] وضوء الصبح يخالطه بياض بحمرة، فقوله تعالى: «فَالِقُ الإِصْبَاحِ» يعني يشق تلك الأضواء فيظهر الضوء الأحمر. وتلفت الآيات والأحاديث النظر إلى مجموعة الأضواء الحمراء.

وفي الفجر الصادق ينفصل شريط الضوء الأبيض عن الظلام بشريط الضوء الأحمر، كما يظهر في الصورة أعلاه. وعن أبي موسى، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنّه ” أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة، فلم يرد عليه شيئا، قال: فأقام الفجر حين انشق الفجر، والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضا، ثم أمره فأقام بالظهر، حين زالت الشمس، والقائل يقول قد انتصف النهار، وهو كان أعلم منهم، ثم أمره فأقام بالعصر والشمس مرتفعة، ثم أمره فأقام بالمغرب حين وقعت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق، ثم أخر الفجر من الغد حتى انصرف منها، والقائل يقول قد طلعت الشمس، أو كادت، ثم أخر الظهر حتى كان قريبا من وقت العصر بالأمس، ثم أخر العصر حتى انصرف منها، والقائل يقول قد احمرت الشمس، ثم أخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق، ثم أخر العشاء حتى كان ثلث الليل الأول، ثم أصبح فدعا السائل، فقال: الوقت بين هذين”.[14]

وقوله: “والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضا” أي قد بدأ يعرف بعضهم بعضا بانتشار الأضواء في المحيط. كما أنّ قوله ” ثم صلى الفجر حين برق الفجر” هو أكثر توضيحا للموضوع. ويؤيد هذا المعنى ما روي عن أبي برزة رضي الله عنه أنّه قال: “كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الصبح وأحدنا يعرف جليسه”.[15] وهذا يدل على أنّ الضوء المتشكل في الأفق يدخل المسجد فيستطيع أحد أن يعرف جليسه. روي عن إبراهيم النّخعي أنه قال: “ما اجتمع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم على شيء ما اجتمعوا على التنوير.[16] التنوير هو الضوء المنتشر الذي يعين على الإبصار.

ويقول السرخسي من الحنفية أنّ الفجر هو البياض المنتشر في الأفق.[17]  ويكون الأفق مستبينا لا اشتباه فيه.[18]

و قال مالك: وإنه ليقع في قلبي وما هو إلا شيء فكرت فيه منذ قريب، أن الفجر ويكون قبله بياض ساطع فذلك لا يمنع الصائم من الأكل، فكما لا يمنع الصائم ذلك البياض من الأكل حتى يتبين الفجر المعترض في الأفق، فكذلك البياض الذي يبقى بعد الحمرة لا يمنع مصليا أن يصلي العشاء.[19]

ومن الحنابلة قال ابن قدامة: إنّ وقت الصبح يدخل بطلوع الفجر الثاني إجماعا، وقد دلت عليه أخبار المواقيت، وهو البياض المستطير المنتشر في الأفق، ويسمى الفجر الصادق؛ لأنه صدقك عن الصبح وبينه لك، والصبح ما جمع بياضا وحمرة، ومنه سمي الرجل الذي في لونه بياض وحمرة أصبح.[20]

وقال الشافعي: وإذا بان الفجر الأخير معترضا حلت صلاة الصبح، ومن صلاها قبل تبين الفجر الأخير معترضا أعاد ويصليها أول ما يستيقن الفجر معترضا حتى يخرج منها مغلسا.[21]

وعن عبد بن أحمد بن حنبل قال: سألت أبي عن الفجر الذي يحرم الطعام والشراب، فقال: هما فجران؛ الفجر المستطيل والفجر المعترض فالذي يحرم الطعام والشراب الفجر المعترض.[22]

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]   أنيس الفقهاء في تعريفات الألفاظ المتداولة بين الفقهاء، لقاسم بن عبد الله بن أمير علي القونوي الرومي الحنفي (المتوفى: 978هـ)، المحقق: يحيى حسن مراد، دار الكتب العلمية، الطبعة: 2004م-1424هـ، باب شروط الصلاة، 1 / 34.

[2]  المفردات، مادة فجر.

[3]   لسان العرب، مادة: سفر.

[4]   أنظر، معجم مقاييس اللغة، أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين (المتوفى: 395هـ)، المحقق: عبد السلام محمد هارون،  دار الفكر، 1399هـ – 1979م. مادة: صبح.

[5]  القاموس المحيط، مادة: صبح.

[6]  مسند أحمد بن حنبل،  26/ 218.

[7] سنن أبي داود، الصوم 17؛ الترمذي، الصوم 15؛ مسند أحمد بن حنبل، 4 / 23.

[8]  الترمذي، المواقيت 1.

[9]  مسند أحمد بن حنبل، 33 / 267 رقم الحديث: 20079.

[10]   سنن أبي داود، وقت السحور رقم الحديث: 2348؛   سنن الترمذي، باب ما جاء في بيان الفجر رقم الحديث: 705.

[11]  أنظر، لسان العرب، مادة: سطع.

[12]

[13]  أنظر المقاييس لابن فارس، مادة: صبح.

[14]  صحيح مسلم، باب المساجد، رقم الحديث: 178-614.

[15]  البخاري، مواقيت الصلاة 11.

[16]  شرح معاني الآثار، أبو جعفر الطحاوي، 1 / 184.

[17]  المبسوط، السرخسي، 1 / 141.

[18]  بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 1/ 155.

[19]  المدونة، مالك بن أنس دار الكتب العلمية، 1994/1415،  1/ 265.

[20]  المغني لابن قدامة، 1/ 279.

[21]  الأم للشافعي، 1/ 93.

[22]  مسائل الإمام أحمد رواية ابنه أبي الفضل صالح،3/ 202.

التعليقات

Your Header Sidebar area is currently empty. Hurry up and add some widgets.